سياسة

محمد غميرة.. استدعاء انتهى بقضية رأي عام

ذهب محمد حسام الدين غميرة إلى قسم شرطة الحفة بعدما استُدعي على خلفية دعوى مقدمة ضده. كان في التاسعة والعشرين من عمره، وكان يعرف أنه مصاب بالناعور، وكذلك كانت عائلته تعرف خطورة أي إصابة يمكن أن يتعرض لها. بعد أيام قليلة، انتهت القصة في المشفى الجامعي باللاذقية بوفاته، بينما بدأت وزارة الداخلية تحقيقاً رسمياً، وأوقفت أشخاصاً كانوا في النظارة وعناصر من المخفر متهمين بضربه. بين الاستدعاء والوفاة بقيت ساعات وأيام تحتاج إلى إعادة بناء دقيقة، لأنها هي التي ستحدد المسؤولية فعلاً.

رواية العائلة أعطت للقضية تفاصيل لم تكن موجودة في البيانات الأولى. عصام غميرة، عم محمد، قال إن الأسرة أبلغت رئيس مركز الشرطة مسبقاً بمرضه وطلبت ألا يتعرض له أحد بسوء، وإن ما حصل لاحقاً كان، بحسب روايته، تصرفاً فردياً من أحد العناصر انتهى بصفعة على الوجه. العم لم يصف ما جرى بأنه تعذيب، وقال إن جسد ابن شقيقه لم يكن يحمل كدمات، لكنه رجّح أن الصفعة سببت نزفاً دماغياً تطور تدريجياً حتى فقد محمد وعيه ودخل في غيبوبة. هذه الرواية لا تحسم السبب الطبي ولا المسؤولية القانونية، لكنها تغير نقطة البداية، لأن السؤال لم يعد فقط من ضربه، بل ماذا جرى بعد أن كانت حالته الصحية معروفة داخل المركز.

محمد غميرة من الاستدعاء إلى المشفى

وبحسب ما رواه عم الشاب، لم يكن محمد فاراً ولا مطلوباً جرى القبض عليه في مداهمة. استُدعي إلى مركز الشرطة إثر دعوى، فلبّى الاستدعاء وحضر. قال العم إن العائلة كانت على معرفة برئيس المركز، وإنها أخبرته بأن محمد مصاب بالناعور وطلبت منه ألا يتعرض له أحد. هذه الجزئية هي الأكثر حساسية في رواية الأسرة، لأنها تعني، إذا ثبتت، أن المعلومة الطبية لم تكن مجهولة منذ البداية.

يقول عصام غميرة إن أحد العناصر تصرف بصورة فردية وضرب محمد وصفعه على وجهه. ويشدد في الوقت نفسه على أن ما حدث، وفق ما شاهده وعرفه، لم يكن تعذيباً بالمعنى الذي يوحي باعتداء متكرر أو آثار ضرب واسعة، وأن جسد محمد كان خالياً من الكدمات. بعد ذلك ظهرت مضاعفات النزف. بقي محمد في المشفى أربعة أو خمسة أيام، وتوقف قلبه أكثر من مرة وحاول الأطباء إنعاشه، قبل أن تعلن وفاته الأحد 16 آب.

الناعور يجعل هذه التفاصيل أكثر أهمية طبياً. المرض يضعف قدرة الدم على التخثر، ويمكن أن يجعل النزف بعد الإصابة أخطر من المعتاد، كما أن إصابات الرأس عند المصابين به تحتاج إلى تقييم وعلاج سريعَين بسبب احتمال النزف داخل الجمجمة. لكن هذه المعرفة الطبية العامة لا تثبت أن صفعة بعينها هي التي سببت الوفاة. هذا يحتاج إلى تقرير طبي شرعي يحدد نوع النزف ومكانه وتوقيت حدوثه والعلاقة بين الإصابة وبين تدهور الحالة.

رواية العم تضيف شيئاً آخر. قال إن الجهات الرسمية تابعت العلاج، وإن الجرعات الدوائية النادرة المطلوبة لحالة محمد جرى تأمينها عبر وزارة الداخلية ومديرية صحة اللاذقية، كما تحدث عن متابعة من الوزير والمحافظ وقائد الشرطة. هذه المتابعة حدثت بعد تدهور الحالة، ولذلك يبقى السؤال السابق لها أكثر أهمية. متى ظهرت أول علامة خطر، ومتى تقرر نقله من مركز التوقيف إلى العلاج، وهل كان هناك وقت كان يمكن أن يغير مسار الحالة؟ لا توجد إجابات معلنة عن هذه النقاط حتى الآن.

الجزء المتعلق بسبب الاستدعاء ما زال ناقصاً أيضاً. العم قال إن الأمر بدأ بدعوى، وإنه لم تكن، بحسب قوله، أدلة ضد محمد وإنما ادعاء. هذا تقييم من العائلة، ولا توجد في المقابل تفاصيل رسمية منشورة عن موضوع الدعوى أو الإجراء الذي اتخذ داخل المركز. وجود دعوى يفسر الاستدعاء، لكنه لا يفسر ما وقع بعد وصول الشاب إلى القسم، ولا يخفف مسؤولية أي عنصر إذا ثبت أنه استخدم قوة غير مشروعة بحقه.

حين اختلف توصيف ما حدث

خرجت القضية من نطاق العائلة بسرعة. رائد الصالح، وزير الطوارئ وإدارة الكوارث، نعاه بوصفه صديقاً وزميلاً، وقال إنه كان يتابع القضية مع وزير الداخلية منذ يومها الأول. الصالح أشار إلى أن المتهمين بضرب محمد أوقفوا وأن الإجراءات القانونية ستتخذ بحقهم. كلامه جاء تعليقاً على قضية كانت قد بدأت أصلاً داخل الحفة ثم انتقلت إلى المشفى، وليس مصدراً أولياً لما حصل داخل النظارة.

في المقابل، ذهب السياسي السوري الدكتور عبيدة نحاس في منشور له على فيسبوك إلى توصيف أشد. اعتبر أن القضية وفاة تحت التعذيب، وطالب بمحاسبة المسؤولين، وقال إن الحالة الصحية للضحية لا تصلح لتبرير ما جرى، وختم عبارته بوضوح: «التعذيب محرم وكفى». أهمية هذا الموقف ليست في أنه يحسم طبيعة الواقعة، بل في أنه يعكس كيف تحولت وفاة غميرة إلى نقاش عن صورة الشرطة في سوريا الجديدة وحدود استخدام القوة داخل أماكن التوقيف.

وزارة الداخلية بدورها لم تستخدم حتى الآن وصف «التعذيب». البيان الرسمي تحدث عن وفاة تحتاج إلى كشف الأسباب الحقيقية والظروف المحيطة بها، ثم أعلن عن لجنة تحقيق برئاسة معاون الوزير للشؤون الشرطية اللواء أحمد لطوف. وبحسب قرار تشكيلها، تضم اللجنة مسؤولين من الشؤون القانونية وحقوق الإنسان والقضايا المسلكية والمباحث الجنائية، وأُعطيت مهلة 72 ساعة لرفع نتائج عملها، مع صلاحية الاستعانة بمن تراه مناسباً.

هناك أيضاً تفصيل مهم في ما نشره الإعلام المحلي. قيادة الأمن الداخلي أعلنت توقيف سبعة أشخاص كانوا موجودين في النظارة خلال وقوع الحادثة، وفي خبر لاحق قالت الإخبارية إن عناصر من المخفر متهمين بضرب غميرة أوقفوا كذلك. هذا يعني أن التحقيق يسير في أكثر من اتجاه، بين من كان موجوداً مع محمد في النظارة وبين العناصر الذين نُسب إليهم فعل الضرب. لا توجد حتى الآن أسماء معلنة أو توصيف نهائي لدور كل موقوف.

عضو فرع نقابة المحامين في حمص عمار عز الدين قدم في حديث له قراءة مختلفة عن السجال السياسي. ركز على طريقة التحقيق نفسها، وطالب بأن يكون مستقلاً وأن يتضمن فحصاً طبياً شرعياً وحفظ الأدلة والسجلات والآثار المرتبطة بالوفاة. هذه المقاربة أقرب إلى ما تحتاجه القضية الآن، لأن أي نقاش عن التعذيب أو الإهمال أو الضرب المفضي إلى الوفاة سيبقى رأياً ما لم يتحول إلى وقائع مثبتة بتسلسل زمني وأدلة طبية وشهادات.

التحقيق وما ينبغي أن يجيب عنه

التحقيق بدأ تحت ضغط اهتمام رسمي وشعبي واضح. وزير الداخلية أنس خطاب قال إن أي تجاوز من عناصر الوزارة سيعالج وفق القانون، والمتحدث باسم الوزارة نور الدين البابا أكد أن الإجراءات ستطال من يثبت تورطه أو تقصيره أياً كان موقعه. هذه اللغة ترفع سقف التوقعات من اللجنة، لأنها لم تُشكل لتقديم تفسير إداري عام، بل لكشف ما وقع وتحديد المسؤولية.

أول ما يحتاج إلى جواب هو ما حدث داخل مركز الشرطة نفسه. من استدعى محمد، ومتى دخل القسم، ومتى حدثت الصفعة التي تحدث عنها عمه، ومن كان حاضراً وقتها؟ هل توجد كاميرات داخل الممرات أو عند باب النظارة، وهل تحفظت اللجنة على تسجيلاتها؟ وما الذي سجله دفتر المناوبة عن حالته وعن أي شكوى صحية قدمها؟ هذه أسئلة بسيطة في شكلها، لكنها هي التي تبني القضية من أرضها.

السؤال الثاني طبي. عم محمد يقول إن العائلة أبلغت رئيس المركز بإصابته بالناعور. إذا ثبت ذلك، يصبح مهماً معرفة ما إذا كان أي عنصر لاحظ أعراضاً بعد الضربة، ومتى طلبت المساعدة الطبية، وكم مر من الوقت قبل نقله إلى المستشفى. لا يمكن الآن القول إن تأخيراً وقع، لأن توقيت الأحداث غير منشور، لكن هذا هو أحد الخطوط التي ينبغي أن يحسمها التحقيق. فالناعور لا يفسر الاعتداء إن ثبت، ولا يلغي الحاجة إلى معرفة ما إذا كانت الاستجابة الطبية جاءت في الوقت المناسب.

السؤال الثالث يتعلق بالسبب المباشر للوفاة. منشور رائد الصالح تحدث عن نزيف دماغي ونزيف في الجهاز الهضمي، وعم محمد ربط تدهور الحالة بالصفعة. تقرير الطب الشرعي هو الذي يستطيع الانتقال من هذا الترابط الزمني إلى علاقة سببية. قد يثبت أن الإصابة كانت السبب المباشر، وقد يكشف عوامل أخرى أسهمت في الوفاة. أي نتيجة قبل التقرير تبقى ناقصة مهما بدت الرواية مقنعة.

ثم تأتي المسؤولية الإدارية. إذا كانت العائلة قد أخبرت رئيس المركز بمرض محمد، كما يقول عمه، فسيكون على التحقيق أن يحدد ماذا فعل بهذه المعلومة. وإذا ثبت أن عنصراً استخدم القوة من تلقاء نفسه، فالمسؤولية الجنائية المباشرة تقع على الفاعل بحسب ما يقرره القضاء، لكن ذلك لا يعفي من فحص طريقة الإشراف على الموقوفين والتعامل مع الحالات المرضية داخل المركز. الفرق بين حادثة فردية وخلل مؤسسي لا يحدد بالخطاب، بل بما تكشفه السجلات والإجراءات التي كانت مطبقة فعلاً.

محمد غميرة أصبح خلال يومين اسماً يتجاوز قصة وفاة شاب في الحفة. عائلته تقول إنها تريد المحاسبة وألا يتكرر ما حدث مع غيره، ومسؤولون حكوميون تعهدوا بالوصول إلى الحقيقة، وشخصيات عامة دفعت النقاش إلى سؤال التعذيب وسجل الشرطة. القيمة الحقيقية لكل هذه المواقف ستظهر بعد انتهاء مهلة اللجنة. إذا نُشرت وقائع واضحة وأُحيل من تثبت مسؤوليته إلى القضاء، ستبقى القضية حادثة مؤلمة خضعت للمحاسبة. وإذا بقيت التفاصيل الرئيسية معلقة، فستتحول من وفاة تحتاج إلى تحقيق إلى سؤال أوسع عن قدرة مؤسسات الدولة الجديدة على التحقيق في نفسها عندما تقع الشبهة داخل أحد أجهزتها.

اقرأ أيضاً: وزارة الداخلية تصدر تعميماً ينظم آلية الترخيص للتظاهر السلمي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى