مقابلات

مرحلة التحول الكبير: قراءة في السياسة والاقتصاد مع الدكتور عبيدة نحاس

بقلم هلا يوسف

بعد أكثر من عام على التحرير، من الواجب الحديث عن الواقع الجديد لسوريا بكل ما يحمله من إيجابيات وسلبيات دون رتوش، وفي نفس الوقت دون التقليل من إنجازات الحكومة. وعليه تصبح إلقاء نظرة على ملامح المرحلة الجديدة من وجهة نظر سياسي كان معارض للنظام ومطلع على المجريات عن قرب ضرورة تفيدنا في تشكيل الوعي الحالي. لذلك جاء الحوار مع الدكتور عبيدة نحاس من خلال ظهوره في بودكاست “كاجوال” لصالح موقع “سوريا اليوم 24” مع المحاور عروة درويش محاولة للإجابة عن أسئلة كثرت حول شكل الدولة، وطبيعة الحياة السياسية والفاعلين فيها في سوريا الجديدة. وفي هذا المقال ننقل لكم أبرز ما جاء في هذا الحوار من معلومات حول السياسة، والاقتصاد، والمجتمع، وحتى الرياضة.

الحياة السياسية بين الماضي والحاضر

في حديثه عن الواقع السياسي، يرى الدكتور عبيدة نحاس أن سوريا اليوم تحتاج إلى إعادة التفكير في مفهوم السياسة، بعد عقود طويلة من غياب الحياة السياسية منذ حكم البعث. فبرغم بعض فترات الانفتاح المحدودة منذ عام 1963، ووجود حياة برلمانية جزئية في السبعينات، إلا أن البلاد اتجهت لاحقاً نحو الاستبداد وتراجع العمل السياسي بشكل شبه كامل.

ويشير إلى أن سوريا تمر حالياً بمرحلة “إعادة ضبط”، تحاول فيها إعادة تعريف نفسها في ظل إرث ثقيل من التجارب السابقة. ومن هنا، يؤكد على أهمية الاستفادة من خبرات المناضلين الذين دفعوا ثمناً كبيراً بسبب مواقفهم، بدلاً من تهميشهم، في ظل شعور الكثير منهم بالإقصاء اليوم.

كما يلفت إلى أن الثورة السورية بدأت سلمية، وبرز خلالها جيل شاب يحمل رؤى مختلفة عن النظام. ورغم أن العسكرة فُرضت لاحقاً بفعل سياسات النظام، فإن العمل السياسي لم يتوقف، بل استمر، وهو ما يفرض اليوم ضرورة الاتفاق على آلياته وتنظيمه بما يواكب المرحلة المقبلة.

وانطلاقاً من هذا التصور العام للعمل السياسي، يتوقف نحاس عند تجربته الخاصة، وتحديداً تجربة “حركة التجديد الوطني”، بوصفها محاولة عملية لترجمة هذه الأفكار على الأرض.

حركة التجديد الوطني.. بين التأسيس والحل

أوضح الدكتور عبيدة نحاس أن حركة التجديد الوطني تأسست عام 2017، واستمرت حتى عام 2026. حيث كان  الهدف الأساسي من العمل السياسي هو خدمة الناس وتحقيق مصالحهم.

يرى نحاس أنّ العمل السياسي عندما يتحوّل إلى وسيلة لتحقيق المصالح الشخصية تبدأ الصراعات، سواء بين المكونات أو المناطق أو داخل المجتمع نفسه. فجوهر السياسة كما يؤكد، هو تحقيق الصالح العام، وليس مجرد الوصول إلى السلطة أو التمسك بها، وبمعنى آخر استخدام هذه السلطة لخدمة الناس.

وانطلاقاً من ذلك، يرى النحاس أن على السياسي أن يراجع توجهاته باستمرار، خاصة أن من ينشأ ضمن خلفية أيديولوجية معينة يجد صعوبة في التخلي عنها، خصوصاً إذا ترسخت منذ سن مبكرة. ويستشهد هنا بمقولة غربية معروفة مفادها أن “الإنسان إذا كان اشتراكياً في عمر العشرينات فهذا دليل على نشاط قلبه، أما إذا بقي كذلك في عمر الأربعينيات فذلك يعني فقدانه لعقله”. بالإشارة إلى أن المرونة في التفكير هي الأساس في العمل السياسي.

ويضيف أن التجربة السورية شهدت نماذج مشابهة، حيث مرت شخصيات وأحزاب، مثل حزب البعث، بمرحلة اندفاع ثوري في البداية، لكنها تحولت لاحقاً إلى التركيز على النظام واستقراره بعد وصولها إلى السلطة.

وعن تجربة الحركة، يؤكد النحاس أنها سعت منذ تأسيسها إلى اتباع نهج مختلف عن بقية أطياف المعارضة، مع التركيز على إيجاد حل سياسي بأي ثمن. ولهذا عملت على فتح قنوات تواصل مع مختلف التيارات، في الداخل والخارج، حتى تلك التي كان من الصعب التواصل معها، مستلهمة تجارب العمل السياسي في خمسينات القرن الماضي، كما أجرت لقاءات في عواصم دولية مؤثرة في الملف السوري.

ويشير إلى أنه بعد سقوط النظام تحقق أكثر مما كانوا يطمحون إليه خلال سنوات عملهم، مؤكداً أنه كان من أنصار النضال السلمي، باعتباره الأكثر إزعاجاً للأنظمة القمعية، لكن التحول إلى العمل العسكري جاء كخيار اضطراري عند الشعب للدفاع عن نفسه. وبعد التحرير، برزت مظاهر التغيير في عودة الناس وإطلاق سراح المعتقلين، وهو ما لمسه شخصياً بعد غياب دام 28 عاماً عن بلده.

أما اليوم، فيرى نحاس أن دور السياسيين يجب أن يتركز على دعم ما يجري في سوريا والمساهمة في إعادة الحياة إلى طبيعتها، معتبراً أن الدخول في صراعات مع الدولة في هذه المرحلة ليس في مصلحة البلاد، رغم تأكيده على حق المواطنين في العمل السياسي وتشكيل الأحزاب، لكن في توقيت مناسب. كما يلفت إلى أن الأحزاب، حتى المعارضة منها، تبقى جزءاً من منظومة السلطة، وتختلف عن دور المجتمع المدني.

وفيما يتعلق بالانتخابات، يوضح أن هناك تحديات كبيرة، خاصة مع وجود أعداد كبيرة من اللاجئين، إضافة إلى مشكلات تتعلق بسجلات الناخبين داخل البلاد، مما يجعل الحديث عن انتخابات عامة أو حزبية أمراً معقداً في الوقت الحالي. ويشدد على أن المناكفات الحزبية لا تفيد المرحلة، خاصة في ظل وجود مساحة مقبولة من حرية العمل الصحفي، تتيح تسليط الضوء على الإيجابيات والسلبيات ضمن حدود معقولة.

وبينما ينتقل الحديث من التجربة السياسية إلى المجتمع، يطرح النحاس مسألة لا تقل أهمية، وهي كيفية طمأنة الشارع السوري في ظل الهواجس القائمة، ودور التيارات المحافظة في هذا السياق.

السياسيون المحافظون ودورهم في طمأنة الرأي العام

طرح المحاور عروة درويش على ضيفه فكرة أن سوريا تعيش اليوم حالة من القلق والخوف من التطرف، رغم أن المجتمع السوري بطبيعته محافظ وليس متطرفاً. وفي ظل ارتباط السلطة الحالية في مراحل سابقة بمشاريع ذات طابع جهادي، تبرز أهمية دور السياسيين المحافظين في طمأنة الشارع بمختلف مكوناته.

يوضح عبيدة نحاس أن المشكلة تظهر عندما يسعى السياسي إلى كسب الناس لشخصه، فهنا تدخل المصالح الشخصية، بينما الأصل أن يعمل على جذبهم نحو فكرة وطنية جامعة تقوم على الاعتدال والوسطية. فالتطرف برأيه، ينمو في بيئة الخلافات الحادة والمناكفات، وليس في أجواء التوافق.

ويؤكد النحاس أن هناك أفكاراً دخيلة على المجتمع السوري الذي هو محافظ بطبيعته، وهذا يتطلب معالجة فكرية حقيقية. لذلك، تحتاج الدولة إلى مشروع فكري واضح تنطلق منه نحو بناء سياساتها، خاصة أن سوريا تشكل موقعاً استراتيجياً مهماً تتقاطع فيه مصالح دول كبرى، مما يجعل مسألة تعريف هويتها أمراً أساسياً.

ويرى أن الوصول إلى هذه الهوية ليس معقداً، ويمكن أن يقوم على نموذج “التدين الشامي” المعروف باعتداله وتعايشه مع مختلف المكونات والأديان. ويشير إلى أن الواقع الاجتماعي في سوريا أقل تطرفاً مما يظهر على وسائل التواصل، حيث يتخفى البعض خلف أسماء وهمية، بينما يكون الناس أكثر اعتدالاً عندما يدركون مسؤولية الكلمة من الناحية الأخلاقية والمجتمعية.

ومن هنا، يؤكد أن بناء هوية وطنية يحتاج إلى حوار شامل على مستوى البلاد، وقد دعا إلى إطلاق طاولة حوار تضم شخصيات محافظة معتدلة، حتى لو كانت ذات خلفيات إسلامية، على أن تتوسع لاحقاً لتشمل أطيافاً أكثر تنوعاً وانفتاحاً.

وبعد تحديد الهوية، يشدد النحاس على ضرورة تحديد دور الدولة، خاصة على المستوى الخارجي، من حيث تحالفاتها وخياراتها الاستراتيجية: هل تتجه نحو محاور معتدلة تدعم الاستقرار، أم تنخرط في أطر إقليمية أوسع عربية أو إسلامية أو شرق أوسطية؟

ويختم حديثه في محور السياسة إلى أن ما جرى حتى الآن من حوارات وتفاهمات مهم لكنه لا يكفي، إذ لا بد من تأسيس مشروع فكري واضح للمرحلة المقبلة. ويرى أن الفضاء الذي تعمل به الحكومة حالياً يتأثر بالضغوط أكثر مما يقوم على رؤية فكرية ناتجة عن حوار وطني عميق.

ومن السياسة والمجتمع، ينتقل النقاش إلى البعد الاقتصادي، حيث يربط النحاس بين الاستقرار الداخلي والانفتاح الخارجي، وضرورة بناء علاقات قائمة على المصالح المتبادلة.

الاستثمار واستقطاب التفاهمات الاقتصادية دولياً

أوضح الدكتور عبيدة نحاس أن الحديث عن سياسة “تصفير المشاكل” يثير جدلاً في الأوساط السياسية، لأنها صعبة التطبيق بشكل كامل على أرض الواقع، لكنها تصلح كنقطة بداية لأي مشروع جديد. ويرى أن ما قامت به الحكومة خلال الفترة الماضية يندرج في هذا الإطار، إذ ساهم في بناء قدر من الثقة مع أطراف متعددة.

وأشار إلى أن توجه القيادة السورية نحو الدول العربية، وطلب المساعدة في رفع العقوبات بدلاً من طلب الأموال، يعكس صورة مختلفة عن سوريا الجديدة، ويعبر عن طبيعة السوريين القائمة على الكرامة، بعيداً عن سياسات الابتزاز التي كانت سائدة سابقاً.

وشدد النحاس على أهمية توفير بيئة تشريعية جاذبة للاستثمار، لا تقتصر على إعادة الإعمار فقط، بل تمتد إلى بناء اقتصاد متطور يخدم سوريا والمنطقة، لافتاً إلى وجود مشاريع دولية يمكن أن تكون سوريا جزءاً مهماً فيها مثل مشروع سيلك لينك الذي تمّ الاتفاق عليه مع المملكة العربية السعودية.

وبعيداً عن الإطار التقليدي للسياسة، يتحدث نحاس عن تجربة مختلفة خاضها في المجال الرياضي، انطلاقاً من إيمانه بدور الرياضة في ترميم المجتمعات.

اقرأ أيضاً: هل أجبرت الحكومة السورية تلفزيون «الأولى» على تغيير اسمه؟

برايم غروب وعلاقتها بالاتحاد الرياضي لكرة القدم

رغم انشغاله بالعمل السياسي، توجه الدكتور عبيدة نحاس إلى المجال الرياضي، معتبراً أن الرياضة تلعب دوراً مهماً في مرحلة التعافي بعد الحروب. واستشهد بتجارب دولية مثل جنوب أفريقيا، حيث ساهمت الرياضة في تعزيز المصالحة المجتمعية. وهنا تبرز الشواهد على هذه الفكرة كتشجيع الجماهير لحارس المنتخب دون النظر إلى أي انتماءات، وهو ما يعكس قدرة الرياضة على توحيد الناس.

وأوضح أن دخولهم إلى هذا المجال جاء من بوابة الإعلام الرياضي، حيث حصلوا على حقوق بث الدوري السوري الممتاز، وبدأوا العمل على تطوير طريقة التغطية، من خلال استقطاب معلقين شباب من مختلف المناطق، وخلق أسلوب جديد يعتمد على التحضير والتقديم المختلف، متجاوزين فكرة النقل التقليدي للمباريات.

لكن التجربة واجهت تحديات كبيرة، أبرزها ضعف البنية التحتية للملاعب وسوء ظروف العمل، إضافة إلى غياب التنظيم، ما كان يفرض أحياناً إقامة عدة مباريات في توقيت واحد، وهو ما يتطلب إمكانيات كبيرة تفوق قدرة أي مجموعة إعلامية محلية مستقلة.

وأشار نحاس إلى أن مدة العقد، التي كانت لعام واحد فقط، لم تكن كافية لإحداث تطوير حقيقي، مما أدى إلى نقاشات مع اتحاد الكرة ووزارة الرياضة حول إمكانية التمديد، ليس فقط لمصلحة الناقل، بل لخدمة الرياضة السورية عموماً، خاصة أن الأندية بحاجة إلى دعم ورعاية.

ورغم وجود اهتمام من مستثمرين عرب، إلا أن عدم وضوح مسألة التمديد شكل عائقاً، قبل أن يتجه الاتحاد لاحقاً إلى طرح المشروع في مزايدة جديدة لأربع سنوات، وهو ما اعتبره خياراً منطقياً.

وختم النحاس هذا المحور بالتأكيد على أنهم كانوا يحملون رؤية لتطوير الرياضة السورية، يمكن تعميمها في مجالات أخرى، انطلاقاً من مبدأ العمل للصالح العام، سواء في السياسة أو الاقتصاد أو الرياضة، بعيداً عن المصالح الضيقة أو الحزبية.

بين التفاؤل والتشاؤم.. الشق الأمني من وجهة نظر الدكتور نحاس

يرى الدكتور عبيدة نحاس أن فرحة الناس في بداية التحرير كانت كبيرة، لكن مع مرور الوقت عادوا لمواجهة همومهم اليومية. كالأمن والكهرباء وتأمين لقمة العيش، لكن عند الحديث عن مؤشرات بسيطة تعكس التحسن، أعطى نحاس مثالاً بسيطاً حول زيادة عدد الشوارع المضاءة مقارنة بالسابق، وهو ما يدل على تحسن في خدمة الكهرباء، رغم استمرار بعض المشكلات، كقضية تسعير الفواتير.

ويؤكد أن التفاؤل الحقيقي لا يقوم على الأمل فقط، بل على العمل. فمرحلة التغيير والإصلاح مليئة بالتحديات، لكن الاستمرار في هذا المسار هو ما يمنح الناس شعوراً بالتفاؤل.

كما يلفت إلى وجود كثير من الأشخاص الذين يعملون بإخلاص في مختلف القطاعات، سواء الأمنية أو الاقتصادية أو السياسية، لكن في المقابل لا تزال هناك ثغرات، أبرزها شبكات الفساد التي تحتاج إلى معالجة جدية.

ويشير نحاس إلى أن من أكبر الأخطاء اليوم الخلط بين مفهوم الدولة والسلطة، مؤكداً أنّه من المهم أن يتحلى السياسيون بالجرأة للاعتراف بأخطائهم أو بسوء تقديرهم لبعض القرارات. ويرى أن من أكثر المجالات حاجة للإصلاح العاجل هو النظام القضائي.

باختصار، عكست هذه المقابلة خلاصة تجربة سياسي خاض الحياة السياسية وحارب لسنوات من أجل فكرة اقتنع بها، ليقدم لنا زبدة الأفكار التي جمعت تجربته الشخصية والرؤية السياسية المناسبة لمرحلة حساسة تمر بها سوريا من جهة نظره. حيث تطرق إلى تحديات الواقع وإمكانيات التغيير لبناء مسار متوازن في المرحلة المقبلة.

اقرأ أيضاً: واقع بناء الدولة السورية: نماذج أخرى للاستفادة منها في تشكيل دولة موحدة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى