المجتمع السوري

مدينة التل: أوقات قمامة جديدة وشكاوى من الضواحي

بقلم هلا يوسف

يبدأ المظهر الحضاري لأي دولة من شوارعها، فعندما يكون السكان على قدر كبير من الوعي الذي يجعلهم يفرزون نفاياتهم ويضعونها بالحاويات، يعكس ذلك تلقائياً حضارتهم، ونظافتهم. وانطلاقاً من عنوان “تلنا أنظف” أطلقت مدينة التل مبادرة محلية بالتعاون بين مجلس المدينة ولجنة التنمية في 5 شباط 2026، بهدف رفع مستوى النظافة في المدينة وتحسين بيئة المعيشة للمواطنين. جاء ذلك بعد دراسة شاملة لمخطط المدينة بالتعاون مع رئيس مرآب مدينة التل، عبد القادر السحلي، لتحديد أفضل الطرق لإدارة النفايات والتخلص من الممارسات الملوثة للبيئة.

تم تطبيق عدة خطوات عملية، منها تعديل أوقات جمع النفايات لتكون من الساعة الحادية عشرة ليلاً حتى الساعة الرابعة صباحاً، لضمان أن تكون المدينة خالية من النفايات في الصباح الباكر. كما شملت المبادرة اتخاذ إجراءات للتخلص من الكلاب الشاردة، وزيادة عدد عمال النظافة أو ما يعرف “بمهندسي النظافة”، بالإضافة إلى رفد المدينة بحاويات جديدة وإصلاح أو استبدال الحاويات التالفة، مع توزيع حاويات إضافية على أطراف المدينة.

وقد تم تجربة المبادرة لمدة خمسة عشر يوماً لاختبار التحديات والمعوقات المحتملة، مع الالتزام بالتعاون مع المجتمع المحلي لضمان نجاحها. كما سيتم تطبيق غرامات مالية على المخالفين بعد تحديد أوقات محددة لرمي النفايات.

اقتراحات السكان لتطوير المبادرة

بعد انطلاق المبادرة، لم تتوقف الأصوات المجتمعية عند حدود الملاحظات، بل انطلقت بأفكار عملية لتطويرها. أحد المعلقين اقترح أن يكون لكل حاوية شبكة أرضية لتصريف المياه، بحيث لا تتجمع المياه الراكدة حولها، مع ربط هذه الشبكات بأقرب مصرف. وبنفس السياق أشار آخرون إلى ضرورة تنظيف الحاويات نفسها بعد تفريغها، سواء برشها بالماء والصابون أو على الأقل بالماء، مع المحافظة على نظافة المنطقة المحيطة بها.

وبينما كانت هذه الإجراءات عملية، برزت الحاجة إلى ضبط المخالفين، واقترح البعض تركيب كاميرات مراقبة لحماية الحاويات ومنع الاستهتار بالقوانين، خاصة لمن يرمي القمامة في غير مكانها. إلى جانب ذلك تم لفت الانتباه إلى مشكلة التخلص من المخلفات الثقيلة مثل البيتون والحجارة، حيث أن بعض سيارات الشحن تكب هذه المواد على الطرقات، مسببةً فوضى وانتشار القمامة.

لكن جميع هذه المقترحات لم تغفل جانب التوعية، إذ أكد السكان أن نجاح أي خطة يعتمد على تأهيل المجتمع وتربية الأجيال على قيم النظافة، مع بدء التعليم منذ الصغر لترسيخ مبادئ الدين والمجتمع المتوازن، ما يضمن استدامة المبادرة على المدى الطويل.

شكاوى سكان التل

على الأرض تظهر الصورة الحقيقية لتحديات النظافة في المدينة، حيث تتفاوت المعاناة بين المناطق. في السحرا، تصف الشكاوى الشوارع بأنها مليئة بالنفايات والحاويات التي لا يلتفت إليها أحد إلا بشكل متقطع، مع انتشار الكلاب الشاردة التي تتحول إلى مصدر إزعاج بعد منتصف الليل وحتى الفجر، ما يخلق منظراً مزعجاً وروائح كريهة. السكان هنا يدعون الشباب والمبادرات المجتمعية للتدخل، مثل دهن الحاويات وتنظيفها بالمعقمات لجعلها أكثر قبولاً بصرياً.

كما أشار أحد السكان أنه في منطقة نزلة باب مشفى الزهراء، تتجمع الأكياس خلف المشفى في المنطقة المنخفضة، وتصبح ملتقى للكلاب الشاردة ليلاً. ويقترح تنظيف المكان فوراً، وتحذير الجيران من المخالفين، وتطبيق غرامات على من يرمون القمامة خارج الأماكن المخصصة، مع وعد السكان بأن يكونوا “عيون” للمبادرة ويرصدوا أي مخالفة.

أما الشميسي والحرنة الغربية، فتعاني من تراكم النفايات وغياب الخدمات الصحية، مع انتشار المصارف غير النظيفة والسيارات التي تكمل الفوضى بنقل الطراب والحجارة، ما يزيد من روائح النفايات ويجعل الصيف أكثر صعوبة بسبب الدبان والناموس.

وفي المقابل، هناك مناطق نموذجية مثل حرنة الشرقية، حيث يقوم بعض السكان بجهود فردية يومية، يجمعون الأوساخ ويكنسون الحارات ويغسلون حول الحاويات، وهو مثال على التعاون المجتمعي الذي يمكن أن يُحتذى به.

والجدير بالذكر أن مناطق ضواحي التل تعاني من نقص في الحاويات، كما تعاني من الكلاب الاشردة كونها منطقة مفتوحة على الجبال والأوتستراد، ويعيش السكان هناك خوف من تأخر وصول مبادرة مجلس التل لهم، في ظل انتشار كبير للنفايات.

باختصار، يتضح من كل هذه الشكاوى أن المبادرة وحدها لا تكفي، بل يجب أن تترافق مع تحديد ساعات واضحة لرمي النفايات، وتأمين حاويات مناسبة، وتوفير سيارات نظافة تغطي كل المدينة، ودعم عمل النظافة مادياً ومعنوياً، وفرض غرامات على المخالفين. فالتنظيف ليس مجرد نشاط شكلي، بل مسؤولية مجتمعية تبدأ من كل فرد في التل، صغيراً كان أو كبيراً.

اقرأ أيضاً: النفايات الإلكترونية في سوريا.. تجارة مربحة ومميتة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى