مدينة النواعير والوجه الآخر من تاريخها، ماذا تخبئ حماة؟

إنها مدينة النواعير فقط “حماة”، هذا ما يتبادر للأذهان عند ذكر تلك العجلات الخشبية الكبيرة التي تدور على ضفاف العاصي، وبكل دورة لها تحكي قصة حضارة مرّت منها، وتصّرح عن أصل حماة وتاريخها العريق. لكن هذه المدينة الهادئة البسيطة لا تختصر فقط بتلك العجلات الهائلة الموزعة للمياه والمُبشرة بالحياة، فحماة تأخذ منها روح التجدد. مثل تلك النواعير تدور حماه بين جنبات تراثها وبساطتها فتتكشف الرؤية عن معالم أثرية تزيّن المدينة وتثري ثقافتها كقلعة حماة وقصر العظم وغيرها من الأماكن المتنوعة التي تشكل تاريخ قاطني المدينة.
لنغرد خارج سمفونية الماء الخالدة، ولنتعرف على ألحان أخرى ترويها الحجارة وتشهد عليها العظمة في هذه المدينة الهادئة الحالمة.
موقع مدينة النواعير في الجمهورية العربية السورية
تقع ابنة العاصي في قلب سوريا، في الجزء الغربي الأوسط منها على ضفاف نهر العاصي. تتميز بموقعها استراتيجي الذي جعلها محظ أنظار على مر العصور إلى جانب كونها مركز حضاري هام.
تشتهر المدينة الجميلة بتراثها الثقافي الغني ومعالمها السياحية الخلابة التي تعكس تاريخاً عريقاً يمتد لآلاف السنين. فمنذ مطلع التاريخ كانت بقعة الأرض المميزة حماة، محطة ومهداً للاستقرار البشري، حيث كانت شاهدة على تعاقب العديد من الإمبراطوريات والممالك التي تركت بصماتها الواضحة على نسيجها العمراني والثقافي. فهل ستبقى حماة بأعيننا “أم النواعير” أم ستتجه أنظارنا لمعالم أخرى؟
اقرأ أيضاً: نواعير حماة: نغمات الماء الخالدة
أهم المعالم التي تختزل التاريخ الحموي
جامع الأعلى الكبير
هذا الصرح العظيم عبر رحلته من معبد وثني إلى صرح ديني عظيم. يقع الجامع الأعلى الكبير في قلب مدينة حماه القديمة، من أروع معالمها التاريخية والسياحية وأكبرها. يعود تاريخ بناء هذا المسجد إلى القرن الثامن الميلادي، ولكنه بني في الأصل كمعبد روماني للإله جوبيتر، ثم تحول إلى كنيسة بيزنطية قبل أن يصبح جامعاً في عهد الفتح الإسلامي في العام 638 ميلادي. وهذا الجامع خامس أقدم مسجد في التاريخ المعماري الإسلامي.
بمزيج معماري فريد يسحر الجامع زواره، حيث يجمع بين أنماط إسلامية مختلفة، ويضم واجهة مذهلة بنقوش حجرية منحوتة وأنماط هندسية تتسم بتعقيدها. كما يشتمل على مئذنتين مبهرتين، الجنوبية مربعة الشكل مزينة بالخط الكوفي، والأخرى شمالية مثمنة الشكل بنيت في العهد المملوكي عام 1427 ميلادي. كما يحوي الجامع بداخله منبر خشبي يعود إلى عام 1301 ميلادي يزينه جمال الحفر والنقش المكون له.

قلعة حماه
عمرها يبدأ من الألفية الخامسة قبل الميلاد، متربعة على قمة تل يطل على المدينة ونهر العاصي، احتضنت تاريخ حماه ومازالت ترويه حتى الآن. قد كشف التنقيب الأثري الذي أجري في التل عن تاريخ طويل من الاستيطان البشري يرجع إلى الألف الخامس قبل الميلاد، حيث كانت حماه مأهولة بالسكان وتشكل مركز حضاري مهم كونها عاصمة لمملكة “حماث” الآرامية في الألف الأول قبل الميلاد.
هذه القلعة كانت مواكبة لتعاقب الحضارات والإمبراطوريات، من السلوقيين والرومان حتى الفتح الإسلامي وسيطرة القرامطة والمرداسيين والسلاجقة. لكن تاريخها الطويل لم يعد يحتضن سوى القليل منها، فلم يتبق من الهيكل الأصلي للقلعة سوى بعض الآثار، كالتصفيح الحجري المحيط بالتل.
في حين أن أحد المؤرخين القدامى أفاد بأن قلعة حماه كانت تشبه في تصميمها قلعة حلب. كما شهدت القلعة العديد من الملاحم التاريخية هامة، منها الفتح الإسلامي في القرن السابع الميلادي ومعركة حماه في عام 1178 عندما تصدى الأيوبيون لغارة صليبية. أما اليوم، تحول تل القلعة إلى منتزه شعبي وجميل مزين بالأشجار ويحوي إطلالات بانورامية رائعة على المدينة والمناطق المحيطة بها، وفيها متحف صغير يعرض بعض التحف الأثرية التي تم العثور عليها في المنطقة.

قصر العظم في حماه
التحفة الباقية من العصر العثماني وتعكس ثقافته المعمارية، ويقع القصر وسط مدينة حماه بالقرب من نهر العاصي، ويعتبر من أجمل الأمثلة على العمارة العثمانية في المنطقة. تم بناء القصر في عام 1742 على يد أسعد باشا العظم، عندما شغل منصب “والي” على حماه ثم دمشق في وقت لاحق. وتعاقب على بناء القصر ثلاثة بناة، واستخدم كمقر لإقامة الوالي وعائلته.
مميز بتصميمه المعماري الفريد الذي يجمع بين الطراز العثماني التقليدي وعناصر من الطراز الحلبي، ومشهور بساحاته، حيث الفناء الفسيح، ونقوشه الخشبية المتقنة، والتصاميم الفسيفسائية الجميلة. وما يغنيه واجهاته الحجرية الرائعة وحواجزه الخشبية المنحوتة بحرفيه، كما يضم العديد من الزخارف الفنية الرائعة، بما في ذلك لوحة زخرفية فوق الباب الرئيسي تحمل نقوش شعرية وتاريخية .
يعود سبب تسميته إلى عائلة العظم التي حكمت سوريا في فترة القرن الثامن عشر الميلادي، وكان أسعد باشا العظم من أبرز شخصيات هذه العائلة، وقد تحول القصر في عام 1956 إلى متحف للتقاليد الشعبية، يعرض جوانب مختلفة من التراث الثقافي الحموي.
اقرأ أيضاً: تل التويني في جبلة وحكايته من عصر البرونز والحديد

سكان حماه.. أصالتهم و ثقافتهم
أهم ما يميز سكانها تاريخهم العريق في صناعة البسط اليدوية، مستفيدين بذلك من وقوع مدينة حماة على أطراف البادية حيث الإنتاج الوفير من الصوف ذي النوعية الجيدة. كما وأنه في خان رستم باشا بحماه، يقع سوق المهن اليدوية الذي تم افتتاحه في العام 2009، والذي يعكس أصالة الحرف التقليدية في المحافظة، ويضم السوق مختلف المهن والحرف اليدوية القديمة منها: صناعة النواعير والنقش على النحاس.
إضافة إلى نسج المطرزات شرقية، ومهن أخرى مثل: القز والصرما، وصناعة الأغباني، خياطة عربية، الطباعة اليدوية، تنجيد عربي، النسيج اليدوي، صناعة الفراء، صناعة الآلات الموسيقية، مصوغات من الفضة. إلى جانب :صناعة الفخار، وسائد بسط يدوية، وأشهر المهن القديمة تقشيش كراسي، والكتابة بالخط العربي والعجمي وأرابيسك، والرسم على الزجاج من أكثر ما يطلبه السياح.
ختاماً، مدينة النواعير لها وجه ساحر آخر، هذه المدينة أينما التفت المرء فيها وجد السحر والتاريخ يلفان لفيفه، مدينة بسيطة بعادات أهلها وحرفهم، غنية بتاريخها وما تعاقب عليها من حضارات، حماة ليست فقط تلك النواعير الضخمة التي تجاور العاصي حماة إرث حضاري كامل وجوانب ثقافية متنوعة.
اقرأ أيضاً: قلعة صلاح الدين: هندسة دفاعية تذهل العالم منذ ألف عام!









