رياضة

مدرجات غاضبة ودوري تائه.. كرة القدم السورية في مهب الفوضى

الشغب يلتهم الدوري السوري..من المسؤول؟

بقلم: ريم ريّا

لم تعد حالات الشغب في الدوري السوري لكرة القدم حالات طارئة، بل باتت ملازمة لانتهاء أي مباراة. ما حدث مؤخراً يوم أمس الاثنين في مباراة جبلة وتشرين في ملعب جبلة البلدي، وما شهدته المدرجات من هتافات تحمل طابع سياسي وما تلاه في شوارع المدينة من أعمال شغب، ليس حالة استثنائية، بل نموذج متكرر يعكس واقعاً مضطرباً يعيشه الدوري السوري، سواء من الجانب الفني الأدائي أو من حيث التنظيم وصولاً إلى العلاقة المتوترة بين الجماهير بين بعضها البعض من جهة والجماهير والمؤسسات الرياضية من جهة أخرى. فبين المدرجات الغاضبة والقرارات العاجزة، تظهر المسابقة وكأنها في حالة تيه تسير بلا بوصلة معينة. ليبقى السؤال من المسؤول؟ ومن يضبط الشارع الرياضي ويصوب مسار الدوري السوري؟

أسباب تفاقم الشغب في كرة القدم السورية

هناك عدة عوامل متداخلة في تفاقم حالات الشغب في الدوري السوري لكرة القدم. تبدأ من غياب التنظيم الصارم داخل المسابقة فما تغير بالدوري السوري بحلته الجديدة كان مجرد إجراء شكلي لم يلقى صدى تنظيمي في أوساط الدوري. إذ تعاني إدارة الدوري من قرارات متخبطة وقلة حزم ما أفقد البطولة هيبتها أولاً واستقرارها ثانياً.

هذا الاضطراب أول ما انعكس بشكل مباشر على الجماهير التي فقدت ثقتها بالمنافسة وعدالتها، وشهدت غياب المحاسبة الصارمة فأشعل البعض الفوضى على المدرجات وخارجها، وهو مطمئن بأنه سيفلت من العقاب. ناهيك عن ضعف البنية التحتية للملاعب في سوريا، فملعب جبلة البلدي الذي شهد أحداث الشغب الأخيرة يفتقر لوجود أرضيات صالحة للعب الكرة ناهيك عن باقي البنى التحتية المتهالكة في الملعب. فالجمهور الجبلاوي يطالب بالتحسينات منذ عقد من الزمن ولا أذن صاغية حتى الآن.

الأمر في الدوري السوري لا يقف عند البنية التحتية وحسب، بل يتعداها ليصل إلى سوء التنظيم وتقديم الخدمات وحفظ الأمن بشكل سليم، ففي المباراة الأخيرة كان عدد الجمهور أكثف من الحضور الأمني، رغم جهود الأمن المقدرة إلا أن هذه ثغرة مهمة يجب الانتباه لها عند كل مباراة. كل تلك العوامل تسهل اندلاع الاحتكاكات.

ناهيك عن العامل الاجتماعي، فقد باتت المدرجات مساحة عامة للتعبير عن الاحتقان العام، ما يفسر تصاعد الهتافات ذات الطابع السياسي والطائفي. في ظل هذه الظروف يتحول التشجيع من دعم للفريق إلى وسيلة تفريغ غضب ومرتع للمهاترات التي ربما تتسبب بأحداث تكون آثارها أبعد من المدرجات والشوارع المحيطة فيها. خروج المباريات في سوريا عن إطارها، مرده غياب الردع الحقيقي، فالمشهد يتكرر من جولة إلى أخرى، وكأنه جزء طبيعي من الدوري ولازمه له.

اقرأ أيضاً: كرة القدم آخر ما تبقى حياً فلماذا نقتلها!

الدوري السوري يشهد تراجعاً والعقوبات المالية لا تردع

يشهد الدوري السوري لكرة القدم تراجعاً في الأداء الفني للاعبيه، بالرغم من لجوء بعض الأندية إلى التعاقد مع لاعبين أجانب، لكن هذا الشيء لم ينعكس بشكل ملموس على جودة المنافسة. حقيقةً السبب لا يتعلق بجودة اللاعبين وقدراتهم، بل بغياب البيئة الاحترافية القادرة على استثمارهم وإطلاق مواهبهم.

الأندية السورية لكرة القدم، تعاني من ضعف في التخطيط وغياب لبرامج التطوير طويلة الأمد، إلى جانب المشاكل المالية التي تؤثر على الاستقرار الفني. فضلاً عن عدم انتظام التدريبات بسبب وضع الملاعب، ما يحد من تطور الأداء العام. فالدوري يفتقد للنسق الفني العالي، ما يحبط الجماهير من جهة ويدفعها لردود فعل سلبية بالتوازي مع الاحتقان العام. كل ذلك يفقد الفرق إيقاعها التنافسي.

ناهيك عن أن العقوبات المالية التي تفرض على الأندية أثبتت محدوديتها في التأثير، بل يمكن القول أنها فقدت قيمتها الرادعة بشكل شبه كامل. الأندية بالأصل تعاني من أزمات مالية، فكيف يمكن لها ضبط جماهيرها في حال تم فرض الغرامات عليها!

العلاقة بين الطرفين ليست قائمة على الانضباط المؤسسي أساساً. كما أن تحميل النادي مسؤولية تصرفات عشرات المشجعين دون وجود آلية لمحاسبة الأفراد يجعل العقوبة غير عادلة وغير فعالة في الوقت نفسه. الأخطر أن هذه العقوبات لا تمنع تكرار الشغب، بل تتحول إلى إجراء روتيني يتم تجاوزه بسهولة والاحتجاج عليه أيضاً. في غياب عقوبات فردية واضحة، مثل منع المشاغبين من دخول الملاعب أو ملاحقتهم قانونياً، يبقى الباب مفتوحاً أمام تكرار الفوضى، مهما ارتفعت قيمة الغرامات.

كيف نضبط الشارع الرياضي ونرتقي بالدوري السوري؟

قبل بناء منظومة رياضية كاملة والانتقال من ردود الفعل المؤقتة إلى التطبيق المستدام، لا يمكن لنا الحديث عن ضبط الشارع الرياضي السوري أو تهدئة إيقاعه. البداية تكون بتعزيز الأمن داحل الملعب عبر استقدام كوادر مدربة ومنظمة ومزودة بأجهزة حديثة، وعزل الاستعانة بالقوى الأمنية إلا للتأمين الخارجي للملاعب فقط، فمن غير المعقول أن تستنفر القوى الأمنية بالكامل في كل مدينة ستقام فيها مباراة، وأن تكون مجبره بإعادة الفريق الضيف إلى مدينته للحفاظ على حياة المشجعين وسلامتهم.

كما يجب تنظيم روابط المشجعين ومنحها دوراً رسمياً وترخيصاً قانونياً ووضع مدونة خاصة بسلوك هذه الروابط، والحيد عنها يستوجب المساءلة للمجموعة بأكملها، بحيث تصبح جزءاً من الحل بدل أن تكون مصدراً للمشكلة. كذلك يجب فصل السياسة عن الرياضة في هذه البلاد. ثقافة التشجيع في سوريا يجب أن تتغير، فالمباريات تقام للمنافسة والترفيه مهما كانت نتيجتها، فهي ليست ساحة للصراع والفوضى وتصفيه الحسابات السياسية.

كذلك، لا بد أيضاً من إشراك الأندية في مسؤولية ضبط جماهيرها، عبر ربط التراخيص والامتيازات بمدى التزامها بالمعايير التنظيمية. هذه الخطوات، إذا تم تطبيقها بشكل جدي، يمكن أن تعيد جزءاً من الانضباط المفقود منذ عقود في الرياضة السورية.

أما إذا أردنا جعل الدوري السوري أكثر احترافية على غرار الدوريات العربية، كدوري روشن السعودي على سبيل المثال، يجب الإنتقال من عقلية الحلول الإسعافية إلى الخطوات الحقيقية الثابتة نحو تحقيق الاستقرار الإداري، من خلال وضع روزنامة واضحة وثابتة للمباريات، فضلاً عن تحسين جودة الملاعب والبنية التحتية للرفع الأداء وجذب الجماهير.

كذلك، يجب توفير مصادر تمويل ثابتة للأندية الرياضية عبر التسويق والدعاية، ومراقبة آليات استثمارها باللاعبين فالدوري السوري عانى منذ عقود من الفساد الإداري والمال العام المهدور. فيجب أن تتحول الأندية السورية من كيانات تقليدية إلى مؤسسات رياضية حديثة، وأن تستقي من التجارب الناجحة في الدوريات العربية.

ختاماً، في حال لم يتم التحسين والردع الصارم سيبقى الدوري السوري عالقاً بين شغف جماهيري كبير وفوضى تنظيمية تعيق تطوره. ما لم يتم التعامل مع جذور الأزمة، سيبقى الشغب رفيقاً للمباريات، وسيستمر تراجع المستوى الفني وتدهور حال الدوري فنياً وجماهيرياً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى