مدونة السلوك القضائي: تنظيم للقضاء وسط تخوفات من تقييد الحريات

بقلم هلا يوسف
عندما نقول قضاء يعني نزاهة، والنزاهة تعني قضاة محكومون بآليات قانونية تحمي عملهم وتضعه على الطريق الصحيح. وعندما نتحدث عن أي عملية إصلاح في الدولة، يكون القضاء هو الجهة الأساسية فيه، فالقانون هو الناظم لكل عمل، فماذا لو قلنا أن الإصلاح يطرق باب القضاء نفسه؟ من هنا تأتي أهمية الخطوة التي تم إقامتها في “فندق الداما روز” أمس الإثنين الخاصة بمناقشة مشروع “مدونة السلوك القضائي”، بمشاركة مسؤولين قضائيين ووزراء وقضاة وخبراء وممثلين عن منظمات مجتمعية ونقابية.
وقد ضم الاجتماع الخاص بمناقشة المدونة كلاً من: رئيس المحكمة الدستورية العليا، ورئيس مجلس الدولة، ووزراء العدل والتعليم العالي والبحث العلمي والإعلام والتنمية الإدارية، ومستشار رئاسة الجمهورية للشؤون الإعلامية، ورئيس الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، ورئيس الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش، إلى جانب عدد من القضاة والخبراء.
حيث ترسم وزارة العدل الكثير من الآمال على هذه المدونة لكونها تأتي في إطار إصلاح المؤسسة القضائية، وتهدف إلى وضع ضوابط أخلاقية ومهنية تنظم عمل القضاة، مع تأكيد الوزارة أن المدونة لا تهدف إلى فرض رقابة على القضاء أو الحد من استقلاله.
كما نوهت الوزارة أن الهدف من الوشة المقامة ليس اعتماد المدونة كما هي، بل الهدف هو مناقشة كل بند من بنودها واختبارها من خلال حالات وتطبيقات عملية، ثم التوصل إلى توصيات ومخرجات نهائية تمهد لاستكمال إجراءات اعتمادها ضمن المنظومة القضائية.
ورغم هذا التوضيح لا تزال الكثير من الأسئلة تدور حول المدونة، ومن أبرزها: ماذا تعني هذه المدونة؟ ولماذا تحتاج المؤسسة القضائية إلى قواعد خاصة تنظم سلوك القاضي؟ وهل يمكن أن تكون هذه القواعد وسيلة لحماية القاضي وتعزيز ثقة الناس بالقضاء بدل أن تتحول إلى أداة للضغط عليه؟ كل هذه الأسئلة سنحاول الإجابة عليها في هذا المقال.
وزارة العدل: المدونة لحماية القاضي وليس لمراقبته
كشف وزير العدل، مظهر الويس، عن حجم العمل على مشروع مدونة السلوك القضائي الذي استغرق عاماً كاملاً، مع تأكيده أن الوثيقة المطروحة حالياً ليست الصيغة النهائية، وإنما بداية لحوار واسع حول مضمونها وكيفية تطبيقها.
وهنا تؤكد الوزارة نقطة أساسية، وهي أن المدونة ليست أداة لمراقبة القاضي أو مساءلته بشكل مستمر، بل تهدف إلى حمايته وصون استقلاله وسمعته، من خلال وضع ضوابط واضحة للسلوك المهني والأخلاقي الذي يفترض أن يلتزم به.
وقد تبدو هذه الفكرة مهمة في المرحلة الحالية، لأن وجود قواعد واضحة يساعد القاضي على معرفة ما له وما عليه، ويمنحه مرجعاً يستند إليه عند التعامل مع المواقف المختلفة التي قد يواجهها في عمله.
فبحسب التوضيح السابق، المدونة لا تضع قيوداً على القاضي فقط، وإنما يمكن أن تحميه أيضاً. فإذا التزم بالمعايير المحددة ولم يخرج عنها، يصبح لديه إطار واضح يمكن الرجوع إليه عند حدوث أي خلاف أو مشكلة تتعلق بسلوكه المهني.
وتسعى وزارة العدل كذلك إلى وضع آلية لتجربة تطبيق المدونة على أرض الواقع، تمهيداً لوضعها ضمن مناهج المعهد العالي للقضاء، بحيث تصبح جزءاً من تدريب القضاة الجدد والعاملين في السلك القضائي.
الاستقلال والنزاهة.. كيف تحمي المدونة القاضي والقضاء؟
يرى رئيس محكمة النقض، أنس السليمان، أن المؤسسة القضائية لا تستطيع أداء رسالتها من دون ثلاثة عناصر أساسية هي الاستقلال والنزاهة والكفاءة. إلا أن استقلال القضاء لا يعتمد فقط على وجود نصوص دستورية وقوانين تحميه، بل يبدأ أيضاً من القاضي نفسه، لأن الاستقلال في النهاية ليس نصاً قانونياً فقط، بل هو التزام أخلاقي وسلوك مهني يظهر في طريقة أداء القاضي لعمله.
ومن هنا جاء دعم اعتماد مدونة ملزمة للسلوك القضائي، باعتبارها وسيلة تساعد على تحويل هذه المبادئ العامة إلى قواعد ومعايير واضحة. وبما أن القاضي لا يعمل في فراغ بحسب ما قال رئيس مجلس الدولة، عبد الرزاق كعدي، حيث يتأثر بالظروف المحيطة به، لذلك لا بد من وجود تحديات خارجية ومؤسسية تواجه استقلال حكمه، إلى جانب الضغوط الاجتماعية والمعيشية. ولمساعدة القضاة في هذا الخصوص، هناك مساعٍ لتحسين الأوضاع المعيشية للقضاة، بما يساعدهم على أداء عملهم بعيداً عن الضغوط المادية.
وفي الوقت نفسه، ظهرت تحديات جديدة مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، خصوصاً عندما تتعلق القضية التي ينظر فيها القاضي بموضوع يهتم فيه كثير من الناس.
ففي مثل هذه الحالات، يمكن أن تتحول القضية إلى نقاش عام، وقد يجد القاضي نفسه أمام ضغوط أو آراء كثيرة تطالبه باتخاذ موقف معين. لذلك دعا كعدي إلى التعامل بحذر مع تأثير وسائل التواصل الاجتماعي، حفاظاً على استقلالية الأحكام القضائية، بحيث يبقى القرار القضائي قائماً على القانون والأدلة، وليس على ما يقال في المنصات الرقمية.
وهنا يمكن أن تساعد مدونة السلوك في تحديد الطريقة التي ينبغي أن يتعامل بها القاضي مع مثل هذه المواقف، سواء داخل المحكمة أو خارجها، من دون أن تتحول هذه القواعد إلى وسيلة للتدخل في قراراته أو التأثير في استقلاله.
المدونة والتفتيش القضائي.. أين تبدأ المساءلة وأين تنتهي؟
من النقاط المهمة التي تم طرحها خلال الورشة العلاقة بين مدونة السلوك القضائي والتفتيش القضائي. وهناء جاء رأي رئيس المحكمة الدستورية العليا، عصام الخليف. حيث أشار إلى أن الجانبين يكمل أحدهما الآخر. فالمدونة تضع الإطار الأخلاقي والمهني الذي يحدد للقاضي واجباته وما يجب عليه تجنبه، بينما يتولى التفتيش القضائي متابعة الالتزام بهذه المعايير، ورصد المخالفات وجمع الأدلة.
لكن هذا الأمر يفتح باباً لسؤال طبيعي: إذا كانت المدونة تحدد السلوك المطلوب من القاضي، والتفتيش يتابع مدى الالتزام بها، فكيف يمكن ضمان ألا تتحول إلى وسيلة للضغط على القضاة؟
يؤكد الخليف في هذا الخصوص أن أعمال التفتيش القضائي تخضع لرقابة مجلس القضاء الأعلى، بهدف ضمان عدم استخدام المدونة وسيلة للتأثير في القاضي أو المساس باستقلاله.
كما يوضح أن مخالفة بعض السلوكيات المستحبة بشكل بسيط لا تعني تلقائياً أن القاضي ارتكب مخالفة تأديبية، ما لم تصل المخالفة إلى مستوى يمس جوهر الاستقلال أو النزاهة أو ثقة المجتمع بالقضاء.
وهذه نقطة مهمة، لأن المدونة يفترض أن تفرق بين الأخطاء البسيطة في السلوك وبين المخالفات الخطيرة التي يمكن أن تؤثر في عمل القاضي أو في صورة المؤسسة القضائية أمام المجتمع.
ومن هنا يرى النائب العام للجمهورية حسان التربة، أن نجاح القضاء لا يعتمد فقط على إصدار أحكام صحيحة أو وجود قضاة يمتلكون الكفاءة، بل يحتاج أيضًا إلى منظومة أخلاقية تنظم سلوك القاضي داخل المحكمة وخارجها.
فالناس لا ينظرون فقط إلى الحكم الذي يصدره القاضي، وإنما يهتمون أيضاً بطريقة تعامله ونزاهته واحترامه للقانون، وكل ذلك يؤثر في صورة القضاء وثقة المجتمع به.
ويؤكد التربة أن المدونة تجمع بين الجانب الأخلاقي والمهني، بما يساعد على تعزيز استقلال القضاء ونزاهته وترسيخ ثقة الناس بالمؤسسة القضائية، من دون أن تحل محل القوانين والتشريعات القضائية النافذة.
وحول نفس الفكرة دار رأي وزير التنمية الإدارية حسان السكاف، الذي أكد أن بناء مؤسسات الدولة لا يمكن أن يتحقق من دون قضاء قوي ونزيه، وشدد على أن أهمية المدونة ستظهر عندما تنتقل من كونها وثيقة نظرية إلى قواعد يلتزم بها القاضي في حياته المهنية اليومية.
أما مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني، فيرى أن مدونة السلوك القضائي هي أداة معيارية موجهة إلى فئة مهنية محددة، وتعمل ضمن منظومة قانونية أكبر، ولذلك لا يمكن أن تحل محل التشريعات.
وبحسب هذا الرأي تأتي أهميتها من قدرتها على تحويل المبادئ الأخلاقية إلى معايير عملية يمكن الاستفادة منها في التدريب والاستشارة والتفسير، وربما عند مساءلة القضاة، ولكن ضمن الحدود التي يسمح بها القانون، ومن دون أن تكون المدونة وحدها أساساً مباشراً لفرض العقوبات.
ما هي مدونة السلوك القضائي؟ ولماذا تحتاج إليها سوريا الآن؟
إذا أردنا تبسيط فكرة المدونة، فيمكن القول إنها مجموعة من القواعد والمعايير التي تساعد القاضي على معرفة السلوك المهني والأخلاقي المتوقع منه، سواء أثناء وجوده في المحكمة أو في حياته خارجها عندما يكون سلوكه مؤثراً في صورة القضاء وسمعته.
وهذه المدونات ليست فكرة جديدة أو خاصة بسوريا، فهي موجودة في العديد من الأنظمة القضائية حول العالم، وتهدف بشكل أساسي إلى تعزيز استقلال القضاء ونزاهته وزيادة ثقة المجتمع بالمؤسسة القضائية.
وتستند العديد من هذه المدونات إلى مبادئ بنغالور للسلوك القضائي التي أُقرت عام 2002 وأصبحت مرجعاً دولياً في هذا المجال، وتقوم على ستة مبادئ أساسية هي: الاستقلال، والحياد، والنزاهة، واللياقة، والمساواة، والكفاءة والاجتهاد.
أما في سوريا، فيرى الدكتور سمير جلول، الوكيل الإداري للمعهد العالي للقضاء، أن المدونة تأتي ضمن عملية تطوير تعمل عليها وزارة العدل، بهدف معالجة بعض الأخطاء والثغرات السابقة، والوصول إلى رؤية قضائية تتناسب مع مستوى المرحلة التي تمر بها البلاد.
وفي هذا الوقت تحديداً، تبدو الحاجة إلى وجود معايير واضحة تنظم العلاقة بين القاضي والمجتمع أكثر أهمية، لأن القاضي يحتاج إلى معرفة ما له وما عليه، كما يحتاج المجتمع إلى فهم الإطار الذي يحكم عمله وسلوكه.
ولذلك بحسب جلول يمكن أن تكون المدونة بمثابة مرجع يساعد القاضي على أداء عمله من دون الوقوع في مواقف تسبب له حساسية أو إشكالات، وفي الوقت نفسه يمكن أن توفر له حماية مهنية إذا التزم بالضوابط ولم يخرج عنها.
وهنا يمكننا استحضار فكرة المدونات التي ظهرت في الفترة السابقة، من بينها مدونة للسلوك الإعلامي وأخرى خاصة بوزارة الداخلية، مما يشير إلى توجه نحو وضع قواعد مهنية تنظم عمل المؤسسات في المرحلة الحالية.
ويرى الحقوقي والمختص بالقانون الجنائي، المعتصم الكيلاني، أن فكرة مدونة السلوك تقوم على وضع ضوابط تساعد المهنة على العمل بطريقة لا تخالف القانون، وفي الوقت نفسه لا تتعدى على الحريات.
لكن هنا تظهر قضية حساسة جداً، وهي ضرورة التمييز بين تنظيم العمل وبين تقييد الحريات. فبحسب الكيلاني هناك خط دقيق بين القواعد التي تهدف إلى ضبط العمل وبين أي قيود يمكن أن تمس حرية الرأي والتعبير التي يحميها الإعلان الدستوري.
ولهذا يرى أن من الضروري أن يقرأ القانونيون هذه المدونات بصورة كاملة ودقيقة، وأن ينتبهوا إلى أي ثغرات أو نقاط ضعف يمكن أن تشكل خطرًا على الحريات.
كما يطرح الكيلاني مسألة أخرى تتعلق بمدى إلزام هذه المدونات، وأشار إلى أن مشكلة المدونات السابقة كانت في أنها لم تكن ملزمة بما يكفي. ومن هنا تأتي الحاجة إلى آلية قانونية واضحة تحدد كيفية الالتزام بها، مع الحفاظ في الوقت نفسه على حقوق الإنسان والحريات.
ويرى أن وجود مجلس الشعب يمكن أن يتيح فيما بعد مناقشة هذه المدونات وتقييمها، وربما وضع التشريعات اللازمة لها. فمدونة السلوك القضائي قد تصدر في إطار قرار إداري لتنظيم العمل داخل وزارة العدل والمؤسسة القضائية، لكنها قد تحتاج أيضاً إلى إطار تشريعي واضح عندما يتعلق الأمر بالحقوق والواجبات والمسؤوليات.
من المقرر أن تستمر أعمال الورشة حتى اليوم الثلاثاء، حيث يناقش المشاركون موقع المدونة ضمن منظومة الحوكمة الوظيفية، ويراجعون موادها، ويختبرونها من خلال حالات واقعية، قبل الوصول إلى التوصيات والمخرجات النهائية تمهيدًا لاستكمال إجراءات اعتمادها.
في النهاية، يكمن السؤال الأهم المطروح الآن: ماذا سيحدث بعد انتهاء الورشة؟ حيث أن النجاح الحقيقي لمدونة السلوك القضائي لا يمكن قياسه بالكلام، بل بالأفعال التي تنعكس تلقائياً على عمل القضاة، ويلمس نتائجها المواطنين من خلال معاملاتهم مع القضاة. فعندما يحكم القضاء النزاهة والاستقلال والحياد عندها نستطيع أن نبارك للقطاع القضائي بنجاحه في كسب ثقة المواطنين التي هي الهدف الأول والأخير من عمل القضاء.
اقرأ أيضاً: المجتمع المدني يدخل نقاش التشريع: أربع أولويات تنتظر التحول إلى قوانين









