عامٌ دراسي يبدأ بين جدران الإيواء والخطط البديلة!

الكاتب: أحمد علي
أبواب المدارس السورية تفتح هذا الخريف على مشهدٍ غير اعتيادي: حقائب مدرسية تتقاسم الممرات مع فرشٍ إسفنجية وأوعية للطهو، وصفوفٌ استحالت غرفاً للنوم. في مدن الجنوب والشمال والبادية، تبدو المدرسة أكثر من مبنى للتعلّم؛ إنها عنوان النجاة الأول لعائلات نزحت على عجل، ومفصلٌ حساس في معادلة لا تريد أن تُقصي الأطفال عن مقاعد الدراسة ولا أن تترك العائلات بلا سقف. بين ضغط السنة الدراسية واحتياجات الإيواء الطارئة، تجتهد السلطات المحلية ووكالات الأمم المتحدة وشركاؤها في رسم مساراتٍ انتقالية تحفظ حق التعلّم وكرامة السكن، وسط وضعٍ إنساني شديد التعقيد وحراك سكاني متبدّل منذ أواخر العام الماضي.
كيف تعمل «مدارس تستضيف نازحين في سوريا» كجسرٍ مؤقت للتعليم؟
تؤكد تحديثات إنسانية أنّ مدارس عديدة لا تزال تقدّم مأوى مؤقتاً للنازحين في سوريا، وخصوصاً في الجنوب حيث بقيت عشرات المدارس في درعا مستخدمة كمراكز إيواء، مع تحذير من «إخلاءات وشيكة» مع بدء الدوام الرسمي في أيلول. هذا الضغط لا يقتصر على الغرف الصفّية، بل يشمل الساحات والمرافق الصحية والبنية التحتية التي أُنهكت أصلاً بفعل سنوات من الصراع ووقائع الكوارث الطبيعية.
وتوضح لقطات المشهد الميداني في محافظة السويداء أنّ الأولوية العاجلة تتمثل في إيجاد بدائل سكنية لآلاف العائلات قبل قرع جرس الحصة الأولى، حتى لا يدفع التلاميذ ثمناً مضاعفاً بين فقدان المنزل وتعطّل المدرسة.
على المستوى الوطني، تعكس صورة العودة إلى التعلم تناقضين متلازمين: مدارس تحتاج إلى ترميم سريع لتكون آمنة، وأُسرٌ لا تملك خياراً سوى البقاء في تلك المدارس نفسها ريثما تتوفر حلول سكنية أكثر استدامة. ومبادرات «العودة إلى التعلم» التي تقودها اليونيسف وشركاؤها تركز على إعادة فتح الصفوف وتجهيزها وتقديم الدعم النفسي الاجتماعي للأطفال، مع إبقاء عينٍ يقظة على الأطفال الأكثر عرضة للتسرّب، ومن بينهم أبناء العائلات المقيمة داخل المدارس.
دوام «فترتين» ونقلٌ مؤقت: علبة أدوات سريعة لتقليل الفاقد
حين يتعذّر إخلاء مدرسة بالكامل، يظهر خيار «الدوام على فترتين» كحلٍّ براغماتي لتشارك المكان والوقت: فترة صباحية مخصصة للتلاميذ، وأخرى مسائية لبرامج التعليم البديلة أو دروس التعويض، مع تنظيم حركة الأسر التي تقيم داخل المبنى خلال ساعات الدوام.
في مناطق أخرى، يُنقل التلاميذ إلى مدارس مجاورة أقل اكتظاظاً أو إلى مساحات تعلّم مؤقتة تُقام في نوادٍ شبابية أو مبانٍ عامة، وهي مقاربة تشجّع عليها الخطط القطاعية للتعليم لضمان عدم استخدام المدارس كمراكز إيواء على المدى الطويل. وهذه المقاربة ليست رفاهية تنظيمية؛ بل شرطٌ لإنقاذ عامٍ دراسي كامل من الانهيار، مع توفير النقل والتغذية المدرسية ومواد التعلّم الأساسية كي لا يتحول الحل المؤقت إلى عائق جديد.
بين واجب الحماية وحق التعلّم: كلفة القرار على الطفل والأسرة
تجربة السنوات الماضية، بما فيها تحويل مدارس عديدة إلى ملاجئ عقب الزلازل في الشمال، تُظهر أن الأطفال يدفعون سريعاً ثمن التحوّل القسري في وظيفة المدرسة: توتّر، تشتت، وتأخر تعليمي يتفاقم مع كل أسبوع تعطيل إضافي. لذلك تتقدّم برامج الدعم النفسي الاجتماعي إلى الواجهة، جنباً إلى جنب مع خطط التعويض الأكاديمي والدروس المسرّعة.
وتُعدّ مبادرات اليونيسف لتأهيل المدارس التالفة وتدريب المعلّمين على أساليب التعلّم التشاركي رافعة أساسية لتخفيف العنف المدرسي واحتواء الصدمات التي يحملها التلاميذ معهم من التجربة القاسية للإيواء. وإعادة فتح مدارس ريف حلب بعد تأهيلها مثالٌ واضح على كيف يغيّر التدخل السريع مسار القصة من «ملجأ مؤقت» إلى «بيئة تعلّم آمنة».
ضغطٌ مضاعف جنوباً… والأمم المتحدة تبحث عن مفاتيح بديلة
في السويداء تحديداً، تُجمع تقارير ميدانية وتصريحات أممية على ضرورة نقل العائلات من مدارس الإيواء إلى مبانٍ عامة بديلة أو إلى ترتيبات سكنية مدعومة بالإيجار، بدل العودة إلى منطق المخيمات.
وهذا التوجّه يوازن بين سرعة توفير السكن وبين تقليل أثر الحل على استمرارية التعليم، إذ يسمح بإعادة المدارس إلى وظيفتها الأصلية بوتيرة أسرع، ويمنح التلاميذ إحساساً بالاستقرار الضروري للنجاح الدراسي. وتشير تقديرات أممية حديثة إلى أنّ أعداداً كبيرة من الأسر نزحت إثر الأحداث الأخيرة في الحافظة، ما يرفع حجم التحدّي أمام افتتاحٍ منتظم للعام الدراسي ويجعل من أي تأخير في البدائل السكنية سبباً مباشراً لإطالة تعطّل التعليم.
خارطة متحركة للسكان… وحاجة إلى تمويل مرن
تغيّر أنماط النزوح والعودة منذ أواخر 2024 خلق واقعاً جديداً في المحافظات، حيث تتقاطع عودة عائلات مع نزوح أخرى عبر الحدود أو داخل البلاد. وترصد التحديثات الإقليمية الأخيرة للمفوضية السامية لشؤون اللاجئين حركة رجوعٍ واسعة النطاق بالتوازي مع موجات نزوح داخلي مستمرة، ما يفرض على المخططين التعليميين مرونة أكبر في توزيع الموارد وفتح الصفوف حيث تتجمّع الأسر، لا حيث توجد المدارس على الورق.
هذه الدينامية تجعل القرار التربوي مشدوداً إلى مؤشرٍ إنساني يتبدّل أسبوعاً بعد أسبوع، وتدفع نحو تصميم خطط تمويل قابلة لإعادة التوجيه سريعاً بين التأهيل المدرسي وبرامج التعليم غير النظامي والدعم النفسي.
وفي الوقت ذاته، تؤكد تحديثات مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية أنّ الضغط لا يأتي من الجنوب وحده؛ فامتداد التوترات الإقليمية خلال العام الماضي أدّى إلى تدفقات بشرية نحو الداخل السوري، ما يضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى معادلة الموارد، ويجعل أي خطة لفتح المدارس رهينة بتوافر دعمٍ إنساني كافٍ وتنسيقٍ لوجستي بين المحافظات.
ما الذي يعنيه «النجاح» هذا الخريف؟
النجاح لا يقاس فقط بعدد المدارس التي تُفتح في موعدها، بل بقدرة المنظومة على حماية أربعة حقوق في آن: سكنٌ كريم للأسر التي لا تجد ملجأ، وصولٌ آمن ومنصف إلى التعليم للأطفال النازحين والمضيفين معاً، دعمٌ نفسي اجتماعي يرمّم ثقة التلاميذ بأنفسهم، وتمويلٌ مستقر لا يتبخر بعد الصور الأولى للافتتاح.
لتحقيق ذلك، تبدو المدارس التي تستضيف نازحين في سوريا مشروعاً انتقالياً ينبغي أن ينتهي سريعاً؛ فالمدرسة لا تحتمل أن تكون ملجأً دائماً. والحلول الواقعية تبدأ بإخلاءات منظمة إلى مبانٍ عامة أو إيجارات مدعومة، يتلوها دوامٌ على فترتين حيث يلزم، ونقلٌ مؤقت مدروس، ومساحات تعلم بديلة مؤهلة، مع تتبّع دقيق للفجوات التعليمية كي لا يضيع العام على من فاتهم قطار الأسابيع الأولى.
وبينما تتوالى تقارير الإيواء والتعليم والصحة عبر منصات إنسانية متخصصة، يبقى المعيار الأهم هو أن يسمع الطفل رنين الجرس لا صفارة الإنذار، وأن تعود السبورة لتكون صفحة اليوميات الأولى في حياةٍ تتعافى.
اقرأ أيضاً: الإبداع البشري..كيف تسرق المدارس مواهب أطفالنا!









