ثقافة وتراث

مدينة منبج السورية .. لا زال التاريخ يمشي في الشوارع

في منبج.. رغم كل شيء لا يزال الماضي حياً

بقلم: ريم ريّا

على ضفاف نهر الفرات، حيث عبرت القرون قبل أن تعبر القوافل تقف مدينة منبج شاهدةً على تاريخٍ في المنطقة لا يهدأ. مدينةٌ مهما مرّ عليها لا يمكن اختصارها بحجارةٍ قديمة ولا بأسوارٍ مندثرة، بل تروى كسردية مفتوحة عن حضاراتٍ تعاقبت وتركت بصمتها في أزقة المدينة وذاكرتها.

عرف التاريخ منبج بأسماء متعددة، كانت نقطة التقاء للتجارة والفكر والسياسة، وشكلت مفترق طرق بين الشرق والغرب، ما جعلها مدينةً أكبر من جغرافيتها وأعمق من حاضرها. في تراث منبج تختبئ حكايات الآراميين ويسمع صدى الرومان، وتظهر الحضارة الإسلامية. في هذا المقال سنعرض تاريخ منبج والأسماء التي أطلقت عليها.. وما زال الزمان يكتب فصولاً جديدة من تاريخه في تلك المدينة وهذا ما سيتضح بمهرجانها الثقافي وما عُرض فيه.

موقع مدينة منبج وما أطلق عليها من أسماء عبر التاريخ

مدينة منبج تتبع لمحافظة حلب وتعد مركز “منطقة منبج”، وتقع شمال شرقي ريف مدينة حلب شمالي سوريا، وتبعد عنها نحو 80 كيلومتراً، وتبعد عن نهر الفرات 30 كيلومترا غرباً.

تشكل مساحة “منطقة منبج” نسبة 3.5% من مساحة سوريا، إذ تبلغ نحو ألفي هكتار، وتعد ثاني أكبر مدن المحافظة بعد مدينة حلب، وتحتل مدينة منبج منها 1295 كيلومتراً مربعاً، وتتبع لها نواحي عدة إضافة إلى 314 قرية ومزرعة في شرق نهر الفرات وغربه.

سُجل أقدم ذكر لمدينة منبج بالتاريخ في الألفية الثانية قبل الميلاد عندما سيطر الآشوريون على المنطقة وتوسعوا من منبج لبناء إمبراطوريتهم، وكانت تسمى حينئذٍ بـ”نامبيجي”، وتعني “النبع” أو “المنبع”، وسميت بذلك لوجود عين مياه كبيرة تعرف بـ”الرام”.

أطلق عليها الآراميون اسم “نابيجو”، وحرّف مع مرور الزمن وصار “مابوج” ويعني أيضا النبع، ثم سماها اليونانيون باسم “بامبيسي”. أما أثناء العصر الروماني، أطلق عليها اسم “هيرابوليس” ويعني المدينة المقدسة، نظراً لاحتضانها معابد وثنية كانت مقصداً للحج. وفي العصر البيزنطي سميت “متروبولي”، وتعني المدينة الكبيرة، ومن بين الأسماء الأخرى التي عرفت بها منبج عبر التاريخ “أبروقليس”، أي مدينة الكهنة و”أديسه” و”منبه” و”سرياس”، و”عاصمة العواصم” كما أسماها الخليفة العباسي هارون الرشيد.

اقرأ أيضاً: حين يلتقي التاريخ بالروح .. دير مار يعقوب “مار موسى الحبشي” في سوريا

تاريخ مدينة منبج وعلاقتها بالحضارات القديمة

ذكرت منبج في الآثار الآشورية، ثم حكمها الآراميون، وتحت حكم أسرة “عبد حدد” الآرامية أصبحت مركزاً لعبادة الآلهة “أتارغايتس” التي عرفت عند الإغريق باسم ديرسيتو، وصارت الآلهة الرئيسة لمنطقة شمال سوريا في العصور القديمة الكلاسيكية.

في أعقاب سيطرة الإسكندر المقدوني على المنطقة أعادت زوجة سلوقس الأول بناء معبد الآلهة، في خطوة تعكس مدى احترام السلوقيين لهذه الآلهة ورغبتهم في تعزيز الروابط الدينية والثقافية مع سكان المنطقة. ويعتقد أن مدينة منبج، المعروفة قديما باسم “مابوغ”، قد تأسست في الألفية الثانية قبل الميلاد على يد الحثيين، الذين بسطوا نفوذهم على شمال سوريا في تلك الفترة.

