أعمال واستثمار

مختبر حلول الصناعة الوطنية يرسم خريطة إنعاش سوريا.. ماذا تضمنت؟!

الكاتب: أحمد علي

تُقاس قدرة الاقتصادات على الوقوف أمام الصدمات بمدى انتظام المصانع في العمل، وبمقدار ما تحوله من جهد يومي إلى سلع تنافس في السوق وتصل إلى الخارج. من هذا المدخل جاءت وثيقة توصيات ملتقى مختبر حلول الصناعة الوطنية الذي عُقد في 6 كانون الثاني 2026، وقدمت تشخيصاً لمجموعة اختناقات تنفيذية تتقاطع عند الصناعة السورية، ثم اقترحت مسارات استجابة لا تُبنى على فكرة حل واحد، بل على ترتيب أولويات قابلة للمتابعة. 

مختبر حلول الصناعة الوطنية ينطلق

تصف الوثيقة الصناعة الوطنية بأنها تعاني اختناقات متداخلة تشمل الإجراءات والتنظيم، والطاقة والبنية التحتية، والتمويل والسيولة، واللوجستيات والجمارك، والمهارات، وهو ما انعكس بحسب التقرير في انخفاض كفاءة الإنتاج وارتفاع الكلف وتراجع القدرة التنافسية وتقلص الصادرات وانكماش الاستثمار.  وتضيف الوثيقة أن حماية المنتج الوطني ودعم الصادرات لا ينبغي أن يُعاملا كأدوات منفصلة، بل كمنظومة حوكمة تجمع التشريعات والتسهيل التجاري وأدوات التمويل والحوافز وبناء القدرات والابتكار.

ومن المهم هنا أن التقرير لا يتعامل مع الصناعة بوصفها كتلة واحدة، بل كشبكة ترتبط بالزراعة والتجارة والخدمات والعملة. لذلك يربط بين تحسين البيئة التشغيلية للمصانع وبين نتائج تظهر للمواطن في الأسعار وفرص العمل واستقرار الدخل.

حوكمة تحرر قرار الصناعة

الاستنتاج المركزي في توصيات مختبر حلول الصناعة الوطنية هو أن الاختناق التنفيذي لا يُفك بقرار عابر، بل بمنظومة متابعة واتساق بين الجهات. لذلك تقترح الوثيقة تشكيل مجلس أعلى للصناعة يضم ممثلين عن الحكومة والجهات ذات العلاقة وغرف الصناعة وقطاع الأعمال، ويُناط به إقرار السياسات والبرامج الداعمة للصناعة ومتابعة تنفيذها عبر فريق فني. وتربط الوثيقة هذا التوجه بفكرة أن كثيراً من الدول لم تحتج موارد إضافية كي تنمو، بل احتاجت إرادة وإدارة وتصميماً في رسم السياسات.

وتتسق هذه الفكرة مع توصية تؤكد ضرورة عدم إصدار قرارات أو تشريعات تتعلق بالصناعة دون مشاورة غرف الصناعة، بما يجعل التشريع جزءاً من واقع السوق لا عبئاً عليه. ولتقليل فجوة الوقت بين ظهور المشكلة وحلها، تطرح الوثيقة إنشاء مركز لتحديث الصناعة وبرامج للإدارة وتنمية الموارد البشرية والاستفادة من منح المنظمات الدولية، إضافة إلى مكتب تدخل سريع لمعالجة القضايا المستعجلة ذات الضرورة القصوى.

ولكي لا تبقى السياسات رهينة التقديرات، تدعو الوثيقة إلى تطوير الإحصاءات الصناعية وقياس موقع الصناعة، مع نشر مؤشرات للإنتاجية والتنافسية وتوفير بيانات دورية تدعم القرار والاستثمار.

طاقة وبنية تحتية فعالة

تُعامل التوصيات الطاقة كبند تنافسي لا خدمي، وتدعو إلى تأمين حوامل الطاقة بسعر تنافسي مع الدول المجاورة وعدم تحميل القطاع الصناعي كلفاً خارج الكلفة التشغيلية.  وفي البنية التحتية، تشير الوثيقة إلى إعادة تأهيل التجمعات والمدن الصناعية، وإدراج التجمعات القائمة ضمن المخططات التنظيمية، وفتح المجال أمام القطاع الخاص والمشترك لتشييد مناطق صناعية، إلى جانب تفعيل المرافئ الجافة باعتبارها حلقة تخدم نقل السلع والخدمات المرتبطة بالمنافذ.

ويرتبط هذا المحور بتشخيص نقاط الضعف الذي يتحدث عن ضعف البنية التحتية الأساسية وغياب المدن الصناعية في بعض المحافظات والمناطق، وما يرافق ذلك من غياب بيئة أعمال محفزة بالقدر الكافي.

