أعمال واستثمار

مستثمرو سوريا يثيرون الاحتجاجات في ألبانيا: تجميد أموال شركة مرتبطة بآل الخياط!

بقلم هلا يوسف

تزايد الحديث حول العلاقة بين آل الخياط – المستثمرون سوريو الأصل قطريو الجنسية – وبعض الدوائر الاستثمارية الدولية، وعلى رأسها صهر الرئيس الأميركي جيرارد كوشنير، بعد اندلاع احتجاجات واسعة في ألبانيا ضد مشروع سياحي ضخم على الساحل الأدرياتيكي جمع الطرفين والحكومة الألبانية، وقيام النيابة الخاصة لمكافحة الفساد في ألبانيا بتجميد أموال شركة آل الخياط Albania Land Development كاجراء احترازي ضمن تحقيق خاص بشبهات احتيال وتزوير.

هذا الحدث أعاد طرح ملف الاستثمارات الكبرى لآل الخياط في سوريا، حيث تتحدث تقارير عن مشاريع بمليارات الدولارات في قطاعات الموانئ والطاقة والعقارات. وما رافقها من انتقادات حول غياب الشفافية في هذه الصفقات، واعتمادها على شبكات علاقات غير رسمية أكثر من اعتمادها على آليات مؤسساتية واضحة. وهنا يبرز السؤال: هل ما يجري هو نموذج استثماري جديد يعيد رسم خريطة الاقتصاد في المنطقة، أم أنه توسع لنفوذ اقتصادي يثير المزيد من علامات الاستفهام؟

تفاصيل المشروع السياحي بين آل الخياط وعائلة ترامب

تفجرت خلال الأيام الماضية في ألبانيا موجة احتجاجات واسعة في العاصمة تيرانا وعلى السواحل الغربية للبلاد، بعد الإعلان عن مشروع سياحي ضخم يخطّط لإقامته على الساحل الأدرياتيكي، في منطقة تعد من أكثر المناطق البيئية حساسية في البلاد. المشروع الذي تصل كلفته إلى نحو 1.4 مليار يورو، تقف خلفه شركة مرتبطة بجيرارد كوشنير عبر شركته الاستثمارية Affinity Partners، بالشراكة مع شركة “Albania Land Development” المرتبطة بعائلة آل الخياط.

المشروع يتمحور حول منتجع فاخر على جزيرة قريبة من محمية فيوسا–نارتا الطبيعية، وهي منطقة رطبة شديدة الحساسية بيئياً تضم أنظمة طبيعية نادرة وطيوراً مهاجرة وسلاحف بحرية. هذا الموقع تحديداً كان السبب الأساسي في اندلاع الاحتجاجات، إذ يرى السكان المحليون ومنظمات البيئة أن المشروع يهدد توازن النظام البيئي، خصوصاً مع الحديث عن امتداد عمراني وسياحي واسع قد يشمل آلاف الغرف والمنشآت.

ومع تصاعد الغضب الشعبي، توسعت دائرة الاعتراضات لتشمل شبهات تتعلق بملكية الأراضي والإجراءات القانونية التي سبقت إطلاق المشروع. كما أشار محتجون إلى دخول شركات أمن خاصة إلى بعض المواقع، مما أدى إلى توترات ومواجهات محدودة في محيط الأراضي المخصصة للبناء. فيما بعد تطورت القضية إلى مستوى سياسي وقضائي، حيث فتح تحقيق في بعض المعاملات المالية المرتبطة بالمشروع، وتحدثت تقارير عن تجميد أصول تخص شركة آل الخياط.

الأزمة لم تقتصر على الاحتجاجات بل تعدتها إلى اتهامات للحكومة الألبانية بإجراء تعديلات قانونية تم إقرارها في عام 2024 لتمرير هذا الاستثمار داخل مناطق قريبة من المحميات الطبيعية، وهو ما أثار انتقادات واسعة داخل البلاد وخارجها. كما دخل الاتحاد الأوروبي على خط النقاش محذراً من تأثير المشروع على منطقة تعد جزءاً من التوازن البيئي في غرب البلقان، خاصة مع وجود أراضٍ متنازع عليها تعود ملكيتها لمواطنين من اليونان، مما زاد من تعقيدات الملف.

وهنا برز اسم عائلة آل الخياط كشريك في بعض الترتيبات الاستثمارية المرتبطة بالمشروع، عبر شركة تطوير عقاري تعمل في المنطقة تسمى “Albania Land Development”. هذا التداخل بين رأس المال والشركاء الدوليين خلق حالة من الجدل، خصوصاً مع اتساع نطاق المشروع وربطه بشبكات استثمارية عابرة للحدود.

تطور علاقة آل الخياط بعائلة دونالد ترامب

تعود جذور العلاقة بين عائلة آل الخياط وبعض الدوائر السياسية والاقتصادية في الولايات المتحدة إلى سنوات سابقة، حين بدأت اتصالات غير رسمية مع أطراف قريبة من عائلة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ومن بينهم صهره ومستشاره جيرارد كوشنير.

هذه العلاقة تطورت تدريجياً من مجرد نقاشات حول فرص استثمارية إلى طرح مشاريع أوسع ذات طابع إقليمي، شملت تصورات لمشاريع عقارية وسياحية في الشرق الأوسط، بينها مشاريع تحمل العلامة التجارية “ترامب” في أكثر من دولة. كما تم طرح أفكار استثمارية مرتبطة بإعادة الإعمار في سوريا، مع تغير النظام في سوريا وفي إطار تخفيف العقوبات الدولية.

ما علاقة سوريا؟

في سوريا تم طرح مشاريع إعادة إعمار واسعة ضمن رؤية استثمارية شاملة شاركت فيها أطراف من عائلة آل الخياط، تضمنت أفكاراً لمشاريع بنية تحتية كبرى، وموانئ، ومناطق سياحية، وحتى منتجعات فاخرة على الساحل السوري. بعض هذه التصورات وصل إلى حد الحديث عن مشاريع تحمل أسماء علامات تجارية عالمية، في محاولة لجذب التمويل الدولي وإعادة دمج السوق السورية في الاقتصاد الإقليمي.

لكن هذه الخطط بقيت مرتبطة بعقبة أساسية هي العقوبات الدولية المفروضة على سوريا، وعلى رأسها “قانون قيصر”، مما جعل تنفيذ أي مشروع واسع النطاق مرهوناً بتغيرات سياسية كبيرة على المستوى الدولي. ومع ذلك، استمرت النقاشات حول فرص الاستثمار في قطاعات الطاقة والكهرباء والغاز، بالإضافة إلى تطوير المدن القديمة والمناطق الساحلية لأغراض سياحية.

وبعد النجاح في رفع كامل العقوبات عن سوريا، التي كانت نتيجة سلسلة من الاتصالات والتفاهمات التي شملت دوائر مرتبطة بجيرارد كوشنير وعائلة ترامب ورجال أعمال سوريين وتحركات عربية ولقاءات بالحكومة السورية الجديدة، انطلقت حزمة واسعة من المشاريع الاقتصادية في سوريا بدت في ظاهرها جزءاً من خطة لإعادة الإعمار، لكنها حملت في طياتها تداخلاً واضحاً بين السياسة ورأس المال والنفوذ.

ونتيجة لهذه التفاهمات حصل تحالف يضم آل الخياط وشركاء دوليين على صفقة بقيمة تقارب 4 مليارات دولار لإعادة تأهيل مطار دمشق الدولي. كما تم التوصل إلى اتفاق آخر تصل قيمته إلى نحو 7 مليارات دولار لإنشاء أربع محطات لتوليد الكهرباء تعمل بالغاز الطبيعي، في محاولة لمعالجة العجز المزمن في قطاع الطاقة.

كما جرت مفاوضات متقدمة مع شركة “شيفرون” الأميركية لتطوير حقول الغاز الطبيعي في البحر الأبيض المتوسط قبالة السواحل السورية، في خطوة تعكس اتساع نطاق الطموحات الاستثمارية نحو القطاعات الاستراتيجية.

وفي نفس السياق، حصل محمد الخياط على ترخيص حصري لاستيراد مجموعة من العلامات التجارية التابعة لشركة “إس. سي. جونسون” الأميركية، مما فتح باباً جديداً لدخول سوق السلع الاستهلاكية في سوريا عبر قنوات احتكارية منظمة. كما اتجه رامز الخياط إلى الاستثمار في قلب دمشق القديمة، من خلال شراء عدد من المنازل التاريخية المدرجة على قائمة اليونسكو للتراث العالمي، بهدف تحويلها إلى مشاريع سياحية فاخرة، في خطوة أثارت نقاشاً واسعاً حول مستقبل المناطق التراثية في حال إدخالها ضمن مشاريع استثمارية خاصة.

وعلى طول الساحل السوري، برزت خطة أخرى تقودها العائلة لإنشاء محطة لاستقبال سفن الرحلات البحرية ومنتجع سياحي ضخم، يتضمن مرافق ترفيهية وملعب غولف يحمل علامة ترامب التجارية.

ومن خلال المعلومات السابقة يمكن ملاحظة المؤشرات الكثيرة التي تظهر تداخل مصالح آل الخياط مع شركائهم الدوليين، لا سيما مع جيرارد كوشنير، بعد تقاطع مشاريعهم في ألبانيا وسوريا ضمن شبكة استثمارات عابرة للحدود.

انتقادات بعدم الشفافية للمشاريع في سوريا

الكثير من التقارير أشارت إلى استحواذ آل الخياط على المشاريع في سوريا، فقد جاء أحد اللقاءات الاقتصادية الموسعة التي ضمت نخبة من رجال الأعمال السوريين والعرب، بهدف بحث ملامح “الاقتصاد السوري الجديد” واستكشاف فرص الاستثمار في مرحلة ما بعد الحرب بعد زيارة لافتة لرجل الأعمال معتز الخياط، رئيس مجلس إدارة Power International Holding لسوريا بحث فيها إمكانيات مساهمة المجموعة في مشاريع إعادة الإعمار داخل سوريا وتوسيع نطاق التعاون في القطاعات الحيوية.

وعلى الرغم من الزخم الذي رافق هذه الاتفاقات من حيث حجم الاستثمارات والأسماء المشاركة، إلا أن المشهد أثار في المقابل سلسلة من التساؤلات حول طبيعة هذا النموذج الاقتصادي الجديد. إذ يرى مراقبون أن ما يجري لا يعكس بالضرورة عودة مؤسسات الدولة إلى لعب دورها التنظيمي، بقدر ما يكشف عن توسع نفوذ شبكات الوساطة الاقتصادية التي تدير الصفقات من خلف الكواليس.

وهنا تم توجيه انتقادات مباشرة لدور آل الخياط في إدارة التفاهمات الاقتصادية، ليس بوصفهم مستثمرين، بل كحلقة وصل مؤثرة بين أطراف سياسية ومالية متعددة. ويقارن بعض المراقبين هذا الدور بأدوار سابقة لعبها وسطاء اقتصاديون نافذون في مراحل مختلفة، حيث كانت الصفقات الكبرى تمر عبر قنوات غير رسمية أكثر من مرورها عبر مؤسسات الدولة.

ومن أبرز الإشكاليات التي أثيرت في هذا السياق غياب آليات التعاقد العلنية والمناقصات المفتوحة، مقابل اعتماد متزايد على العلاقات الشخصية والشبكات الخاصة في توزيع المشاريع. هذا الواقع يضعف، بحسب المنتقدين، مناخ الثقة الاستثمارية ويقلل من قدرة الاقتصاد على جذب رؤوس أموال مستقرة وطويلة الأمد، خصوصاً من المستثمرين الدوليين الذين يعتمدون على قواعد شفافة وواضحة.

كما يُنظر إلى تضخم دور الوسطاء غير الرسميين باعتباره أحد أبرز العوامل التي تعيد إنتاج اقتصاد قائم على الولاءات بدلاً من الكفاءة، ما يهدد بتحويل مسار إعادة الإعمار إلى منظومة مغلقة من المصالح المتداخلة، بدل أن يكون عملية تنموية مفتوحة.

في النهاية، ما يحدث بين ألبانيا وسوريا لا يبدو مجرد تقاطع مشاريع استثمارية عادية، بل صورة أكبر تجمع بين الاقتصاد والسياسة والعلاقات الشخصية في بلدين لا يتمتعان بالشفافية. فمن احتجاجات الناس في تيرانا، إلى الحديث عن صفقات بمليارات الدولارات في سوريا، يظل السؤال حول الطريقة التي تدار بها هذه المشاريع وحقيقة الأطراف التي تقف خلفها. وتطرح سؤال وحيد: هل هي خطوات حقيقية نحو تنمية وبناء اقتصاد جديد في سوريا؟ أم أن غياب الشفافية وكثرة العلاقات غير المباشرة سيجعل هذه المشاريع محاطة دائماً بالجدل والشكوك؟

اقرأ أيضاً: التنقيب البحري يلتمس طريقه بعد طول انتظار وسط تعاون سوري قطري أمريكي

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى