مدرسة دمشقية ينقذها خريجوها.. المجتمع يمول ما عجزت عنه سنوات الحرب

الكاتب: أحمد علي
للمدرسة القديمة طريقة خاصة في استدعاء أصحابها، فلذكريات الأمس وقعها الدائم في النفس، فقد ينسى الخريج رقم المقعد، لكنه يتذكر وقع الخطوات في الممر ورائحة المختبر وصوت الجرس. وحين رأى خريجو ثانوية جودة الهاشمي بناءهم العتيق وقد أثقلته السنوات، لم يكتفوا بصورة وحنين. عاد أطباء ومهندسون، بعضهم من المغتربين، بأموالهم وخبراتهم كي تعود المدرسة إلى طلاب لم يولدوا عندما غادروها.
في 6 أيلول 2026 تفقد وزير التربية ومحافظ دمشق المدرسة بعد تأهيل شامل نُفذ بالتعاون مع خريجين قدامى ومنظمة «رحمة بلا حدود»، وتحت إشراف الوزارة. تأسست الثانوية عام 1929 باسم «التجهيز الأولى»، ولم تشهد وفق مديرها ترميماً شاملاً طوال 97 عاماً. النتيجة جميلة وملموسة. غير أن أهميتها لا تقف عند النوافذ الجديدة، بل عند السؤال الذي تفتحه حول مكان المجتمع في إعادة بناء تعليم أنهكته الحرب، وحدود هذا الدور حين تكون الحاجة أكبر من ذاكرة مدرسة واحدة.
تمويل ترميم المدارس في دمشق يبدأ من الذاكرة
ما حدث في جودة الهاشمي ليس تبرعاً عابراً من جهة بعيدة. الممول يعرف المكان، وبعض المشاركين يستطيع تقييم حاجاته بعين الخريج والمهندس معاً. هذه الصلة تختصر المسافة بين جمع المال ورؤية أثره، وتمنح المتبرع سبباً للاستمرار بعد قص الشريط. كما تعيد وصل سوريين في الخارج بمؤسسة عامة صنعت جزءاً من حياتهم، من دون أن تطلب منهم العودة الجسدية أولاً.
وتساعد الهوية الواضحة للمشروع على جمع مساهمات صغيرة وكبيرة حول هدف مفهوم. غرفة حاسوب أو شبكة كهرباء أو نافذة يمكن تصويرها وقياسها، بخلاف عبارات إعادة الإعمار الواسعة. لهذا تنجح المدرسة في تحويل الحنين إلى أصل عام. لكنها تنجح أيضاً لأن اسمها معروف وخريجيها كثر، وهي ميزة لا تتوافر لكل مدرسة.
ترميم كامل لا طلاء سريع
شملت الأعمال الشبكات الصحية والكهربائية والنوافذ والملاعب والحدائق والمساحات التعليمية، مع الحفاظ على الطابع الهندسي للبناء. تضم المدرسة 27 شعبة و17 غرفة بين الإدارة والمكتبة والمخبر والحاسوب والقاعات التفاعلية، وتتجاوز طاقتها ألف طالب. هذه التفاصيل مهمة لأنها تميز التأهيل الحقيقي من حملة تنظيف ودهان لا تعالج السلامة أو قدرة المكان على التعليم.
في مبنى تراثي تقريباً، يزداد ثقل الإشراف الهندسي. تحديث الكهرباء والوصول إلى الإنترنت أو تحسين الإتاحة لذوي الإعاقة يجب ألا يمحو هوية المكان أو يخلق خطراً جديداً. وجود الوزارة في الإشراف يوفر مرجعية، لكن التجربة ستكون أقوى إذا نُشرت كلفة البنود ومعايير الاستلام وخطة الصيانة. الشفافية تحفظ كرامة المتبرع وحق الطالب معاً.
المدرسة الواحدة أمام خريطة الضرر
بحسب يونيسف، تضررت أو دُمرت أكثر من سبعة آلاف مدرسة في سوريا، ويظل نحو مليوني طفل خارج التعليم. ويضع تقرير المنظمة عن عام 2025 عدد المدارس غير العاملة قرب ثمانية آلاف، مع 2.45 مليون طفل خارج المدرسة وأكثر من مليون آخرين على حافة التسرب. تختلف التقديرات باختلاف التعريف والتوقيت، لكنها تتفق على أن الفجوة وطنية وليست ترميماً مؤجلاً في حي واحد.
أعلنت وزارة التربية في تشرين الثاني 2025 إنجاز ترميم 823 مدرسة والعمل في مئات أخرى، كما أهلت يونيسف 78 مدرسة خلال العام نفسه. الأرقام تقول إن العمل العام والدولي يتحرك، لكنها تقول أيضاً إن الطريق طويل. جودة الهاشمي لا تثبت أن المجتمع يستطيع حمل الملف كله، بل تثبت أن بإمكانه تسريع جزء محدد عندما يجد قناة موثوقة وحاجة مصنفة وإشرافاً فنياً.
نجاح قد يصنع فجوة جديدة
للمدارس العريقة خريجون أصبحوا أطباء ورجال أعمال ومهندسين في بلدان عدة. أما مدرسة صغيرة في قرية نزح أهلها أو فقدت سجلات خريجيها، فقد لا تملك اسماً قادراً على جمع المال. إذا أصبح التمويل مرتبطاً بمن يملك شبكة أغنى، ستحصل المؤسسات الأقوى اجتماعياً على مختبرات أفضل، بينما تنتظر المناطق الأفقر سقفاً آمناً ومياهاً صالحة.
الحل ليس إطفاء حماسة الخريجين، بل إضافة عدالة إليها. يمكن لكل حملة أن تخصص جزءاً لصندوق تضامن، أو أن تقرن مدرسةً ذات شبكة واسعة بأخرى عالية الحاجة. وتستطيع الوزارة نشر خريطة أضرار مرتبة وفق السلامة والكثافة والتسرب، ثم تتيح للمانحين اختيار مشروع ضمن الأولويات. هكذا يبقى الوفاء شخصياً، بينما يصبح أثره أوسع من دائرة الذكريات.
المغترب لا يرسل المال فقط
يملك خريجو الخارج ما هو أبعد من التحويل المالي. يستطيع مهندس مراجعة المخطط، وطبيب المساعدة في معايير الصحة المدرسية، وخبير تقني تصميم شبكة أو تدريب فريق. ويمكن لشبكاتهم الوصول إلى جامعات ومؤسسات مانحة وموردين يقدمون سعراً أفضل. هذه المعرفة تخفض الهدر، شرط ألا تتحول النصيحة البعيدة إلى قرار يتجاهل المدير والمعلم والطالب الذين يعيشون المكان يومياً.
التعاون الأفضل يبدأ من قائمة احتياجات تكتب داخل المدرسة، ثم يراجعها مختصون وتُعتمد علناً. وقد تكون الأولوية حمامات صالحة وماءً وتدفئة قبل شاشة تفاعلية جذابة للصورة. إشراك مجلس من الأهالي والمعلمين والطلاب في الاختيار يجعل التبرع استجابةً لحياة المدرسة، لا نسخةً مما يتخيله خريج بعد ثلاثين عاماً من مغادرتها.
الدولة لا تغادر حين يدخل المجتمع
المبادرة المجتمعية تسد فجوة، لكنها لا تنقل حق التعليم إلى قائمة التبرعات. تبقى الدولة مسؤولة عن السلامة وتوزيع المعلمين والمنهاج والتجهيز الأساسي والصيانة الدورية. وإذا موّل الخريجون إعادة البناء ثم انقطعت الكهرباء أو تسرب السقف بعد شتاءين، يصبح الإنجاز ذكرى أخرى. لذلك يجب أن يسبق الاستلام التزام واضح بالموازنة التشغيلية ومن يتدخل عند العطل.
وفي المقابل، لا ينبغي أن تعني المسؤولية العامة إغلاق الباب أمام الناس. سنوات الحرب أضعفت الثقة بقدر ما أضعفت الأبنية. مشروع يرى أهله حسابه ونتيجته يستطيع إعادة بناء الثقة من الأسفل. العلاقة الصحية ليست انسحاب الحكومة ولا احتكارها، بل عقد يحدد من يدفع ومن ينفذ ومن يراقب ومن يصون.
كيف تتحول التجربة إلى نظام
يمكن بناء منصة وطنية بسيطة تعرض لكل مدرسة تقريراً هندسياً وكلفة تقديرية ومرحلة تنفيذ وصوراً قبل العمل وبعده، مع حساب مالي مستقل وتدقيق قابل للنشر. تُقبل المساهمات النقدية والعينية والخبرة، ولا يبدأ المشروع قبل اكتمال الترخيص وخطة الشراء. كما تسجل العقود أسماء الموردين وتعارض المصالح، لأن الثقة التي تجمع المال قد تضيع في فاتورة غامضة واحدة.
وتستطيع الدولة مضاعفة أثر المجتمع عبر تمويل مطابق. كل مبلغ تجمعه شبكة خريجين يقابله مبلغ عام وفق درجة الحاجة، مع حصة أعلى للمدارس التي لا تملك خريجين مقتدرين. وعند القياس لا يكفي عدد الأبنية المدهونة. المهم هو المقاعد التي عادت، وانخفاض الاكتظاظ والتسرب، وسلامة المرافق، وبقاء المدرسة عاملة بعد ثلاثة أعوام.
ختاماً، أنقذ خريجو جودة الهاشمي مكاناً يخصهم، لكنهم أعادوه إلى مجتمع كامل. في الصفوف الجديدة سيجلس طلاب لا يعرفون أسماء الممولين، وهذه هي أجمل صورة للعطاء العام. التجربة تثبت أن الاغتراب يمكن أن يصبح شبكة خبرة وانتماء، لا مجرد حوالة تصل إلى بيت واحد.
مع ذلك، لا يجوز أن يكون مستقبل المدرسة رهناً بشهرتها. القيمة الحقيقية للنموذج تبدأ عندما تنتقل منه قواعد شفافة وتمويل عادل وصيانة مستمرة إلى مدارس لا تملك ذاكرة إعلامية ولا خريجين أثرياء. عندها يصبح ما فعله المجتمع جسراً يعين الدولة على استعادة التعليم، لا استثناءً لامعاً وسط خريطة واسعة من الانتظار.
اقرأ أيضاً: اللغة الكردية تجد مكانها في المدارس السورية.. كيف ستبدأ التجربة؟