تمويل وتجارة تخفف الكلف

في التمويل، تعكس الوثيقة قناعة بأن تشغيل الآلات يتطلب سيولة قبل أي شيء. لذلك تتحدث عن ضرورة تشجيع إطلاق السيولة وتيسير آليات تمويل مخصصة للمواد الأولية والآلات، وعن إجراءات لتعزيز الثقة بالمصارف وإعادة النظر في تعليمات قد تحد من نشاطها، مع تفعيل أدوات مثل التمويل التأجيري وتوسيع المحفظة التمويلية بما يراعي التضخم. وتبدو هذه التوصيات متصلة بما ورد في تحليل نقاط الضعف حول نقص التمويل الكافي للقطاع التحويلي.

أما في التجارة وسلاسل الإمداد، فتدعو الوثيقة إلى تبسيط إجراءات التخليص الجمركي وتمكين المنافذ الحدودية من تخليص المواد الأولية ومستلزمات الإنتاج بسرعة، بما يخفف زمن الانتظار والكلف غير المباشرة. وتطرح كذلك إعادة هيكلة التعرفة الجمركية وفق أسس ومعايير عالمية تراعي وضع الصناعة والسوق المحلي، بهدف تحقيق توازن بين المنتج الوطني والمستورد دون انعكاس سلبي على المستهلك.

وفي زاوية النفاذ إلى الأسواق، تقترح الوثيقة العمل على اتفاقيات تجارية ثنائية مع دول صديقة، وإزالة معوقات انتقال المنتجات الوطنية إلى الدول العربية، وتطوير دور الملحقين التجاريين ليصبحوا مصدراً للمعلومات التي يحتاجها الصناعيون عن أسواق الاستضافة. كما تطرح إجراءات تتصل بتعزيز التسويق للمنتج المحلي ومنح أفضلية للمنتجات الوطنية في المشتريات الحكومية، في إطار يهدف إلى توجيه الطلب المحلي نحو الإنتاج الوطني.

مهارات وابتكار يرفعان الإنتاج

يعطي مختبر حلول الصناعة الوطنية وزناً لموضوع المهارات بوصفه شرطاً للإنتاجية. فتوصي الوثيقة باستراتيجية طويلة الأمد لتنمية الموارد البشرية، وبمسح فجوات المهارات وتحديد احتياجات سوق العمل، وبتهيئة الكليات والمعاهد التقنية ومراكز التدريب لتكون أكثر تجاوباً مع احتياجات قطاع الصناعة. ويأتي ذلك منسجماً مع تشخيص يشير إلى تدني المستوى التعليمي للعاملين في الصناعة التحويلية وما يرافقه من انخفاض إنتاجية العامل.

وفي البحث والتطوير، تقترح الوثيقة إنشاء مراكز بحث صناعية قطاعية بإدارة مشتركة للقطاعين العام والخاص، مع ربط نقل التكنولوجيا بسياسات التعليم والبحث العلمي، وتشجيع تمويل المشاريع المجددة ولا سيما الصغرى، وفتح الباب أمام رأس المال المخاطر للاستثمار في التجديد وتصنيع الاختراعات. وتدعو أيضاً إلى ترسيخ التعاون بين جهات البحث والقطاع الصناعي وربط مخرجات البحث باحتياجات السوق والابتكار، بما يضيف بعداً طويل الأجل لأي خطة تعافٍ.

تستند هذه المقاربة إلى قراءة مزدوجة للواقع. فهي تعترف بوجود نقاط قوة مثل توافر موارد طبيعية محلية متنوعة يمكن أن ترفد الصناعة بمواد أولية لبعض القطاعات، وبوجود طاقة كامنة لصناعات ذات كثافة علمية وتكنولوجية متوسطة قد تساعد على رفع القيمة المضافة.

وفي المقابل، تذكر نقاط ضعف تتعلق بانخفاض مساهمة الصناعة التحويلية، وضعف التكامل الأمامي والخلفي، وانخفاض المستوى التكنولوجي المستخدم، إلى جانب ضعف البنية والمهارات ونقص التمويل.

خلاصة الوثيقة أن الطريق الأقصر ليس وعداً سريعاً، بل برنامج زمني قصير ومتوسط الأجل موزع على محاور، يحتاج فرق عمل فنية لمتابعة التنفيذ وتقديم تقارير دورية عن مسار العمل.  وبين التشخيص والحلول المقترحة، تتكرر رسالة مختبر حلول الصناعة الوطنية بأن الصناعة ليست ملفاً تقنياً معزولاً، بل عقدة تربط الإنتاج بالمعيشة، وأن تحسينها يبدأ من قرارات قابلة للقياس والتنفيذ ثم الاستمرار على أثرها على المدى القريب.

اقرأ أيضاً: اتفاق الحكومة السورية وقسد.. هل انتهت حرب الإخوة؟!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى