سياسة

مستوطنو باشان: من التسلل إلى تهديد وحدة سوريا

الكاتب: أحمد علي

كاد جيش الاحتلال الإسرائيلي يقصف ليلاً مجموعة تحركت في جنوب سوريا، قبل أن يكتشف أن أفرادها يهود متدينون تسللوا من الجولان المحتل وكانوا في طريق العودة. الحادثة التي أكدها الجيش لوكالة «أسوشيتد برس Associated Press» كشفت نشاط جماعة صغيرة تُسمّي نفسها «رواد باشان Pioneers of Bashan»، وتكرر عبورها غير المصرح به إلى الأراضي السورية سعياً إلى إقامة بؤرة استيطانية قرب الجولان.

لم تنشئ الجماعة مستوطنة، ولم تعلن حكومة الكيان تبني مشروعها. الجيش أعاد المتسللين واحتجز بعضهم، وقال إنهم يعطلون عملياته ويعرضون أمن قواته للخطر. لكن التعامل مع الظاهرة بوصفها مشهداً هامشياً مغلقاً يتجاهل البيئة التي سمحت بظهورها، فقد باتت القوات الإسرائيلية موجودة داخل الجنوب السوري منذ كانون الأول 2024، وتنفذ توغلات شبه يومية وفق إحاطات أممية، بينما تروّج الجماعة لخريطة تشمل القنيطرة ودرعا والسويداء تحت اسم ديني وتاريخي واحد.

من هم مستوطنو باشان؟

تأسست جماعة «رواد باشان» مطلع 2025، وتضم عشرات الناشطين الإسرائيليين من التيار القومي الديني. تستمد اسمها من إقليم باشان الوارد في النصوص التوراتية، وتقول إن حدوده التاريخية تمتد في أجزاء من جنوب سوريا والأردن. ويضع خطابها محافظات القنيطرة ودرعا والسويداء ضمن مجال ترى أن لليهود حقاً تاريخياً فيه، وهو ادعاء ديني وسياسي لا يمنحه القانون الدولي أي أثر على سيادة سوريا أو ملكية أراضيها.

تبدأ الخطة المعلنة للجماعة بإقامة بؤرة صغيرة داخل الأراضي السورية المحاذية للجولان المحتل. يعرف تاريخ الاستيطان الإسرائيلي هذا الأسلوب جيداً، إذ يبدأ الناشطون بموقع محدود ومؤقت، ثم يضغطون لاحقاً للحصول على حماية وخدمات واعتراف حكومي. تشير «أسوشيتد برس» إلى أن عدداً من مستوطنات الضفة الغربية بدأ على هذا النحو، لكن المقارنة تشرح طريقة العمل ولا تثبت أن المسار نفسه سيتكرر في سوريا.

التسللات المسجلة بقيت قصيرة حتى الآن. أزال الجيش الإسرائيلي المشاركين قبل أن يتمكنوا من تشييد منشآت ثابتة، وأظهرت مقاطع منشورة في 5 تموز شباناً متدينين يجلسون متشابكي الأذرع بينما يحاول الجنود تفريقهم، ثم يُقيّد بعضهم. وفي نيسان ظهر عشرات يرفعون الأعلام الإسرائيلية على سطح منزل قالوا إنه يقع قرب بلدة حضر في القنيطرة، بينما كان جنود إسرائيليون في المكان.

تكرار المحاولات هو العنصر الأهم في الظاهرة. أفاد تقرير الوكالة بأن مجموعات من عشرات الأفراد حاولت عبور الحدود كل عدة أيام خلال الأسابيع الأخيرة. الجيش يقول إنه يوقف المدنيين ويسلمهم إلى الشرطة، لكن القناة 12 الإسرائيلية ذكرت أنه لم تُقدم لوائح اتهام حتى أواخر تموز. غياب الملاحقة الواضحة يخفض كلفة المحاولة، ويتيح للجماعة إعادة إنتاج المشهد وتحويل كل توقيف إلى مادة دعائية جديدة.

لا تعمل الجماعة في عزلة تامة عن السياسة الإسرائيلية. وثقت حساباتها لقاءات مع وزير التراث عميخاي إلياهو Amichai Eliyahu ووزير الاتصالات شلومو كرعي Shlomo Karhi، وقال أحد قادتها عاموس عزاريا Amos Azaria إن لها أصدقاء داخل الحكومة وأعضاء في الكنيست. هذه الصلات لا تعني أن مجلس الوزراء اتخذ قراراً بالاستيطان في سوريا، لكنها تمنح الحركة منفذاً إلى مؤسسات تستطيع لاحقاً التأثير في النقاش العام أو عرقلة محاسبة المشاركين.

السويداء داخل خطاب الاستيطان

أدخل «مستوطنو باشان» السويداء في خطابهم من بوابة حماية الدروز. قال عزاريا إن الجماعة تريد إنشاء «ممر إنساني» يصل إسرائيل بما وصفه بالجيب الدرزي في السويداء، وربط ذلك بإفراغ المناطق ذات الغالبية “المعادية لإسرائيل” المجاورة وإحلال استيطان يهودي فيها. هذه الصياغة تنقل فكرة المساعدة الإنسانية إلى مشروع لتغيير السكان والسيطرة على الأرض، وتوضح أن السويداء تُستخدم في الخطاب بوصفها ذريعة جغرافية وسياسية، لا بوصفها وجهة لتسلل امرأة إسرائيلية منفردة أو استيطان قائم داخل المحافظة.

التدقيق هنا ضروري. تقرير «أسوشيتد برس» لا يثبت أن الجماعة وصلت إلى مدينة السويداء أو أقامت وجوداً مدنياً فيها، بل يقول إن أنظارها تتجه إلى نطاق واسع من الجنوب يشمل المحافظة. التسللات الموثقة وقعت قرب الجولان وفي محيط القنيطرة، حيث يملك الجيش الإسرائيلي قدرة مباشرة على الحركة والاعتقال والإعادة. تحويل النية المعلنة إلى خبر عن مستوطنين وصلوا فعلاً إلى السويداء سيضيف إلى الوقائع ما لا تثبته المصادر.

استخدام حماية الدروز يكتسب وزناً بسبب العنف الذي شهدته السويداء في 2025، وما تبعه من تدخلات إسرائيلية قُدمت باعتبارها دفاعاً عن أبناء الطائفة. وقد دعا مسؤولون وشخصيات إسرائيلية إلى منطقة منزوعة السلاح في جنوب سوريا وممر للمساعدات نحو السويداء. تسمح هذه الخلفية للجماعة بربط مشروعها الاستيطاني بملف إنساني وأمني حقيقي، ثم القفز منه إلى ادعاء أن الاستيطان سيحمي السكان.

المشكلة أن حماية المدنيين لا تستدعي نزع ملكية جماعة أخرى أو تغيير التركيبة السكانية في درعا. حديث عزاريا عن وجوب إخلاء المنطقة ممن وصفهم بأعداء إسرائيل يضع الفكرة ضمن منطق طرد السكان، حتى لو قُدمت تحت اسم الممر الإنساني. كما يهدد بإدخال علاقة الدروز مع محيطهم السوري في صراع على الأرض لا يخدم مطالبهم الأمنية أو السياسية، وقد يزيد الشكوك والانقسام داخل الجنوب.

لا يظهر في المصادر المتاحة موقف موحد لأهالي السويداء أو قياداتهم من جماعة «رواد باشان». لذلك لا يصح نقل خطاب المستوطنين باعتباره طلباً سورياً أو درزياً. الدعم لبعض أشكال التدخل الإسرائيلي لدى شخصيات محلية لا يساوي قبول مشروع استيطاني، كما أن الخلاف مع دمشق لا يسقط السيادة السورية على المحافظة أو يمنح جماعة أجنبية حق التحرك فيها.

متى يتحول الهامش إلى مشكلة؟

تبدو الجماعة محدودة العدد، ويعدها معظم الإسرائيليين حركة هامشية بحسب تقرير الوكالة. مع ذلك، تعمل داخل واقع تغير منذ سقوط النظام السابق في كانون الأول 2024، حين دخل الجيش الإسرائيلي منطقة الفصل التي أنشأها اتفاق فض الاشتباك لعام 1974 وسيطر على مواقع إضافية في الجنوب. قالت الأمم المتحدة في حزيران 2026 إن القوات الإسرائيلية حافظت على وجودها في منطقة الفصل ونفذت توغلات شبه يومية، وأقامت حواجز مؤقتة ونفذت عمليات تفتيش واعتقال للمدنيين.

هذا الوجود العسكري يصنع الفارق بين جماعة ترفع شعاراً على الجانب الإسرائيلي وجماعة تستطيع عبور خط الفصل والظهور فوق منزل سوري. الجيش يعارض تسلل المدنيين لأنه يربك عملياته، لكنه هو الذي يسيطر على المجال الذي يمرون خلاله. استمرار الاحتلال والتوسع في الحواجز والنقاط العسكرية يضعف الحد الفاصل بين الإجراء الأمني المؤقت والوجود طويل الأمد، ويمنح دعاة الاستيطان أرضاً يمكنهم محاولة تحويلها إلى واقع مدني.

شهدت سوريا خلال تموز وحده توغلات إسرائيلية متكررة في القنيطرة ودرعا، بينها دخول آليات إلى قرى وإقامة حواجز وتفتيش المارة، إضافة إلى التحرك قرب سد كودنا ووادي الرقاد. لا ترتبط هذه العمليات بجماعة المستوطنين مباشرة، لكنها توسع المجال الذي يتحرك فيه الجيش خارج خطوط اتفاق 1974. وكلما طال هذا الوضع أصبح من الأسهل على الحركة القول إن الأرض تحت الحماية الإسرائيلية ويمكن اختبار إقامة بؤرة فيها.

الخطر القريب لا يتمثل في بناء مدينة استيطانية خلال أيام. الأكثر واقعية هو تراكم سوابق صغيرة، مثل عبور متكرر لا يقود إلى محاكمة، أو نشاط سياسي داخل الكنيست، أو وضع لافتة ومنشأة مؤقتة في موقع يحميه الجيش، ثم ظهور مطالب بإبقاء الوجود المدني لأسباب أمنية. يصعب تنفيذ هذه الخطوات من دون قرار سياسي أو تساهل مؤسسي، ولم يظهر مثل هذا القرار حتى الآن، لكن العلاقات التي تتحدث عنها الجماعة مع وزراء تجعل الاحتمال جديراً بالمتابعة.

يمكن أن تستفيد أطراف داخل إسرائيل من نشاط الحركة حتى من دون الموافقة على الاستيطان. وجود ناشطين يطالبون بضم الجنوب يجعل الاحتلال العسكري يبدو خياراً أقل تطرفاً بالمقارنة، ويضغط باتجاه إطالة بقائه بدعوى منع المدنيين من الدخول أو حماية الدروز أو تأمين الجولان. كما يحول النقاش من وجوب الانسحاب إلى طبيعة الاستخدام الإسرائيلي للأرض السورية، وهو انتقال يخدم تثبيت الأمر الواقع.

تواجه دمشق في المقابل صعوبة واضحة. تركيز الحكومة على الاحتلال العسكري مفهوم لأن القوات والدبابات والحواجز تمثل التهديد المباشر، إلا أن غياب تعليق رسمي محدد على التسللات المدنية يترك رواية الجماعة تنتشر من دون تفنيد سوري مفصل. تستطيع الدولة توثيق أسماء المشاركين ومواقع المحاولات، وإدراجها في ملفات الشكاوى الدولية، والتأكيد أن أي بناء مدني تحت حماية قوة احتلال يبقى غير قانوني ولا ينشئ حقاً مكتسباً.

يحتاج التعامل السوري أيضاً إلى خطاب دقيق تجاه السويداء. مواجهة المشروع لا تكون باتهام سكان المحافظة أو اختزال مواقفهم، بل بالفصل بين حاجتهم إلى الأمن والتمثيل والخدمات وبين استخدام هذه المطالب لتبرير تدخل أو تغيير سكاني. كل تسوية سورية تقلل العنف وتعيد مؤسسات مقبولة إلى الجنوب تضيق المساحة التي تستخدمها إسرائيل والجماعات الهامشية لتقديم نفسها حامية أو صاحبة حق.

«رواد باشان» ليست اليوم قوة قادرة على إعادة رسم الحدود، ولم تنجح في إقامة بؤرة استيطانية داخل سوريا. لكنها تتحرك على هامش احتلال قائم، وتملك خطاباً واضحاً وصلات سياسية ومحاولات ميدانية متكررة. المشكلة السورية الجديدة ستبدأ إذا أصبح التسلل عادة بلا عقوبة، ثم تحول الوجود المدني المحدود إلى حجة لبقاء الجيش أو توسيع السيطرة. منع ذلك يتطلب إنهاء الاحتلال وتوثيق الوقائع ومعالجة هشاشة الجنوب، قبل أن يتحول الهامش الصغير إلى ملف يصعب إغلاقه.

اقرأ أيضاً: ما الذي قالته الصحف العبرية عن اجتماع الاحتلال الإسرائيلي وسوريا؟

يمثل مشروع «مستوطنو باشان» خطراً على وحدة سوريا لأنه يتعامل مع القنيطرة ودرعا والسويداء بوصفها مجالاً مفتوحاً للنفوذ والاستيطان الإسرائيلي، ويستخدم شعار حماية الدروز لتبرير ممر يخضع لسيطرة إسرائيلية ويفصل السويداء أمنياً وسياسياً عن بقية البلاد. ورغم عدم ثبوت وصول الجماعة إلى المحافظة أو إقامة بؤرة ثابتة داخل سوريا، فإن تكرار التسللات تحت مظلة الاحتلال قد يحول النشاط الهامشي إلى أمر واقع يبدأ بموقع صغير ثم يتوسع بذريعة حمايته وربطه بالطرق والخدمات. كما يهدد هذا الخطاب بتأجيج الانقسام بين مكونات الجنوب وتصوير مطالب سكان السويداء بالأمن والتمثيل كأنها دعوة إلى تدخل أجنبي، في حين أن حماية وحدة البلاد تتطلب معالجة هذه المطالب ضمن إطار وطني واستعادة الدولة قدرتها على حماية الجنوب، حتى لا تتحول الهشاشة الداخلية إلى اقتطاع جغرافي دائم.

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى