مسيرة السورية للتجارة من الدعم الاجتماعي إلى استثمار صالاتها

في السنوات الأخيرة، شكّلت صالات “السورية للتجارة” جزءاً أساسياً من المشهد الاقتصادي في سوريا، إذ أُنشئت لتأمين السلع الأساسية بأسعار مدعومة ومحاربة الغلاء في الأسواق، ومع بداية التحرير وسقوط النظام، تم إغلاق هذه الصالات بالكامل، ما أثار تساؤلات مشروعة حول مصيرها: هل يمثل هذا الإغلاق خطوة نحو إعادة هيكلة قطاع الدعم أم بداية لتفكيك شبكة توزيع اعتمد عليها ملايين المواطنين؟ وما الذي ينتظر آلاف الموظفين والعاملين الذين ارتبطت حياتهم الوظيفية والمادية بهذه المؤسسات؟
معاون مدير المؤسسة السورية للتجارة يوضح
في هذا السياق، أوضح معاون مدير المؤسسة السورية للتجارة، معاذ هنداوي، أن إغلاق الصالات جاء نتيجة توجيه رسمي بعد تعرض عدد من مؤسسات الدولة لاعتداءات، بهدف حماية الممتلكات العامة والمخزون الموجود داخلها، وأكد أن القرار كان تمهيدًا لإعادة تقييم وضع هذه العقارات ودراسة طرق استثمارها وفق أسس قانونية واقتصادية واضحة.
كانت الصالات تحتوي على تشكيلة واسعة من المواد، من أغذية ولحوم مبردة إلى أدوات كهربائية وأثاث منزلي، لكن مع توقف النشاط التجاري واستمرار التعديات، نُقلت هذه المواد إلى مستودعات مركزية للحفاظ عليها، ومع ذلك، تسبب طول فترة التخزين ونقص التجهيزات الفنية في تلف جزء منها أو اقترابه من ذلك، ما استدعى اتخاذ إجراءات نظامية تتراوح بين تصريف الصالح منها بأسعار مخفضة أو إتلاف التالف بالتنسيق مع الجهات الرقابية المختصة.
المؤسسة السورية للتجارة والتوجه نحو استثمار صالاتها
المؤسسة السورية للتجارة تُعد واحدة من أكبر مؤسسات القطاع العام ذات الطابع الاقتصادي، وقد نشأت نتيجة دمج عدد من المؤسسات السابقة هي: المؤسسة الاستهلاكية، مؤسسة الخزن والتسويق، سندس، ومؤسسة اللحوم والخضار.
جاء تأسيسها بهدف توحيد الجهود وتفعيل دورها في التدخل الإيجابي بالسوق المحلية، وذلك من خلال تأمين المواد الغذائية والاستهلاكية الأساسية للمواطنين بأسعار مدروسة، والمساهمة في ضبط حركة السوق، إضافة إلى طرح بدائل منافسة للقطاع الخاص.
ومع المستجدات الاقتصادية الراهنة، أوضح هنداوي أن المؤسسة بدأت تبني نهجاً جديداً يقوم على استثمار أصولها وعقاراتها لتعزيز مواردها الذاتية ودعم الأهداف الاقتصادية الوطنية، وتخضع المؤسسة من الناحية الإدارية والمالية لسلطة الإدارة العامة للتجارة الداخلية وحماية المستهلك التابعة لوزارة الاقتصاد والتجارة الخارجية، التي تشرف على رسم السياسات العامة وتقدم جزءاً من التمويل، في حين تعتمد المؤسسة على مواردها التشغيلية وأرباحها الذاتية ضمن إطار موازنة مستقلة، ملتزمة بتحويل الفوائض إلى خزينة الدولة وفق القوانين المعمول بها.
في إطار هذا التوجه، طرحت المؤسسة عدداً من صالاتها للاستثمار عبر الاستئجار، حيث تُحدد مدة العقد الأولية للصالات الصغيرة بمساحات تقل عن 120 متراً مربعاً بعامين، وتُقدر قيمة الإيجار بناءً على تقييم عقاري شامل يُحسم من خلال مزاد علني يضمن تحقيق القيمة السوقية العادلة لصالح الدولة، مع منح المستثمرين مرونة في تقدير جدوى مشاريعهم.
مع ذلك، قررت المؤسسة مؤخراً إلغاء مواعيد المزايدات التي لم يحن موعدها بعد، في انتظار صدور تعليمات جديدة تحدد آلية الإشراف والقوانين المنظمة للاستثمار، وأكد هنداوي أن الصالات الجاهزة ستُطرح للاستثمار عبر مزادات علنية تلتزم بمبدأ تكافؤ الفرص، لتعزيز الشفافية والمنافسة الإيجابية بين المستثمرين.
وعن الجاهزية الفنية للعقارات، بيّن هنداوي أن حالتها تختلف، فبعضها جاهز للعمل مباشرة، وبعضها يحتاج إلى صيانة أو تأهيل. وتُفصل حالة البنية التحتية والخدمات مثل المياه والكهرباء والاتصالات داخل دفتر الشروط ليكون المستثمر على اطلاع كامل، كما يمكن للمستثمر إجراء تعديلات داخلية وفق موافقة الدائرة الفنية المختصة.
ويعتبر مراقبون أن الخطوة الأخيرة للمؤسسة السورية للتجارة تمثل تحولاً لافتاً في بنية الاقتصاد السوري، مع تزايد التوجه نحو منح القطاع الخاص مساحة أوسع في النشاط الاقتصادي.
إذ تدير المؤسسة نحو 1500 صالة موزعة على مختلف المحافظات، كانت تهدف لتوفير السلع الأساسية بأسعار مدعومة، لكنها توقفت عن العمل خلال السنوات الماضية بسبب قضايا فساد واختلاسات ضخمة، كما تغيرت طبيعة إشرافها عقب دمج وزارة التجارة الداخلية مع وزارة الاقتصاد، مما أثر على علاقاتها مع المؤسسات الحكومية الأخرى.
الفساد دمر أهداف المؤسسة
الفساد الذي استشري في المؤسسة خلال السنوات الماضية، كان له دور كبير في تقويض أهدافها، ففي تموز 2024، كشفت مصادر خاصة عن اعتقال مدير فرع المؤسسة في اللاذقية ورئيس لجنة الشراء ورئيس المرآب بتهم فساد مالي تجاوزت قيمته 3 مليارات ليرة سورية، تضمنت فواتير وهمية لأعمال صيانة لم تُنفذ أو مبالغ فيها، بدعم من موظف رفيع في وزارة التجارة الداخلية.
وقد تركز عمل المؤسسة سابقاً على بيع المواد الغذائية الأساسية مثل السكر والأرز والزيت والشاي، بالإضافة إلى الخضار والفواكه واللحوم والمنظفات.
مصير الموظفين
وبعد توقف نشاط الصالات عن البيع، برزت تساؤلات حول مستقبل الموظفين، فأكد هنداوي أن المؤسسة لم تستغنِ عن أي منهم، بل أعادت توزيعهم على وظائف إدارية واستثمارية داخل الهيكل المؤسسي أو في الإدارات المركزية والمستودعات، مع الحفاظ على حقوقهم المالية والإدارية وفق قانون العاملين الأساسي، والعمل على تأهيلهم لضمان توافق مهاراتهم مع متطلبات مرحلة التحول المؤسسي الجديدة.
اقرأ أيضاً: ثلث بضائع الأسواق السورية;سم في الدسم: كيف يشتري المواطن الخطر بماله؟