ازدادت أهمية منبج الإستراتيجية في العصر الهلنستي، وأصبحت خط الدفاع الأول في مواجهة الفرس، مما جعلها مدينة ذات طابع عسكري إلى جانب مكانتها الدينية. استمرت المدينة في أداء هذا الدور الدفاعي في العصرين الروماني والبيزنطي، إذ شكلت نقطة حصينة على الحدود الشرقية للإمبراطوريات المتعاقبة.

في القرن الثالث الميلادي، أصبحت عاصمة لمقاطعة الفرات وإحدى أكبر المدن في سوريا، مما عزز من مكانتها الإستراتيجية والتجارية. أما النواة الأولى للمدينة، فهي منطقة تُعرف باسم “التبة“، وهي تلة كانت تمثل مركز منبج القديم. وتعد هذه المنطقة الأقدم في المدينة، ولا تزال تضم منازل تاريخية عمرها تجاوز 100 عام.

اشتهرت بصناعة الحرير وتربية دودة القز، وشهدت عصوراً مزدهرة تحت الحكم السلوقي والحمداني، وتعرضت للغزو المغولي. تحت الحكم العثماني فقدت المدينة أهميتها، ولم تشهد أي تغييرات تذكر، باستثناء استقبال موجات من المهاجرين الشركس من القوقاز عام 1878.

التاريخ لا يموت في منبج.. مهرجانها الثقافي ما زال يرويه

مهرجان منبج الثقافي الذي انطلق في 11 ديسمبر الجاري، بحضور رسمي وشعبي، وضمّ فعاليات ثقافية وتراثية متنوعة احتفت بتاريخ مدينة منبج وهويتها على مدى ثلاثة أيام متتالية.

المهرجان الذي تنظمه دائرة الآثار والمتاحف في حلب بدأ أولى فعالياته بافتتاح الحمام العثماني الأثري بالمدينة، الذي يعد حاضنة للقطع الأثرية ومثالاً للعمارة التراثية، الحمام العثماني يضم قطعاً أثرية تعود للفترات الآشورية والبيزنطية والإسلامية، التي تعكس هوية المدينة والحضارات التي مرت على المنطقة. ويعود إلى مطلع القرن العشرين، ويضم ثلاثة أقسام ويتميز بالقبة والقيمريات ويتمركز في قلب المدينة القديمة لمنبج، ويَعرض طابع المنطقة العمراني من خلال الحجر الكلسي الفراتي الذي يميز منبج، إضافة إلى التمديدات المائية المميزة والحديقة المتحفية التي عززت قدرة الحمام في عرض الإرث الثقافي العائد لحقب زمنية متعددة.

من ضمن الفاعليات أيضاً، مشركة عشرين كاتباً إلى جانب عدد من دور النشر من عدة محافظات ضمن معرض الكتاب المرافق للمهرجان، إضافة إلى المسابقات المخصصة للأطفال ومعرض الوثائق، الذي يحكي عن تاريخ مدينة منبج، وعروض تراثية تجسد ملامح الحياة الشعبية في منبج وتبرز مهارات الحرفيين المحليين.

أهمية المهرجانات الثقافية في المدن السورية للداخل والخارج

في مدينة كمنبج دفعت ثمناً باهظاً في الحرب الأخيرة، وتحولت لسنوات إلى عنوان للغياب بدلاً من الحضور، المهرجان الثقافي فيها لا يأتي كحدث عابر أو شكلي أو لمجرد الترفيه، بل هو فعل يُصر على استعادة الهوية وترميم الذاكرة الجماعية التي مزقتها سنوات الصراع. مهرجان منبج ليس احتفالاً بالماضي فقط بل إعلاناً بأن المدينة قادرة على النهوض من جديد، وتأكيداً على أن الثقافة والتراث ليس شيئاً عتيقاً يستذكر فقط، بل جسراً بين ما كان وما يجب أن يكون.

دعم وزارة الثقافة لمثل هذه المهرجانات في منبج وسواها من المدن في سوريا يمنحها بعداً وطنياً يتجاوز الجغرافيا، ويسهم في تعريف السوريين أنفسهم بتراثهم المتنوع الذي تضرر بالتهميش والنسيان. كما يفتح الباب أمام سياحة ثقافية داخلية وخارجية تعيد ربط المدن بتاريخها وتحول التراث من عبءٍ محفوظ في الكتب إلى تجربة حية ترى وتعاش. وتشكل ركيزة للجذب السياحي الخارجي إلى عموم البلاد.

هذه الخطوة، إذا ما استثمرت بجدية، يمكن أن تكون إحدى أدوات التعافي الحقيقي، حيث تصبح الثقافة لغة سلام وأداةً لتقريب أواصر المجتمع، والمدينة مسرحاً للحياة من جديد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى