أعمال واستثمار

مخاطر على المزروعات وتحذيرات رسمية بعد موجة الصقيع في سوريا

هل يهدد الصقيع الموسم الزراعي الحالي بعد الأمطار الغزيرة؟

بقلم: ريم ريّا

شهدت سوريا في الأيام الأخيرة موجة من الصقيع مألوفة في هذا التوقيت من العام، ولكنها قاسية جداً، وبعد أن سجلت انخفاض حاد في درجات الحرارة بعدد من المحافظات، أثار الأمر مخاوف متزايدة بشأن سلامة المزروعات الشتوية والبساتين، لاسيما في المناطق الزراعية الحساسة.

وبما أن اليوم ما زال هناك احتمال كبير لاتساع رقعة التأثير، أصدرت وزارة الزراعة السورية تحذيرات وإرشادات للمزارعين للحد من الخسائر المتوقعة في ظل ظروف مناخية قاسية أتت في وقت مازال يعاني فيه القطاع الزراعي في سوريا من تحديات اقتصادية وإنتاجية كبيرة. هذه الموجة بقدومها طرحت تساؤلات حول مدى جاهزية الإجراءات الوقائية، وقدرة المزارعين على مواجهة التأثيرات المناخية والتقلبات الجوية التي باتت أكثر تكراراً وحِدة.

تحذيرات وزارة الزراعة من موجات الصقيع

أطلقت وزارة الزراعة السورية تحذيراً هو الثاني من نوعه في كانون الثاني، من موجة صقيع بدأت أمس الإثنين 19 كانون الثاني في معظم مناطق سوريا تتراوح شدتها بين المتوسطة والقوية، وبحسب المديرية العامة للأرصاد الجوية تتأثر البلاد من الاثنين بموجة صقيع متوسطة إلى قوية، تبلغ ذروتها اليوم الثلاثاء 20 كانون الثاني وغداً الأربعاء 21 كانون الثاني، وتضعف الخميس المقبل.

فقالت وزارة الزراعة عبر معرفاتها الرسمية إن الصقيع يعد من أخطر الظواهر الجوية المؤثرة على المزروعات، لما يسببه من أضرار مباشرة في الأزهار والثمار والنباتات الحديثة، بينما دعا مدير مديرية الإرشاد الزراعي والتنمية الريفية ربيع الحسن، المزارعين إلى اتخاذ الإجراءات الوقائية لحماية محاصيلهم كالتدفئة والري بالرذاذ والسقاية السطحية، مؤكداً أنها تسهم في الحد من الخسائر وضمان استمرار الإنتاج الزراعي.

وأشار الحسن كذلك، إلى أنواع الصقيع الإشعاعي الذي يحدث في الليالي الصافية ويشهده الساحل السوري بالخصوص بسبب طبيعة المناخ فيه، والصقيع المتحرك الناتج عن وصول رياح قطبية باردة، والصقيع الإشعاعي المتحرك الذي يجمع بين النوعين ويعد من أشد الأنواع خطراً على المزروعات.

كما دعت الوزارة المزارعين إلى متابعة النشرات الجوية بشكل يومي وتطبيق التدابير الزراعية المناسبة، مثل الري الوقائي قبل حدوث الصقيع، وتغطية المحاصيل الحساسة، وتأجيل العمليات الزراعية التي قد تزيد من تعرض النباتات للتلف.

اقرأ أيضاً: موجة صقيع تضرب سوريا: هل تكفي التحذيرات لحماية المحاصيل الزراعية؟

أثر الصقيع على المحاصيل الزراعية

يؤدي الصقيع إلى تلف أنسجة النباتات وموتها أو تدهورها مسبباً خسائر كبيرة للمزارعين خاصة في البيوت البلاستيكية والمحاصيل الحساسة كالأشجار الصغيرة والخضروات عبر تدمير البراعم وتفسد الثمار، وتتفاقم الأزمة مع التغيرات المناخية، ما يدفع وزارة الزراعة في سوريا لإصدار تحذيرات وتوصيات وقائية للمزارعين لحماية المحاصيل.

قأكثر من يعاني من موجات الصقيع هم المزارعون في الساحل السوري، ورغم كل الاحتياطات التي تعتبر بأكثرها جهوداً فردية من المزارعين أكثر من كونها دعماً حكومياً. ففي كل سنة يدمر الصقيع مزروعاتهم المحمية وترتسم ملاح القلق على وجوههم عند التحذير من موجات الصقيع متتالية. كونهم استثمروا كل ما يملكون لتأمين مستلزمات الإنتاج التي باتت تشكل عبئاً مالياً كبيراً، إذ تتحول زراعتهم من مهنة مرتبطة بالأرض إلى مغامرة عالية المخاطر يتحكم بها المناخ وتقلباته من جهة والتكاليف الباهظة من جهة أخرى.

وفي الحقيقة، لا تقتصر المأساة على ضياع المحصول الحالي فقط، بل تمتد لتشمل ضياع عامل الوقت الذي يعد حاسماً في الدورة الزراعية. فمثلاً البدء من جديد في منتصف الموسم يتطلب توفر سيولة مالية فورية ومستلزمات إنتاج قد لا تكون متوفرة بسهولة في الوقت الراهن نظراً للظروف الاقتصادية في البلاد.

وإلى جانب أن الأصناف التي تمت زراعتها لها توقيت زمني محدد للنمو والإنتاج، وتجاوز هذا التوقيت يعني فقدان الجدوى الاقتصادية من الزراعة لهذا العام. كل تلك العوامل تضع المزارع في خانة ضيقة ليرى نفسه مُطالباً بتأمين بدائل سريعة في ظل ظروف اقتصادية أقل ما يقال عنها أنها ضاغطة، فقد بات المزارع السوري الحلقة الأضعف في سلسلة الإنتاج الغذائي.

أما في منطقة الجزيرة، الحال لا يختلف عن جبلة واللاذقية، فخطورة الصقيع تكون أكبر بسبب اتساع المساحات الزراعية المكشوفة، والصقيع القوي جداً قد يتلف المحصول خلال ليلة واحدة فقط، خصوصاً إذا ترافق مع رياح وانخفاض شديد في درجات الحرارة، وهو ما شهدناه في مواسم سابقة.

ففي عام 2025، تسببت موجات الصقيع في سوريا بخسائر كبيرة للمزارعين فعلاً، حيث تضررت مئات البيوت البلاستيكية (أكثر من 1200 بيت) المزروعة بالخضروات، مما أدى لارتفاع أسعارها وترك المزارعين أمام تحديات مالية ضخمة بسبب تلف المحاصيل وفقدان قيمتها التسويقية، مع تفاقم الأزمة بسبب انقطاع الكهرباء وتكاليف الوقود، مما أثر بشكل مباشر على الأمن الغذائي العام.

وفي سياقٍ متصل، يرى المهندس الزراعي خالد العلي أن المحاصيل مثل: البندورة والفليفلة والفاصولياء تحتوي على نسبة عالية من المياه في خلاياها، وعندما تهبط الحرارة إلى مستويات متدنية، يتجمد هذا الماء ويزداد حجمه، مما يؤدي إلى تمزق الجدران الخلوية للنبات، مضيفاً: أنه بمجرد بزوغ الشمس تبدأ هذه الأنسجة بالتحلل السريع، هذا ما يفسر تحول النبات إلى اللون الداكن وجفافه خلال ساعات قليلة.

وأكد الدكتور العلي، أن البيوت البلاستيكية التقليدية المتبعة في منطقة الساحل أكثر من غيرها، توفر حماية محدودة جداً ولا يمكنها مواجهة هذه الموجات دون توفر أنظمة تدفئة فعالة، وهي تقنيات يفتقر إليها معظم المزارعين بسبب تكاليف الطاقة المرتفعة وغياب الدعم اللازم لتطوير هذه المنشآت الزراعية.

اقرأ أيضاً: كيف يعيد الشتاء تشكيل أولويات السوريين الاقتصادية؟

التحذيرات ليست كافية.. لابد من الدعم الحكومي

لابد من التدخل الحكومي السريع للوقاية أولاً من الصقيع وللحد من آثاره ثانياً، فتداعيات كارثة الصقيع على الزراعة لا تتوقف عند حدود الحقول فحسب، بل تنتقل آثارها الى الأسواق والمستهلكين فيما بعد بشكل مباشر. فإن تلف كميات كبيرة من المحاصيل، لا سيما في الزراعات المحمية “الهنكارات” سيؤدي حتماً إلى نقص في العرض، ما سينعكس بشكل مباشر على الأسعار ويؤدي إلى ارتفاعها.

فغياب منظومة التأمين الزراعي الفعال والشامل، يعتبر الثغرة الأساسية التي تجعل المزارع مكشوفاً أمام تقلبات الطبيعة رغم كل الاحتياطات المتخذة، فالاعتماد على التعويضات المحدودة التي يتم تقديمها بعد وقوع الكارثة لا يمكن أن تغطي التكاليف المرتفعة للزراعة الحديثة.

لذلك، يجب على المؤسسات المعنية التدخل من خلال تقديم قروض إنتاجية علاجية بدون فوائد، مع منح البذور والأسمدة المناسبين لتمكين المزارعين من إعادة تأهيل أراضيهم قبل فوات الأوان. بغير ذلك لا استقرار لسلة الغذاء الرئيسية ولا حماية لقدرة المواطن الشرائية.

إن حماية الإنتاج الزراعي تتطلب مراجعة شاملة ومستعجلة للسياسات المتبعة، والانتقال من رد الفعل إلى الفعل الاستباقي. فالأمن الغذائي يعتمد بشكل أساسي على استقرار المزارع في أرضه وقدرته على مواجهة التحديات، ما يعني وجود أنظمة إنذار مبكر تصل إلى كل مزارع قبل وقوع الكارثة المناخية بوقت كافٍ لاتخاذ التدابير الوقائية. إضافةً إلى ضرورة دعم مستلزمات التدفئة وتوفير المحروقات المخصصة للزراعة بأسعار مدعومة، لتمكين المزارعين من تشغيل أنظمة الحماية في الليالي المتجمدة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى