سياسة

مخيم الأزرق في الأردن: ماذا تكشف التقارير الصحية عن الجيل السوري الذي طال انتظاره؟

الكاتب: أحمد علي

كبر أطفال سوريون وهم يظنون أن المخيم شكل طبيعي من أشكال الحياة. ولد بعضهم بعد افتتاح مخيم الأزرق عام 2014، وتعلموا المشي بين العيادة والمدرسة والكرفان، لا بين البيت والشارع والحي. وما نتكلم عنه هنا ليس صورة عاطفية أو وجدانية للحياة، إنها واقعة اجتماعية تحتاج إلى قراءة هادئة…

لا تتحدث التقارير الصحية الصادرة عن مخيم الأزرق في 2025 وبداية 2026 عن مرضى فقط، بل تتحدث عن جيل تأخر عليه كل شيء، العودة، المدرسة الطبيعية، العيادة المستقرة، والخروج من صفة اللاجئ. لذلك يصبح السؤال أبعد من الخدمات. ماذا تكشف صحة الأطفال والمراهقين والأسر عن جيل سوري انتظر طويلاً حتى صار الانتظار جزءاً من تكوينه؟

مخيم الأزرق والرقم الذي لا يكفي

يستضيف مخيم الأزرق في الأردن نحو 38 ألف لاجئ سوري وفق أحدث نشرات المفوضية المتاحة لعام 2025، وهو مخيم افتتح في 2014 ويمتد على مساحة تقارب 14.7 كيلومتراً مربعاً. قد يبدو الرقم ثابتاً في نشرات المنظمات، لكنه يخفي حقيقة أخرى. هؤلاء ليسوا كتلة واحدة. هناك أطفال صاروا مراهقين، ومراهقون صاروا شباباً، وأسر لم تعد تتعامل مع المخيم كحالة طوارئ قصيرة.

التقرير الخاص بمسح الوصول إلى الصحة واستخدام الخدمات في 2025 شمل 701 أسرة داخل مخيم الأزرق. وأظهرت البيانات أن 66 في المئة من أرباب الأسر كانوا من الذكور، وأن قسماً كبيراً منهم في أعمار العمل والمسؤولية العائلية. الرقم مهم لأنه ينقلنا من خطاب الإغاثة العام إلى بنية الأسرة نفسها. من يدير البيت؟ من يتابع العلاج؟ من يقرر الذهاب إلى العيادة؟ ومن يدفع كلفة الانتظار حين تتعطل الخدمة أو تتأخر الإحالة؟

الصحة في المخيم لا تُقاس فقط بوجود عيادة أو مستشفى. تُقاس بقدرة الأسرة على الوصول، وباستمرارية العلاج، وبأثر المرض المزمن على الفقر والتعليم والعمل. منظمة الصحة العالمية وضعت الأمراض غير السارية والصحة النفسية والتهابات الجهاز التنفسي وصحة الأم والطفل والإصابات بين التهديدات الصحية الرئيسية في الأردن عام 2025، مع إشارة واضحة إلى هشاشة أوضاع اللاجئين في المخيمات. هذا يعني أن المشكلة ليست مرضاً عابراً، بل مزيج طويل من ضيق المكان، وضعف الدخل، واستمرار اللايقين.

صحة الطفل تقول أكثر من السياسة

تبدو أرقام اليونيسف أكثر مباشرة. في 2025 أجرت المنظمة 28,799 فحصاً تغذوياً، شملت 24,558 طفلاً بين 6 و59 شهراً و4,241 امرأة حاملاً ومرضعة. بين هؤلاء سُجلت 17 حالة سوء تغذية حاد شديد و120 حالة سوء تغذية حاد متوسط، وجميعها تلقت العلاج. هذه الأرقام لا تقول إن الأزرق يعيش كارثة تغذوية شاملة، ولا يجوز استخدامها بهذا المعنى. لكنها تقول شيئاً آخر. بعد أكثر من عقد على النزوح، لا تزال تغذية الطفل تحتاج إلى مراقبة دقيقة كي لا تسقط الأسر الضعيفة من النظام.

قدمت اليونيسف أيضاً 7,742 جلسة إرشاد لمقدمي الرعاية حول تغذية الرضع وصغار الأطفال، ودعمت عبر جناح الأطفال في مخيم الأزرق 19,670 طفلاً بخدمات استشفاء واستشارات في المستشفيات والعيادات. كما فُحص 17,721 طفلاً في سن المدرسة، وقُدمت 2,678 أداة مساعدة، بينها 1,965 نظارة و272 سماعة و441 وسيلة مساعدة على الحركة. هنا يصبح التقرير الصحي أقرب إلى خريطة لجسد الجيل. النظر، السمع، الحركة، التغذية، والرعاية النفسية ليست تفاصيل ثانوية في حياة طفل ينتظر العودة أو الاستقرار.

المدرسة تدخل في هذه الدائرة أيضاً. لا يستطيع الطفل أن يتعلم جيداً إذا كان لا يرى اللوح، أو لا يسمع المعلم، أو يحمل ألماً مزمناً لا يعالَج. ولا يستطيع المراهق أن يبني خياله للمستقبل إذا كان جسده وعائلته معلّقين على إحالة طبية أو بطاقة خدمة. لذلك تكشف التقارير الصحية شيئاً لا تقوله بيانات السياسة دائماً. الجيل السوري في المخيمات لا ينتظر قرار العودة فقط. ينتظر تعويض سنوات تشكلت فيها الشخصية تحت ضغط المرض والفقر والانقطاع.

العودة ليست كلمة طبية

بعد التغيرات السياسية في سورية نهاية 2024، عاد ملف العودة إلى الواجهة. تحدثت تقارير المفوضية عن عودة عشرات آلاف اللاجئين المسجلين من الأردن إلى سورية خلال 2025، مع تأكيد أن القرار يجب أن يبقى طوعياً وآمناً وكريماً. لكن الصحة تضيف شرطاً آخر لا يظهر دائماً في النقاش السياسي. العودة تحتاج إلى استمرار العلاج، وسجلات تلقيح، ومتابعة تغذية، وخدمات أمومة وطفولة، ومدارس قادرة على استقبال أطفال يحملون فجوات تعليمية وصحية معاً.

تذكر اليونيسف أن اجتماعاً عُقد بين مكتبيها في الأردن وسورية لمناقشة آليات إحالة منسجمة، بما في ذلك تبادل معلومات مثل بطاقات اللقاح والوضع التغذوي للأطفال، لدعم استمرارية الرعاية. هذه تفصيلة صغيرة، لكنها جوهرية. الطفل لا يعود إلى بلد فقط. يعود ومعه ملف صحي وتعليمي ونفسي. إذا انقطع هذا الملف عند الحدود، تتحول العودة من حل إلى بداية مشكلة جديدة.

لا ينبغي تحميل مخيم الأزرق أكثر مما يحتمل. المخيم وفّر خدمات أساسية في ظروف صعبة، والأردن تحمل عبئاً كبيراً طوال سنوات. لكن استمرار المخيم طويلاً صنع واقعاً اجتماعياً لا يمكن تجاهله. هناك جيل سوري لم يعرف سورية إلا عبر ذاكرة أهله، ولم يعرف الأردن إلا عبر وضع قانوني وإنساني مؤقت. التقارير الصحية تقول إن هذا الجيل لم يعد ملف إغاثة، بل ملف مستقبل.

الخلاصة ليست أن المخيم فشل، وليست أن العودة جاهزة. الخلاصة أن الانتظار نفسه صار مرضاً اجتماعياً بطيئاً. وكل نقاش عن السوريين في الأردن، أو عن العودة إلى سورية، يجب أن يبدأ من هذا الجيل لا من الجغرافيا فقط. فالأطفال الذين كبروا في الأزرق لا يحتاجون باباً للخروج من المخيم فحسب. يحتاجون بلداً يستطيع أن يرى ما تركه المخيم في أجسادهم وحياتهم.

اقرأ أيضاً: بعد 9 سنوات من النزوح.. مخيم العريشة يطوي صفحته الأخيرة في الحسكة

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى