سياسة

مخيم الزربة.. ماذا عن وعد «صفر مخيمات» والعدالة الانتقالية؟

الكاتب: أحمد علي

مشهدُ الماء وهو يتسلل إلى خيمة لا يحتاج إلى شرح طويل.. يكفي أن ترى فراشاً مبللاً وطفلاً أو رجلاً يبحث عن زاوية للنجاة لتفهم أن النزوح ليس رقماً بل حكاية مريرة أشد المرارة. خلال الأيام القليلة الماضية أعادت فيضانات الشتاء النقاش حول المخيمات في شمال سوريا إلى الواجهة، ومعه عاد اسم مخيم الزربة إلى التداول، ليس بوصفه مكاناً واحداً معزولاً، بل بوصفه علامة على هشاشة نموذج كامل يقوم على حلول مؤقتة طال بقاؤها.

في هذا المناخ ظهر رأي للدكتورة رشا سيروب تناول المسألة من زاوية اقتصادية، واعتبر أن العدالة الانتقالية لا تكتمل إذا بقيت بعيدة عن الخبز والسكن. ومع اقتراب موعد حكومي معلن لإغلاق ملف المخيمات بنهاية 2026، يصبح السؤال أكثر إلحاحاً. ما الذي يعنيه وعد كبير مثل وعد «صفر مخيمات» عندما تصطدم الخيمة بأول منخفض جوي، وعندما تصبح العودة قراراً مالياً وقانونياً واجتماعياً في آن واحد؟!.

 وعد صفر مخيمات والواقع

في مطلع كانون الثاني 2026 ربطت تصريحات رسمية هذا الملف بهدف الوصول إلى سورية بلا مخيمات قبل نهاية العام، وجرى الحديث عن تنسيق بين وزارات ومحافظات وعن حاجة إلى تمويل سكني وخدمي عبر شراكات مع جهات إقليمية ودولية.

في المقابل يتضح من التغطيات الميدانية أن المخيمات تُختبر في العاصفة لا في البيانات، فقد وثّق تقرير صحفي فيضانات في مخيمات شمال إدلب أجبرت عائلات على الفرار ليلاً بعد أن غمرت المياه الخيام ومحتوياتها، مع شكاوى من تراجع الدعم ورداءة العوازل وضعف تصريف المياه.

هذه الوقائع تجعل وعد «صفر مخيمات» أكثر من عنوان سياسي، هو وعد مرتبط بإدارة مخاطر، وبخطة انتقال من الإغاثة الطارئة إلى حلول سكنية قابلة للاستمرار. فالإغلاق الحقيقي يعني أن الأسرة تستطيع مغادرة المخيم إلى مكان تختاره طوعاً، وأن تجد مدرسة وعيادة وخدمة مياه وكهرباء بالحد الأدنى، وأن تعرف أين تقف قانونياً إذا كانت تملك منزلاً متضرراً أو أرضاً متنازعاً عليها. ومن دون ذلك يتحول وعد صفر مخيمات إلى كلام في الهواء.

مخيم الزربة مرآة للأزمة

الزربة تقع في ريف حلب الجنوبي، وظهرت كمحطة نزوح منذ سنوات، وتحدثت تقارير محلية قديمة عن نقص الخدمات وضعف الاستجابة الإنسانية فيها. وعلى الرغم من أن الأوضاع تتفاوت بين مخيم وآخر، فإن القاسم المشترك يبقى واحداً. الخيمة لا تحمي من برد قاس ولا من سيول، وأي خلل صغير في طريق أو مجرى مياه يتحول إلى أزمة داخل مساحة ضيقة يسكنها آلاف.

ما يميز الزربة في النقاش الحالي أنه يضع الإصبع على منطقة رمادية بين الريف والمدينة. كثير من الأسر النازحة لا تعيش في مخيمات مصنفة رسمياً فقط، بل في مراكز إيواء أو تجمعات غير مخدّمة، ما يجعل قياس التقدم نحو وعد صفر مخيمات أصعب. كذلك فإن العودة ليست قراراً عاطفياً فقط. الأسرة تفكر في كلفة الترميم، وفي سعر الإيجار، وفي قدرة رب الأسرة على العمل، وفي إمكانية الوصول إلى أوراق ثبوتية، وفي سلامة الطريق. لذلك فإن التعامل مع المخيمات كملف سكن فقط يفوّت نصف المشكلة.

العدالة الانتقالية وحق السكن

تُطرح العدالة الانتقالية عادة بوصفها مساراً لمواجهة إرث الانتهاكات عبر المحاسبة وكشف الحقيقة وإصلاح المؤسسات وجبر الضرر. وجبر الضرر تحديداً لا يقتصر على المال، بل يشمل الإيواء والرعاية الصحية والتعليم وإعادة التأهيل وضمانات عدم التكرار. وحين نضع المخيمات داخل هذا الإطار، يتغير السؤال. لا يعود النقاش عن خيمة أو بيت فقط، بل عن حق الضحية في شروط حياة تعيد شيئاً من الكرامة والاستقرار.

من هنا جاءت أطروحة رشا سيروب التي وصفت ما يحدث في مخيم الزربة بأنه فشل سياسي واجتماعي يحتاج إعادة تعريف للعدالة الانتقالية من منظور اقتصادي. ما يلفت في طرحها أنه يرفض الفصل بين العدالة والخدمات، ويرى أن العدالة التي لا تُلمس في السكن والمعيشة تظل منقوصة. وهذا الطرح لا يعني أن المسار القضائي أو كشف الحقيقة أقل أهمية، بل يعني أن العدالة الانتقالية تصبح أكثر قابلية للصمود عندما تُترجم إلى سياسات عامة تمس الفئات الأشد هشاشة، وفي مقدمتها الأسر التي قضت سنوات طويلة بين نزوح ونزوح.

اقتصاد العدالة ومخاطر التنفيذ

تقترح سيروب مثالاً رقمياً يقوم على تحويلات نقدية شهرية للأسر النازحة لمدة عام، مع قروض بلا فوائد لمن يملك منزلاً متضرراً جزئياً لتشجيع الترميم والعودة الطوعية. وهي تؤكد أن الأرقام تقريبية ومقصودها فتح النقاش حول أدوات جبر الضرر الاقتصادي. وجوهر الفكرة أن وعد صفر مخيمات يحتاج تمكيناً مادياً سريعاً، لا انتظار مشاريع إسكان بطيئة وحدها.

لكن أي خيار مالي واسع يواجه أسئلة مشروعة، فكيف تُحدد الأسر المستحقة في واقع تتداخل فيه المخيمات والتجمعات غير الرسمية، وكيف يُمنع التلاعب، وكيف لا تتحول السيولة إلى ضغط تضخمي في أسواق فقيرة، وكيف تُضمن العدالة بين نازح في مخيم ونازح داخل مدينة. لذلك تميل كثير من التجارب الإنسانية إلى مزج أدوات متعددة، مثل منح نقدية محددة الزمن، وبرامج نقد مقابل عمل لإصلاح بنى صغيرة كتصريف المياه، ومنح ترميم مرتبطة بمعايير فنية، ودعم قانوني للوثائق والملكية. وفي هذه الحالة يصبح وعد صفر مخيمات مساراً عملياً لا قراراً إدارياً.

التمويل نفسه يحتاج وضوحاً، وكانت قد تحدثت تصريحات رسمية عن دور شراكات إقليمية ودولية لتخفيف العبء عن الخزينة. وفي الخلفية تذكّر تقارير أممية بأن سوريا ما زالت تواجه نزوحاً واسعاً، وأن تقديرات 2024 تحدثت عن 7.2 ملايين نازح داخلياً وعن احتياجات إنسانية كبيرة. لذلك، فإن أي خطة لتحقيق وعد صفر مخيمات ستصطدم بهذه الأرقام ما لم تُبْنَ على شفافية ورقابة ومعايير معلنة، وعلى تعريف واضح لما يعنيه الإغلاق، وعلى ضمان أن العودة طوعية وآمنة.

في النهاية، مخيم الزربة ليس مجرد عنوان في موسم المطر. هو مرآة لسؤال أكبر عن العقد الاجتماعي في مرحلة انتقالية، وعن قدرة السياسات العامة على تحويل العدالة من خطاب إلى حياة. وإذا كان وعد صفر مخيمات يملك قيمة رمزية، فإن قيمته الحقيقية ستظهر حين يشعر الناس أن العدالة الانتقالية تبدأ من الباب الذي يغلق على بيت آمن.

اقرأ أيضاً: كيف يمكن محاربة الفقر جديّاً في سوريا؟!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى