مذكرتا تفاهم في مجال الطاقة ترسمان مستقبل التعاون السوري المصري

بقلم هلا يوسف
شكل سقوط النظام السابق وإلغاء قانون قيصر نقطة تحول استثنائية في سوريا. حيث فتح أمام الحكومة أبواب التعاون بينها وبين الدول العربية لمعالجة المشكلات التي تعاني منها القطاعات ومنها قطاع الطاقة. حيث شهدت القاهرة توقيع مذكرتي تفاهم بين وزارة البترول والثروة المعدنية المصرية ووزارة الطاقة السورية، وذلك خلال زيارة وفد رسمي من وزارة النفط السورية إلى مصر. ووقّع المذكرتين عن الجانب المصري الدكتور محمد الباجوري، المشرف على الإدارة المركزية للشؤون القانونية بوزارة البترول، وعن الجانب السوري معاون وزير الطاقة لشؤون النفط غياث دياب.
وجرى توقيع المذكرتين بحضور وزير البترول والثروة المعدنية المصري كريم بدوي، حيث ناقش الجانبان آفاق التعاون المشترك في مجالات الغاز الطبيعي والمنتجات البترولية، إضافة إلى إعادة تأهيل البنية التحتية للطاقة في سوريا، في إطار سعي دمشق لتحسين واقع الإمدادات الطاقية ودعم متطلبات التنمية في مرحلة ما بعد الحرب.
وتتعلق مذكرة التفاهم الأولى بالتعاون في توريد الغاز الطبيعي إلى سوريا عبر البنية التحتية المصرية، بهدف تشغيل محطات توليد الكهرباء السورية، وذلك من خلال الاستفادة من سفن التغييز ومحطات إعادة التغييز المصرية، إلى جانب شبكات نقل الغاز الممتدة إلى دول الجوار.
أما مذكرة التفاهم الثانية، فتركز على تلبية احتياجات السوق السورية من المنتجات البترولية الأساسية، في ظل النقص الحاد الذي تعانيه البلاد منذ سنوات الحرب، فضلاً عن بحث فرص التعاون في إعادة تأهيل منشآت النفط والغاز السورية بالاستفادة من الخبرات الفنية المصرية.
ويأتي هذا التعاون بعد يوم واحد فقط من توقيع مصر مذكرة تفاهم مع شركة “قطر للطاقة” لاستيراد شحنات غاز طبيعي مسال، وفي وقت تعزز فيه القاهرة دورها كمركز إقليمي لتداول الطاقة، سواء الأحفورية أو المتجددة.
أزمة طاقة خانقة بعد سنوات الحرب
يعكس هذا التعاون مدى حاجة سوريا إلى تعزيز قطاع الطاقة وتطويره، حيث يعد من أكثر القطاعات تضرراً جراء الحرب التي اندلعت عام 2011 واستمرت لأكثر من أربعة عشر عاماً.
فقد وجد السوريون أنفسهم أمام أزمة طاقة خانقة، تمثلت في تراجع إنتاج النفط والغاز، وانهيار شبه كامل لشبكة الكهرباء. فقد انخفض إنتاج النفط السوري من نحو 386 ألف برميل يومياً عام 2010 إلى حوالي 89 ألف برميل يومياً فقط في عام 2024، بعد انسحاب وتعليق عمل معظم شركات النفط العالمية.
ففي عام 2023 أعلن وزير الخارجية في النظام السابق فيصل المقداد أن خسائر قطاعي النفط والغاز بلغت نحو 115 مليار دولار، نتيجة الدمار الذي لحق بالمنشآت، إلى جانب العقوبات وتعقيدات الاستثمار.
أما في قطاع الغاز الطبيعي، فقد تراجع الإنتاج بشكل حاد من 8.4 مليار متر مكعب عام 2010 إلى نحو 3 مليارات متر مكعب فقط في عام 2023، وهو ما انعكس مباشرة على قدرة محطات الكهرباء على العمل.
شبكة كهرباء مدمرة وعجز يفوق 80%
قبل اندلاع الحرب، كانت شبكة الكهرباء السورية تغطي نحو 99% من السكان، وبلغت القدرة المركبة لتوليد الكهرباء حوالي 9344 ميغاواط عام 2010، بينما وصل الطلب الأقصى إلى 8600 ميغاواط في صيف ذلك العام. لكن الشبكة كانت تعاني حتى قبل الحرب من مشكلات هيكلية، أبرزها الخسائر التقنية وغير التقنية التي تجاوزت 20% من إجمالي الإنتاج، مقارنة بمعدل عالمي لا يتجاوز 10%.
ومع اندلاع الصراع، تعرضت محطات التوليد وخطوط النقل وأبراج الكهرباء لدمار واسع نتيجة القصف المباشر، كما زادت العقوبات الدولية من صعوبة استيراد المعدات وقطع الغيار اللازمة للصيانة.
وأشار وزير الكهرباء السوري السابق غسان الزامل عام 2024، إلى أن الأضرار المباشرة التي لحقت بالمنظومة الكهربائية بلغت نحو 40 مليار دولار، بينما تجاوزت الأضرار غير المباشرة 80 مليار دولار، وهو ما يعني أن أكثر من نصف المنظومة الكهربائية السورية تعرضت للتدمير أو التعطيل.
وبحسب تصريحات مسؤولين سوريين، فإن العجز الحالي في الكهرباء يتجاوز 80% من إجمالي الاحتياجات، وأن البلاد تحتاج إلى نحو 5 سنوات على الأقل لاستعادة استقرار التيار الكهربائي بشكل كامل، في حال توافرت الاستثمارات والوقود.
لماذا يمثل التعاون مع مصر أهمية خاصة؟
يأتي التعاون المصري السوري في قطاع الطاقة في توقيت بالغ الحساسية، في ظل إدراك الإدارة السورية الجديدة أن إصلاح هذا القطاع مسألة حياة أو موت، ليس فقط لتلبية الاحتياجات المعيشية للمواطنين، بل أيضاً لضمان الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، خاصة مع احتمالات عودة ملايين اللاجئين خلال السنوات المقبلة.
كما يمثل قطاع الطاقة مصدراً رئيسياً لتمويل إعادة الإعمار، إذ تشير تقديرات إلى أن صناعة النفط وحدها يمكن أن تدر إيرادات تصل إلى 15 مليار دولار سنوياً عند سعر 70 دولاراً للبرميل.
من ناحية أخرى، تتمتع سوريا بإمكانات كبيرة غير مستغلة، إذ قدرت دراسات رسمية سورية عام 2010 الاحتياطيات النفطية بنحو 27 مليار برميل، واحتياطيات الغاز بنحو 678 مليار متر مكعب، دون احتساب المناطق البحرية في شرق المتوسط.
كما تمتلك مصر خبرة واسعة وبنية تحتية قوية في قطاع الطاقة، تجعلها شريكاً مثالياً لسوريا في هذه المرحلة. فقد نجحت القاهرة خلال العقد الماضي في تطوير قطاع الغاز الطبيعي، خاصة بعد اكتشاف حقل “ظهر” عام 2015، وأصبحت مركزاً إقليمياً لتسييل وتصدير الغاز عبر محطتي إدكو ودمياط.
كما تمتلك مصر خبرات متقدمة في إعادة تأهيل محطات الكهرباء، وتنفيذ مشروعات الربط الكهربائي مع دول الجوار، إلى جانب شركات وطنية كبرى مثل إنبي وبتروجت القادرة على تنفيذ مشروعات إعادة الإعمار في قطاعي النفط والغاز.
وتخطط مصر أيضاً لتوسيع تصدير الكهرباء إقليمياً، عبر مشروعات ربط جديدة تشمل العراق وسوريا ولبنان، مروراً بالأردن، وهو ما يفتح آفاقاً مستقبلية لتكامل الطاقة في المشرق العربي.
ورغم أن العلاقات السياسية بين القاهرة والحكومة السورية الجديدة لا تزال تتسم بالحذر والترقب، فإن التعاون في قطاع الطاقة يبدو كمسار عملي يمكن أن يمهد لتقارب تدريجي، خاصة أن مصر تؤكد دائماً دعمها لاستقرار سوريا ووحدتها.
وفي هذا السياق، أكد الرئيس عبد الفتاح السيسي أن مصر تسعى إلى أن تكون عاملاً إيجابياً في استعادة الأمن والاستقرار في سوريا، مشيراً إلى عمق العلاقات التاريخية بين الشعبين، وإلى وجود نحو 1.5 مليون سوري يعيشون في مصر ويتمتعون بكافة الحقوق.
باختصار، يمثل توقيع مذكرتي التفاهم بين مصر وسوريا خطوة مهمة لتعزيز التعاون العربي، وإعادة الثقة بين سوريا والدول العربية. فمع حاجة سوريا إلى الطاقة، وخبرة مصر الكبيرة، يمكن أن يتم بناء شراكات تحقق التنمية والفائدة للبلدين.
اقرأ أيضاً: وزارة الطاقة تخفض أسعار المشتقات النفطية









