أعمال واستثمار

“مركز دمشق المالي” في البرامكة: مشروع استثماري أم إعادة تعريف لقلب العاصمة الاقتصادي؟

الكاتب: أحمد علي

لا يولد مركز مالي من الخرسانة وحدها، يولد قبل ذلك، من سؤال المدينة عن وظيفتها، وعن الجهة التي تريد أن تخدمها، وعن الثمن الذي يمكن أن تدفعه كي تستعيد دورها الاقتصادي. في البرامكة، لا يتعلق الأمر بقطعة أرض معطلة فقط. الموقع جزء من ذاكرة دمشق اليومية، قريب من الجامعة، ومن عقد النقل، ومن حركة موظفين وطلاب ومراجعين مروا هناك طويلاً قبل أن تتحول المنطقة إلى فراغ مؤجل.

لذلك لا يكفي التعامل مع مشروع “مركز دمشق المالي” كخبر استثماري. المشروع الذي وضعت محافظة دمشق حجر أساسه في 11 حزيران 2026، بالشراكة مع شركة سوريا القابضة، يفتح سؤالاً أوسع عن شكل الاستثمار في قلب العاصمة، وعن معنى الشراكة العامة الخاصة حين يكون الموقع عاماً وحساساً ومتصلاً بحركة المدينة كلها.

بحسب البيانات المنشورة، يمتد المشروع على مساحة 33 ألف متر مربع، وبمساحة طابقية تصل إلى 240 ألف متر مربع. ويضم ستة أبراج سكنية وتجارية وسياحية، ومركزاً تجارياً، وخمسة طوابق تحت الأرض للمواقف والخدمات. كما قُدرت فرص العمل بنحو 6500 فرصة خلال مرحلة الإنشاء، و8500 فرصة خلال التشغيل والاستثمار. هذه الأرقام تمنح المشروع حجمه، لكنها لا تمنحه حكمه النهائي. الحكم سيأتي من طريقة التنفيذ، ومن أثره على المدينة، ومن موقع المال العام داخله.

مركز دمشق المالي بين الاسم والوظيفة

تسمية “مركز دمشق المالي” توحي بمشروع يتجاوز العقار. لكنها، وفق التفاصيل المتاحة، لا تشير إلى مركز مالي بالمعنى المؤسسي الضيق، مثل منطقة مالية مستقلة أو سوق مالية جديدة. الأقرب أن المشروع مجمع متعدد الاستخدامات، يجمع المكاتب، والسكن، والسياحة، والتجارة، والخدمات. وهذا ليس عيباً بحد ذاته. العيب يبدأ عندما يُحمل الاسم أكثر مما يستطيع المشروع أن يؤديه.

ما نقلته وسائل إعلام عن رئيس مجلس إدارة سوريا القابضة هيثم جود يضع الكلفة الاستثمارية عند نحو 452 مليون دولار، مع ثلاثة أبراج إدارية، وبرجين سكنيين، وبرج سياحي يضم شققاً فندقية مخدمة. وتحدثت التصريحات عن تصاميم من شركات إقليمية، وتنفيذ عبر شركات عالمية، وعن احتمال دخول شريك استراتيجي عربي بعد استكمال الإجراءات القانونية والإدارية. هذه اللغة تقول إن المشروع يراد له أن يكون رسالة ثقة، لا مجرد بناء.

والثقة مطلوبة فعلاً. فدمشق، مثل سوريا كلها، تحتاج إلى رأس مال، وإلى مشاريع قادرة على تحريك العمل، وإلى إعادة إحياء مناطق توقفت طويلاً. لكن الثقة لا تُبنى بالإعلان وحده. تبنى بالعقود الواضحة، وجدول التنفيذ، وشفافية الشراكة، ومعرفة حصة المدينة من المشروع، لا حصة المستثمر وحده. فالبرامكة ليست أرضاً بعيدة في أطراف العاصمة. هي جزء من قلبها. وكل خطأ هناك سيظهر سريعاً في الشوارع المحيطة.

البرامكة: من موقع عبور إلى عقدة استثمار

ميزة المشروع هي موقعه. ومشكلته هي موقعه أيضاً. البرامكة منطقة كثيفة الحركة، قريبة من الجامعة ومن محاور نقل قديمة، وتعيش أصلاً ضغطاً مرورياً وخدمياً. أي برج جديد يعني موظفين وزواراً وسكاناً ومركبات وخدمات توصيل وحاجة أكبر إلى الكهرباء والمياه والصرف والاتصالات. لذلك لا يكفي القول إن المشروع يضم خمسة طوابق للمواقف تتسع لأكثر من 2500 مركبة. السؤال الأهم هو كيف سيتصل المشروع بالمدينة، لا كيف سيغلق نفسه داخل حدوده.

قالت محافظة دمشق إن الأثر سيشمل تطوير المنطقة المحيطة، وتحديث الطرق والصرف الصحي والاتصالات، وتهيئة مرافق ومواقف. هذا كلام مهم، لكنه يحتاج إلى تفصيل. هل سيُعاد تنظيم حركة المشاة؟ هل سيخدم النقل العام؟ هل ستبقى المنطقة قابلة للوصول لغير القادرين على دخول أبراجها ومولاتها؟ أم ستتحول البرامكة، تدريجياً، إلى جزيرة عقارية حديثة وسط مدينة تحتاج إلى خدمات عامة أكثر من حاجتها إلى واجهة زجاجية؟

هنا يصبح المشروع اجتماعياً بقدر ما هو اقتصادياً. مراكز المدن لا تتغير بصمت. حين تدخل كتلة استثمارية كبيرة إلى موقع حساس، ترتفع أسعار العقارات حولها، وتتحول طبيعة المحال والخدمات، وقد تُدفع بعض الاستخدامات القديمة إلى الخارج. قد يكون ذلك جزءاً من تجديد المدينة، وقد يكون بداية إقصاء هادئ. الفرق بين الحالتين تصنعه السياسة الحضرية، لا شكل الأبراج.

ولا ينبغي فصل المشروع عن سياق الإعمار الأكبر. البنك الدولي قدّر كلفة إعادة إعمار سوريا بنحو 216 مليار دولار. أمام هذا الرقم، تبدو كلفة 452 مليون دولار كبيرة في مدينة واحدة، لكنها صغيرة أمام الحاجات الوطنية. لذلك ينبغي وضع “مركز دمشق المالي” في حجمه الصحيح. هو مشروع قد ينعش نقطة مركزية في العاصمة، لكنه ليس جواباً على أزمة السكن، ولا على الكهرباء، ولا على المدارس والمشافي والبنية الأساسية في المحافظات المتضررة. قيمته الحقيقية تظهر إذا كان جزءاً من رؤية أوسع، لا بديلاً عنها.

الشراكة العامة الخاصة واختبار المنفعة العامة

المشروع يقوم على شراكة بين محافظة دمشق وشركة سوريا القابضة. وهذه الصيغة تفرض سؤالاً لا يمكن تجاوزه. عندما تدخل أرض عامة وموقع عام في مشروع خاص الطابع، ما هي المنفعة العامة المقابلة؟ لا يكفي أن نقول إن المشروع سيخلق فرص عمل. فرص العمل مهمة، وقد تحدثت التصريحات عن 6500 فرصة في الإنشاء و8500 في التشغيل، وعن أولوية للشباب والخريجين الجدد بنسبة بين 25 و30 في المئة من الكوادر المطلوبة. لكن هذه الأرقام تحتاج إلى متابعة، لأن فرصة العمل لا تصبح حقيقة اقتصادية إلا إذا عُرفت طبيعتها، وأجرها، ومدتها، ونسبة السوريين فيها، وحصة الشركات المحلية من العقود.

هناك أيضاً سؤال العائد على المدينة. ما الذي تحصل عليه محافظة دمشق؟ هل هو بدل مالي؟ حصة من المساحات؟ خدمات عامة؟ تطوير بنية محيطة؟ وما هي التزامات الشركة إذا تأخر التنفيذ أو تغيرت الكلفة أو دخل شريك جديد؟ هذه ليست تفاصيل فنية. إنها ضمانة ألا تتحول الشراكة إلى نقل قيمة أرض عامة إلى مشروع فاخر لا يرى منه المواطن إلا الازدحام.

البعد المالي في المشروع يحتاج إلى حذر إضافي. صندوق النقد الدولي أشار في شباط 2026 إلى أهمية إصلاح القطاع المالي السوري، بما يشمل التشريعات، والرقابة المصرفية، وأنظمة المدفوعات، ودور المصرف المركزي. هذا يعني أن أي مشروع يحمل اسم “مالي” سيبقى محدود الوظيفة إذا لم يتقدم إصلاح البيئة المالية نفسها. فالأبراج لا تصنع مركزاً مالياً. ما يصنعه هو المصارف العاملة، والقوانين الواضحة، والقضاء التجاري، وسوق رأس المال، والثقة بالعقود وبالعملة وبالمدفوعات.

من هنا تبدو البرامكة أمام احتمالين. إما أن يكون المشروع بداية لإعادة تنظيم مركز دمشق الاقتصادي بطريقة تخلق عملاً وخدمات وتعيد الحياة إلى موقع معطل، وإما أن يتحول إلى رمز عمراني كبير فوق اقتصاد لم يستكمل شروطه. الاحتمال الأول يحتاج إلى شفافية وتخطيط وربط بالنقل العام ومراقبة للعقود. الاحتمال الثاني لا يحتاج إلا إلى التسرع.

الخلاصة أن “مركز دمشق المالي” ليس مشروعاً يمكن مدحه أو رفضه دفعة واحدة. هو اختبار. اختبار للشراكة العامة الخاصة، ولقدرة محافظة دمشق على حماية المصلحة العامة داخل الاستثمار، ولقدرة رأس المال الجديد على أن يخدم المدينة لا أن يثقلها فقط. وإذا نجح، فلن يكون نجاحه في ارتفاع الأبراج، بل في أن يشعر محيط البرامكة بأن المشروع خفف الفوضى وخلق عملاً ونظم الحركة وأضاف خدمة.

أما إذا بقيت المعلومات ناقصة، وإذا تأخر التنفيذ، وإذا غابت الشفافية عن العقد والعائد، فسيبقى السؤال مفتوحاً. هل أعادت دمشق تعريف قلبها الاقتصادي، أم منحت قلبها لمشروع عقاري باسم مالي؟ الجواب لن يكتبه حجر الأساس. ستكتبه السنوات الخمس المقبلة، والمدينة التي ستعيش مع هذا المشروع كل يوم.

اقرأ أيضاً: المكاري في دمشق بين الحاجة والبدائل: واقع الحال.. والحل؟!

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى