أعمال واستثمار

مرافئ سوريا تخرج من الركود وتستقبل مرحلة اقتصادية جديدة

بقلم: ديانا الصالح

بعد سنوات طويلة من التراجع والركود بدأت مرافئ سوريا باستعادة جزء من نشاطها التجاري لاسيما مع ارتفاع حركة البواخر وزيادة حجم البضائع الداخلة والخارجة عبر مرفأي اللاذقية وطرطوس.

وعلى الرغم من غياب النشاط البحري وحركة البواخر لسنوات عديدة، إلا أن المشهد قد تغير خلال الأشهر الأولى من عام 2026، حيث سُجّلت أرقام هي الأعلى منذ سنوات في حجم المناولة وحركة الاستيراد والتصدير.

ويعكس هذا المشهد تحولاً طال انتظاره، إلا أنه لم يأت من فراغ دفع بإعادة تشغيل المرافئ بوتيرة أسرع، في الوقت الذي لا تزال فيه التحديات تضغط على قطاع النقل البحري وتعيق قدرته على استعادة نشاطه السابق بالكامل.

 عودة النشاط التجاري إلى مرافئ سوريا

شهدتِ مرافي سوريا خلال الأشهر الأربعة الأولى من عام 2026 ارتفاعاً ملحوظاً في حجم النشاط التجاري، حيث أوضحت بيانات الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية أن مرفأ طرطوس تجاوز 2.75 مليون طن من إجمالي عمليات الاستيراد والتصدير منذ بداية العام.

وتبيّن أن الجزء الأكبر من هذه الكميات كان مواد مستوردة تجاوزت 2.25 مليون طن مقابل تصدير قرابة نصف مليون طن من الفوسفات بالإضافة إلى بضائع متنوعة متعددة.

أما شهر نيسان وحده فسجل حركة غير مسبوقة في مرفأ طرطوس، بعد أن استقبل قرابة مئة باخرة من بينها عشرات سفن الشحن التجاري ووصلت كميات البضائع المستوردة خلال الشهر نفسه إلى 720 ألف طن، بينما بلغت الصادرات نحو 190 ألف طن، مما أعاد الحركة إلى الأرصفة البحرية بعد سنوات من التراجع والركود في حركة الملاحة.

لا يختلف الوضع في مرفأ اللاذقية عن سابقه، وإنما بدا المشهد أكثر نشاطاً مع تسجيل 350 ألف طن من البضائع المناولة خلال شهر نيسان وحده، كما استقبل المرفأ 68 سفينة تجارية خلال شهر واحد ليصل عدد السفن الواصلة منذ بداية العام إلى 211 سفينة.

علاوة على المواد التقليدية، شملت الحركة التجارية أيضاً عودة نشاط الترانزيت من خلال تصدير السيارات القادمة من دول الخليج عبر مرافئ سوريا لتتجه نحو أسواق أخرى في المنطقة، الأمر الذي يُعتبر مؤشراً جديداً على استعادة سوريا تدريجياً لدورها كممر تجاري بحري شرقي المتوسط.

التسهيلات الإدارية المتبعة لتنشيط الاستيراد والتصدير

رافق توسع النشاط التجاري للمرافئ السورية ط تطبيق مجموعة من الإجراءات الإدارية التي تهدف إلى تسريع عمليات التخليص الجمركي وتقليل الوقت الذي تقضيه السفن داخل الأرصفة، وفي هذا السياق، ذكرت الهيئة العامة للمنافذ والجمارك عن خطط تتبعها لتبسيط الإجراءات الجمركية وتنشيط حركة الترانزيت بما يضمن تخفيف التعقيدات التي كانت تؤخر عمليات الاستيراد والتصدير لأوقات طويلة.

بالإضافة إلى ذلك، اعتمدت الإجراءات أو التسهيلات الجديدة بشكل كبير على التحول الرقمي وبشكل خاص على الأتمتة وتنظيم حركة البضائع داخل المرافئ، بما يحد من الروتين الإداري المرتبط بالموافقات الجمركية، وساعدت هذه الخطوات في تسريع دخول المواد إلى الأسواق المحلية وأثر على خفض جزء من التكاليف التشغيلية التي يتحملها التجار والمستوردون على حد سواء.

وقد تحدثت تقارير اقتصادية عديدة عن المرونة المُتبعة في عمليات التمويل والاستيراد بالمقارنة بالسنوات السابقة التي عانت فيها هذه العمليات من القيود المصرفية الحادة فضلاً عن صعوبات التحويلات المالية، وهذا الأمر شجع عدداً من التجار على إعادة استخدام المرافئ السورية في عمليات الاستيراد بدلاً من الاعتماد على مرافئ دول مجاورة.

الاستثمارات الأجنبية وتطوير البنية التحتية للموانئ

يعود جزء كبير من الانتعاش الحالي الذي تشهده المرافئ إلى عمليات إعادة التأهيل التي جرت خلال الفترة الأخيرة من إدخال آليات ومعدات جديدة للخدمة بما يُسهم في تسريع عمليات التفريغ والمناولة، وصولاً إلى تنظيم ساحات الحاويات وتحسين الخدمات داخل المرفأ.

وشهد مرفأ اللاذقية توقيع الهيئة العامة للمنافذ اتفاقية مع شركة فرنسية لإدارة وتشغيل محطة الحاويات لمدة 30 عاماً تشمل استثمارات أولية بقيمة 30 مليون يورو خلال السنة الأولى ومن ثم 200 مليون يورو خلال السنوات التالية لتطوير الأرصفة وتحديث المعدات والبنية التحتية.

أما مرفأ طرطوس فشهد توقيع اتفاقية مع شركة إماراتية لعقد امتياز مدته أيضاً 30 عاماً لتطوير وتشغيل المرفأ باستثمارات تصل إلى 800 مليون دولار وذلك بهدف تحديث البنية التحتية وتوسيع القدرة التشغيلية، وتضمن الاتفاق أيضاً إدخال معدات جديدة وبدأ العمل الفعلي للشركة داخل المرفأ خلال أواخر عام 2025 مع إطلاق خطة تطوير شاملة للأرصفة والخدمات اللوجستية.

ولا يختلف اثنان في الرأي حول أن تطوير البنية التحتية يعتبر من أهم الشروط لاستمرار الانتعاش الحالي خاصة أن المرافئ السورية عانت لسنوات من ضعف في الصيانة ونقص في التجهيزات الحديثة في الوقت الذي تم فيه استغلال هذا الركود والضعف لزيادة المنافسة من دول الجوار.

التحديات التي تواجه المرافئ السورية

على الرغم من التحسن الواضح بالأرقام إلا أن مرافئ سوريا ما زالت تواجه عدة تحديات تحدّ من قدرتها على استعادة طاقتها التشغيلية بشكل كامل، ولعلّ أبرز هذه التحديات هو آثار العقوبات الاقتصادية التي تؤثر على عمليات التحويل المالي والتأمين البحري وبالتالي يؤثر على ارتفاع تكاليف الشحن على التجار والمستوردين.

كما أن تقلبات سعر صرف الليرة السورية تعتبر عبئاً إضافياً على قطاع الاستيراد والتصدير، أي أن التجار يواجهون صعوبة في تسعير البضائع وسط جو من التغيرات المتلاحقة في تكاليف النقل والتمويل.

لكن وبالرغم من هذه التحديات تبدو المرافئ السورية أمام مرحلة مختلفة مقارنة بالسنوات الماضية، حركة السفن عادت إلى الساحل السوري بما يعكس محاولة حقيقية وتدريجية لاستعادة النشاط التجاري والاقتصادي في بلد ما يزال يبحث عن طريقه نحو التعافي.

اقرأ أيضاً: بين اللاذقية والعقبة.. هل تتقاطع مسارات تنويع التجارة في شرق المتوسط؟

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى