مزارع ريف دمشق: مشروع استثماري يواجه مخاطر المياه والزراعة

بقلم هلا يوسف
تظهر المزارع الريفية لدمشق خياراً مقبولاً ومناسباً للكثير من الأهالي خلال فصل الصيف لقضاء وقت ممتع بعيداً عن الازدحام، خصوصاً في ظل ارتفاع أسعار الرحلات للساحل السوري، والذي كنا قد تناولنا موضوعه في مقال سابق. لذلك تأتي المزارع كوسيلة للترويح عن النفس مع وجود المسابح والأشجار المثمرة وأماكن الشواء ومختلف وسائل الترفيه.
ففي الغوطة وبلودان ومعربا والتل، تزداد الحركة مع بداية كل صيف، وتتحول المزارع إلى وجهة يقصدها الناس لقضاء يوم مع العائلة أو الأصدقاء. والأسعار تختلف من مزرعة إلى أخرى، بحسب موقعها ومساحتها والخدمات التي توفرها.
لكن القصة لا تتعلق بالترفيه وحده. فمع انتشار هذه المزارع، أصبح الاستثمار فيها مشروعاً يحقق دخلاً جيداً لبعض أصحابها، في وقت تطرح فيه جهات محلية مخاوف من أن يؤدي التوسع العشوائي فيها إلى خسارة المزيد من الأراضي الزراعية واستنزاف المياه الجوفية.
من ملاذ صيفي قريب إلى وجهة يفضلها كثير من العائلات
إذا كنت تبحث عن مكان تقضي فيه يوماً صيفياً من دون السفر بعيداً، فالمزرعة قد تبدو خياراً مغرياً. فهي قريبة من دمشق، ولا تحتاج إلى ترتيبات سفر طويلة، وأسعار إيجاراتها ممكنة ومعقولة، حيث تختلف الأسعار بحسب إمكانات كل مزرعة. ففي مزارع المليحة وزبدين ومعربا، تبدأ الأسعار من نحو 500 ألف ليرة سورية، أي ما يعادل قرابة 50 دولاراً، وتصل إلى 900 ألف ليرة، بينما يتجاوز بعضها حاجز المليون ليرة. وهناك مزارع تقدم خدمات إضافية، مثل التكييف والساونا والجاكوزي، وقد يصل إيجارها إلى 100 أو 150 دولاراً لليوم الواحد.
وتضم بعض المزارع مسابح للكبار والصغار، وألعاباً للأطفال، وأماكن للشواء والجلوس، بينما توفر أخرى طاولات للبلياردو و”الفيشة” وأجهزة البلايستيشن، حتى تلبي جميع رغبات العائلة.
والميزة التي تجعل هذه المزارع محببة للكثيرين هي قربها وتكلفتها الأقل مقارنة بالسفر إلى الساحل السوري واستئجار شاليه أو قضاء عدة أيام هناك. كما أنها لا تحتاج إلى رسوم دخول، ويمكن تكرار التجربة أكثر من مرة خلال الصيف.
لماذا تحولت المزارع إلى مشروع استثماري جذاب؟
بعيداً عن موضوع الاصطياف، فقد تحولت المزارع إلى وسيلة للاستثمار بالنسبة إلى كثير من الناس يمكن من خلالها تحقيق دخل سريع، خاصة في فصل الصيف.
وبعد التحرير، كانت فكرة الاستثمار في المزارع منتشرة بكثرة عند بعض أصحاب الأراضي والمستثمرين، حيث وجدوا فيها مشروعاً رابحاً وسريعاً عند مقارنته بالزراعة التقليدية التي تحتاج إلى انتظار موسم الحصاد.
لذلك بدأ بعض ملاك الأراضي باقتطاع أجزاء من ممتلكاتهم وتحويلها إلى مزارع، من خلال إنشاء مسابح ومرافق للجلوس والشواء، وأحياناً إضافة غرف أو شقق سكنية، ثم تأجيرها للعائلات والزوار.
كما اتجه آخرون إلى شراء مزارع جاهزة واستثمارها، خاصة مع زيادة الطلب خلال فصل الصيف. فبحسب أحد المستثمرين تتراوح أجرة المزرعة، بحسب موقعها ومساحتها وتجهيزاتها، بين 500 ألف ومليوني ليرة سورية يومياً، بينما ترتفع الأسعار خلال عطلات نهاية الأسبوع والأعياد.
ومع زيادة الطلب في الصيف، يقول إن متوسط أرباحه الشهرية يصل إلى نحو 25 مليون ليرة سورية، في حين أن تأجير منزل في المنطقة نفسها قد لا يحقق أكثر من ثلاثة ملايين ليرة شهرياً.
لكن هناك سلبية لفكرة المزرعة، وهي أن أرباحها موسمية، تعتمد على فصل الصيف فقط. إذ يتركز الإقبال عليها خلال الصيف وبعض فترات الربيع، بينما ينخفض الطلب بشكل واضح في الخريف والشتاء.
وقد وجد أصحاب المزارع حلاً جزئياً لها عبر تأجيرها بعقود شهرية خلال الأشهر الباردة بدلاً من تركها فارغة، لكن هذا الخيار لا ينجح دائماً، فمن الصعب أن تستأجر عائلة مزرعة لعدة أشهر ثم تغادرها مع بداية موسم الصيف، عندما يصبح الإيجار اليومي أكثر ربحية.
بين عودة النشاط السياحي ومخاوف فقدان الأراضي الزراعية
قد تبدو القصة مربحة للطرفين، فهناك عائلات تبحث عن أماكن للترفيه، ومستثمرون يبحثون عن مشاريع مربحة، وقطاع سياحي يحاول استعادة نشاطه. إلا أن المشكلة تظهر عندما يتم التوسع في إنشاء المزارع على حساب الأراضي الزراعية، خصوصاً في مناطق مثل الغوطة الشرقية التي تعد من أهم المناطق الزراعية في سوريا.
وتشير تقديرات محلية إلى وجود آلاف المزارع والاستراحات الخاصة في المنطقة، كثير منها أنشئ من دون تراخيص، وهو ما يثير مخاوف من استمرار تقلص المساحات الزراعية.
ويقول مدير إدارة منطقة الغوطة الشرقية، الدكتور محمد علي عامر، إن تحويل الأراضي الزراعية الخصبة إلى مبانٍ ومسابح، إلى جانب حفر آبار غير مرخصة وتبديل مياه المسابح بشكل متكرر، يؤدي إلى استنزاف المياه الجوفية وتراجع الرقعة الزراعية، ما قد يؤثر أيضاً في الثروة الحيوانية والأمن الغذائي والبيئي.
ولا تتوقف المشكلة عند الأرض والمياه، فالنفايات التي يتركها بعض الزوار أو أصحاب المزارع قد تتحول إلى مصدر تلوث، خاصة عندما يتم رميها على جوانب الطرق أو في سواقي المياه المستخدمة لري المحاصيل والأشجار.
وهنا تصبح القضية حساسة، لأن الغوطة عانت خلال السنوات الماضية من خسائر كبيرة في أراضيها الزراعية وأشجارها، بعد قطع آلاف الأشجار وتجريف مساحات واسعة، مما حول جزءاً من أراضيها الخصبة إلى أراضي قاحلة. لذلك فإن تحويل ما تبقى من هذه الأراضي إلى مزارع للإيجار من دون تنظيم قد يعني خسارة مساحات جديدة من الأرض الزراعية التي تحتاج إليها المنطقة وسكانها.
أصحاب المزارع يردون: يمكن الاستثمار من دون هدر المياه أو الإضرار بالزراعة
بعد ظهور الجانب السلبي للفكرة، أشار أصحاب المزارع إلى أنه يمكن الاحتفاظ بالاستثمار مع عدم الإضرار بالزراعة والمياه. وذلك عبر تنقية مياه المسبح بدلاً من استبدال مياهه، من خلال استخدام المواد المعقمة وأنظمة الفلترة. وعندما تتلوث المياه يمكن تصريفها عبر قنوات خاصة تصل إلى سواقٍ تقع على أطراف الأراضي الزراعية للاستفادة منها في أعمال الري.
أما بالنسبة للأراضي الزراعية، فيمكن تخصيص جزء من الأراضي لتحويلها لمزرعة، بينما تبقى باقي الأرض للزراعة. وبذلك فإن المشكلة ليست في وجودها بحد ذاته، بل في الطريقة التي يتم بها استثمار الأرض وإدارة المياه والنفايات.
فإذا بقي جزء من الأرض مخصصاً للزراعة، وتم التعامل مع مياه المسابح بطريقة مسؤولة، وجمعت النفايات بشكل صحيح، والتزم صاحب المزرعة بالتراخيص المطلوبة، فقد يكون من الممكن الجمع بين الاستثمار والترفيه والحفاظ على البيئة.
الآبار العشوائية.. التحدي الأكبر أمام مستقبل المزارع
تبقى المياه واحدة من أكثر القضايا التي تثير القلق مع توسع المزارع، خصوصاً في ظل الجفاف وتراجع منسوب المياه الجوفية. حيث يقول مدير إدارة منطقة الغوطة الشرقية إن الجهات الحكومية المعنية تعمل بالتنسيق فيما بينها لمتابعة انتشار المزارع، بينما تشارك الهيئة العامة للموارد المائية في رصد المخالفات المتعلقة بحفر الآبار.
وكذلك تعمل على الحد من التوسع العشوائي للمزارع الجديدة، وضبط المخالفات القائمة، وإعادة توجيه الأراضي نحو الاستثمار الزراعي، مع تعزيز الرقابة الميدانية واتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين.
ويؤكد عامر أن حفر الآبار في المزارع يحتاج إلى ترخيص مسبق من الجهات المختصة بإدارة الموارد المائية، بعد إجراء الدراسات الفنية والهيدرولوجية اللازمة. كما يوضح أن السماح بالحفر الزراعي في الغوطة يقتصر حالياً على منطقة الغدق ضمن مشروع محطة معالجة مياه عدرا، وفق أحكام التشريع المائي.
بينما تشكل الآبار العشوائية تحدياً بيئياً كبيراً، خصوصاً مع الجفاف وانخفاض منسوب المياه الجوفية، ولذلك يجري التعامل مع عمليات الحفر غير المرخصة بحزم، من خلال ضبط المخالفات وتنظيم الضبوط وإحالتها إلى القضاء لاتخاذ الإجراءات القانونية.
في النهاية، المزارع في ريف دمشق يمكن التعامل معها بطريقة متوازنة بحيث تحافظ على مصالح الجميع، ويبقى احترام القانون وتنفيذه في مسألة حفر الآبار، وإصدار التراخيص المناسبة هي أسلم طريقة للاستفادة من المزرعة.
اقرأ أيضاً: صيف الأطفال في سوريا.. بين المتعة وتنمية المهارات









