مزارعو التبغ ينتظرون مستحقاتهم.. محصول سُلّم وثمنه ما زال عالقاً

بقلم: ريم ريّا
ينتظر مزارعو التبغ في الساحل وحمص ومناطق أخرى تعتمد على هذه الزراعة منذ أشهر، الحصول على مستحقاتهم المالية عن محاصيل سلموها بعد موسم طويل من العمل. بالنسبة إلى هؤلاء، لا يتعلق الأمر بمبلغ مؤجل فقط، بل بالمال الذي يعولون عليه لتسديد الديون وتمويل موسم جديد وتأمين احتياجات أسرهم، في وقت ارتفعت فيه تكاليف الزراعة والعمل بشكل كبير.
ومنذ تشرين الأول 2025، ينتظر بعض المزارعين أموالهم عن محاصيل سابقة، رغم إعلان بدء صرف مستحقات المزارعين عن موسمي 2024 و2025 خلال تموز الماضي. ومع استمرار التأخير بالنسبة إلى عدد منهم، يجد المزارع نفسه أمام موسم جديد يبدأ قبل أن يحصل على ثمن الموسم السابق.
التبغ 2026.. الاستدانة لتمويل موسم جديد
تتطلب زراعة التبغ الكثير من الجهد المستمر عبر مراحل الزراعة، والرعاية، والحصاد، والتجفيف، والتعبئة. وهذا يرفع التكاليف، تحديداً في ظل الاعتماد الكبير على الأيدي العاملة. ووفقاً لأحد المزارعين، يبلغ الأجر اليومي للعامل حوالي 75 ألف ليرة سورية، وهو رقم يفرض عبئاً إضافياً على صغار ومتوسطي المنتجين الذين يفتقرون إلى السيولة اللازمة لتغطية إجمالي نفقات الموسم.
وفي ظل تأخر المدفوعات، اضطر بعض المزارعين إلى الاقتراض لمجرد زراعة محصول الموسم الجديد. ونتيجة لذلك، تحولت العملية من دورة زراعية يُفترض أن تكون ذاتية التمويل، إلى دوامة من الديون والانتظار.
تكمن المشكلة في أن المزارعين لا يمكنهم ببساطة تأجيل العمل في أراضيهم لحين استلام مستحقاتهم، فالتبغ محصول تحكمه جداول زمنية محددة للزراعة والرعاية والحصاد، وأي تأخير في هذه العمليات الزراعية قد يؤثر بشكل سلبي على كمية المحصول وجودته. ومن ثم، يجد المزارعون أنفسهم مضطرين لتأمين الأموال، سواء من جيوبهم الخاصة أو عبر القروض أو الاستدانة في حين تظل عائدات المحصول السابق غير مدفوعة.
اقرأ أيضاً: التبغ “ذهب الساحل” بين رياح الأزمات وأوتاد الخصخصة .. هل من مُستقر؟
خسائر تتجاوز تأخر المدفوعات
لا تقتصر الصعوبات التي يواجهها المزارعون على مسألة المستحقات المتأخرة، ففي بعض مناطق اللاذقية، تضرر جزء من محصول الموسم الحالي جراء الأمطار الغزيرة التي هطلت بعد عملية الجمع، مما أثر على جودة الأوراق وقيمتها. وهذا يعني أن المزارعين يواجهون مخاطر متعددة في موسم واحد، ارتفاع التكاليف، وأجور العمالة، والحاجة إلى السيولة، والمخاطر المرتبطة بالطقس، وطول فترة انتظار الدفع بعد تسليم المحصول.
ويواجه مزارعو حمص المشكلة ذاتها التي يواجهها مزارعو الساحل، إذ يشير أحد المزارعين إلى أنه رغم اعتباره سعر الشراء في الموسم الماضي البالغ 23 ألف ليرة سورية للكيلوغرام الواحد مقبولاً، إلا أن المشكلة الجوهرية ظلت متمثلة في تأخر الدفع. ووفقاً لهذا المزارع، تجاوز الإنتاج المحلي في العام الماضي 20 ألف طرد تزن كل منها أكثر من 30 كيلوغراماً، أي ما يعادل أكثر من 600 طن من التبغ. ويوضح هذا الرقم حجم الأموال المستحقة للمزارعين عقب تسليم محاصيلهم.
هل يستطيع المزارع الاستمرار؟ تغطي خطة زراعة التبغ لموسم 2026 مساحة تقارب 11 ألف هكتار موزعة على عدة محافظات، وتشمل عمليات مستمرة تتضمن توزيع البذور، والإشراف على المحصول، ونقل المحاصيل المعبأة إلى مستودعات المؤسسة. غير أن التوسع في مساحات الزراعة يطرح هذا السؤال: كيف يمكن للمزارع تمويل موسم جديد دون أن يكون قد تقاضى بعد مستحقاته عن الموسم السابق؟
بالنسبة للمزارع، لا يعتبر سداد المستحقات في موعدها مجرد إجراء إداري يجري بشكل روتيني أو شكلي، بل هو شرط أساسي لاستمرار النشاط الزراعي، فالمحصول الذي يُسلم اليوم ينبغي أن يمهد الطريق لعمليات الزراعة في الموسم التالي، لا أن يتحول إلى دين آخر عالق.
ورغم استمرار زراعة التبغ في المناطق التي يعتمد فيها السكان عليها كمصدر رئيسي للدخل، إلا أن تأخر المدفوعات يفرض عبئاً إضافياً على المزارعين، مما يزيد من صعوبة الحفاظ على محصول يتطلب استثمارات أولية كبيرة قبل أن يدر أي عائد مالي.









