احتجاجات مرفأ اللاذقية: قنبلة اجتماعية موقوتة

بقلم: ديانا الصالح
لا يزال مشهد الفصل الذي يعتبره كثيرون فصلاً تعسفياً للموظفين يتصدر الساحة السورية، حيث شهد مرفأ اللاذقية مؤخراً تسريح عشرات العاملين في خطوة اتخذت أبعاداً مغايرة لسابقاتها، فقد اعتمدت وفقاً للجهات التي تم فصلها على مبدأ تفضيل موظفين جدد قادمين من إدلب، على حساب الكوادر القديمة من أبناء المحافظة، وفقاً لمصادر محلية.
فجّر هذا الإجراء احتجاجات طالبت باسترداد الحقوق، وسط تحذيرات من تصاعد حدة التوترات ما لم يتم التراجع عن القرار. وفي هذا السياق، تبرز تساؤلات ملحة حول شرعية هذه القرارات ومرجعيتها القانونية، فضلاً عن تبعاتها الاجتماعية والاقتصادية المُحتملة.
للمزيد من التفاصيل، تابع مقالنا التالي..
مرفأ اللاذقية وفصل الموظفين
أثار قرار الفصل الأخير الذي طال موظفين في مرفأ اللاذقية موجة غضب واسعة لتهديده المباشر لمصدر رزق عشرات العائلات في اللاذقية التي تعاني أصلاً من وضع معيشي متردٍّ حالها كحال بقية المحافظات السورية، إلا أن استقدام موظفين جدد من إدلب على حساب فصل أصحاب الخبرة والأقدمية، وفقاً لشهادات العمال، قد زاد من الاحتقان.
وعلى الرغم من استمرار الاحتجاجات لليوم الثاني على التوالي، لم يصدر أي توضيح رسمي يشفي غليل الموظفين أو يلقي الضوء على الأسباب الكامنة وراء فصلهم، فالقرار كان مفاجئاً دون أي تمهيد أو إنذار مسبق، ما يعكس غياب الأطر التنظيمية والقانونية الواضحة.
وتأتي التبريرات الرسمية السابقة حول قرارات الفصل المتكررة على أنها إعادة للهيكلية العامة للمؤسسات، بعد ملاحظة وجود خلل ضمن عملية التوظيف خلال عهد النظام المخلوع، وما تبعه من ترهل إداري وتراجع في الأداء.
فيما يشير الباحث في الاقتصاد السياسي جوزيف ضاهر إلى أن قرارات تسريح العاملين بشكل عام ستؤدي إلى انعدام الأمن الاجتماعي وزيادة نسبة الفقر في المجتمع السوري، بالتزامن مع معاناة العديد من الوزارات من نقص في عدد الموظفين.
كما توضح الباحثة الدولية مها قطاع، أن الوضع الحالي للاقتصاد السوري لا يسمح بإتاحة فرص وظائف كافية ضمن القطاع الخاص، مبينةً أن إعادة الهيكلة لمؤسسات القطاع العام يمكن أن تكون ضرورية إلا أنها ليست أولوية قصوى في المرحلة الحالية.
معضلة قديمة متجددة تعود إلى الواجهة السورية، فالقصة لم تعد ترتبط بتسريح موظفين فحسب، بل تمتد لترتبط بمحسوبيات وقضايا فساد، وفقاً لما يصفها بعض المراقبين، وهي القضايا التي يقول هؤلاء بأنّ الشعب ظنّ أنّه تخلص منها بمجرد سقوط النظام السابق.
تداعيات اقتصادية واجتماعية
تتعدى قضية الفصل التعسفي الحدود الإدارية، فهي تحمل أبعاداً اجتماعية واقتصادية بالغة الأثر، تتجسد بحرمان عشرات العائلات ضمن المحافظة من مدخولهم الرئيسي الذي بالكاد يغطي أدنى حاجياتهم الأساسية أمام معدل التضخم الذي يلتهم أي زيادة في الأجور مهما بلغت نسبتها، ما يعكس حجم ازدواجية المعاناة التي تواجهها تلك العائلات.
كما يشير محللون إلى أن المفصولين عبارة عن قنبلة اجتماعية، غير متوقع موعد سحب صمام أمانها، مشيرين إلى خطورة معادلة التفاضل غير العادلة التي تحقق مصلحة القادمين من إدلب على حساب أبناء المنطقة والموظفين الأساسيين ذوي الكفاءة والأقدمية.
تلك الإجراءات تعزز من حدة التوترات الاجتماعية والاحتقان الشعبي، الذي يشكل تهديداً مباشراً للسلم الاجتماعي والسيادي على حدّ سواء، بالتالي فقدان الثقة بالدولة ومؤسساتها، فالسلم المجتمعي مرهون بالعدالة والاستقرار المؤسسي.
وهذا ما يؤكده الباحث السياسي جوزيف ضاهر في حديثه عن الأجور في سوريا، فعلى الرغم من انخفاضها إلا أنها مصدر الدخل الرئيسي للعاملين ضمن مؤسسات الدولة، وفصلهم يفاقم الشعور بفقدان الأمن الاجتماعي مما يعزز الإحساس بالمظلومية في بيئة العمل، مشيراً إلى أن عواقب تلك القرارات لا تقتصر على الجوانب الاقتصادية فقط، بل تمتد لتشمل التأثير على سيادة الدولة أيضاً، خاصة فيما يرتبط بالمطارات والموانئ فضلاً عن البنية التحتية والتداعيات الاجتماعية عبر غلاء المعيشة من خلال خصخصة الخدمات الأساسية.
علاوة على ذلك، فإن البطالة التي تخطت عتبة 60% في سوريا وفقاً لتصريحات وزير الاقتصاد نضال الشعار، تبرز كأحد أخطر العوامل المؤثرة على الكينونة الأخلاقية للمجتمع، وذلك لما تحمله من أبعاد لا يمكن التغافل عنها، تتمثل باحتمالية اضطرار الأفراد إلى اتباع سلوكيات مشبوهة لتأمين لقمة العيش في حال إغلاق أبواب المؤسسات بوجههم، وهذا ما يعكس خطورة تسريح العاملين على زيادة نسبة البطالة والضغط على سوق العمل الذي يجرّ معه مشكلات اقتصادية واجتماعية أعمق من سابقتها.
في ضوء ذلك، تجدر الإشارة إلى ارتفاع نسبة الفقر في سوريا من 33% قبل النزاع إلى 90% حالياً، وفقاً لبيانات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، فيما تشير تقديرات البنك الدولي لسنة 2024 إلى وقوع 27% من المواطنين السوريين في الفقر المدقع.
غياب الأطر القانونية والتنظيمية
وفي هذا الصدد، يؤكد محللون اقتصاديون أن الأزمة المؤسساتية لا تتمحور حول الهيكلية أو الترهل الوظيفي فحسب، وإنما ترتكز أيضاً على غياب الإدارة الاستراتيجية ذات الرؤى بعيدة المدى، التي تجسدت بشكل جلي في ملف الفصل التعسفي، لا سيما عمال مرفأ اللاذقية الذين أكدوا أنهم فوجئوا بالقرار، وهذا ما يعكس غياب الأطر التنظيمية والقانونية الواضحة، التي تضمن حقوق العمال وشفافية الإجراءات الإدارية.
كما يتساءل مراقبون عن شرعية قرارات الفصل ومرجعيتها القانونية، في ظل الاستبدال الصريح بموظفين قادمين من إدلب، مؤكدين أن تلك الفروقات الوظيفية ستخلق شرخاً طبقياً واضحاً بين المجتمعات، مما ينعكس سلباً على مبدأ المساواة والعدالة الاجتماعية.
وفي هذا الصدد، يرى ضاهر أنه بدلاً من فصل الموظفين دون مرجعية واضحة، لا سيما في ظل الوضع الاقتصادي المتأزم والتحولات السياسية، على الحكومة القيام بإعادة دراسة وتقييم إنفاقها العام وأعداد موظفيها، إلى جانب تنظيم الوزارات والمؤسسات الحكومية وآثارها الاقتصادية والاجتماعية.
يبقى ملف فصل موظفي مرفأ اللاذقية اختباراً مزدوجاً لنجاعة الإدارة الجديدة من جهة وصبر العاملين من جهة أخرى، ويبقى السؤال مفتوحاً: هل تترجم تلك القرارات عودة حقبة الظلم الاجتماعي أم أنها فعلاً خطوات تصحيحية كما يراها البعض؟
اقرأ أيضاً: توظيف الأمم المتحدة في سوريا .. واسطة أم جدارة؟









