محكمة الإرهاب إلى الإلغاء.. سوريا تفكك أحد أكثر قوانين الأسد إثارة للجدل

كان يكفي أن يصل الاسم إلى بيت سوري حتى تتغير حياة أهله. محكمة الإرهاب لم تترك خلفها ملفات جزائية فحسب، بل أحكاماً غيابية وحجوزاً على البيوت وأسماء حملت وصمة الاتهام سنوات. ولهذا يبدو إلغاء المحكمة خبراً قانونياً، فيما يسمعه المتضرر بوصفه سؤالاً شخصياً عن شيء ضاع ولم يعد بعد.
وضع مجلس الشعب على جدول أعماله مشروع قانون لإلغاء محكمة قضايا الإرهاب، ضمن حزمة تتصل أيضاً بالأموال المصادرة. وحتى وقت إعداد هذا التقرير لم أعثر على نص رسمي منشور يثبت اكتمال الإقرار والنفاذ. الدقة هنا ضرورية. سوريا تتقدم نحو الإلغاء، لكنها لم تنته من تفكيك المحكمة بمجرد إدراج المشروع أو التصويت عليه لاحقاً.
محكمة خرجت من الاستثناء
أنشأ القانون رقم 22 لعام 2012 محكمة خاصة في دمشق، مع إمكان إحداث غيرها، وضم تشكيلها قاضياً عسكرياً. ومنحها مرونة واسعة بعيداً عن الأصول المعتادة. أما المادة القانونية التي غذتها بالقضايا فكانت أساساً قانون مكافحة الإرهاب رقم 19، بتعريفاته الفضفاضة للفعل والمنظمة والتمويل والترويج.
وثقت هيومن رايتس ووتش منذ 2013 استخدام المنظومة لمحاكمة ناشطين بسبب التظاهر وتوثيق الانتهاكات وتوزيع المساعدات. وتحولت تهمة الإرهاب إلى باب يستطيع النظام إدخال المعارض السلمي منه، ثم إخراج ممتلكاته من يده بقرارات التجميد والمصادرة.
إلغاء المبنى لا يكفي
إذا أُلغي قانون إنشاء المحكمة وحده، يبقى السؤال عن القانون رقم 19 وعن المرسوم 63 الذي وسع سلطة تجميد الأموال. المحكمة وعاء، لكن التعريف الواسع والعقوبات المالية هما المادة التي ملأته. الإصلاح المتماسك يحتاج إلى مراجعة المنظومة معاً، وإبقاء الجرائم الإرهابية الفعلية ضمن تعريف دقيق ومحاكم عادية وضمانات كاملة.
ولا بد من قاعدة انتقال واضحة للقضايا التي لم يصدر فيها حكم. نقلها آلياً إلى محكمة عادية مع التهم نفسها يعيد إنتاج الاستثناء في غرفة أخرى. المطلوب فرز فردي، وإسقاط ما قام على تعبير أو نشاط مدني، وإحالة ما يتضمن عنفاً مثبتاً إلى القضاء المختص.
الأحكام لا تزول وحدها
شكّلت وزارة العدل لجاناً لمراجعة الأحكام والإجراءات، وفتحت باب الشكاوى على قضاة المحكمة، ثم مددت المهلة حتى 11 آذار 2026. كما أُبعد عشرات القضاة بعد تفتيش قضائي. هذه خطوات تمس المؤسسة، لكنها لا تجيب وحدها عن كل حكم سابق.
تحتاج الدولة إلى مسار مبسط يتيح طلب إلغاء الحكم ورد الاعتبار ورفع منع السفر وشطب الإشارات من السجلات. وقد لا يملك صاحب القضية نسخة من ملفه أصلاً. لذلك يجب ألا يتحول إثبات الظلم إلى عبء مستحيل يقع على من خرج من الاعتقال أو عاد من اللجوء.
البيت أصعب من الورقة
تتداخل المصادرة مع بيوع وانتقالات ملكية وإشغالات حدثت بعد الحكم. وقد تكون العين ما زالت باسم الدولة، أو بيعت، أو سكنها طرف ثالث. لهذا لا تكفي عبارة إعادة الأموال. يلزم سجل مركزي للقرارات، ووقف أي تصرف جديد في الأصول المتنازع عليها، وقضاء متخصص في الرد والتعويض يحمي صاحب الحق وحسن النية معاً.
كما ينبغي نشر معايير التعويض عندما يتعذر الرد العيني، ومصدر التمويل، وترتيب الأولوية. العدالة البطيئة في ملف البيت قد تعني أن يعود الحكم إلى صاحبه بعد أن يفقد البيت مرة ثانية.
المحاسبة من دون انتقام
مراجعة دور القضاة والمدعين ضرورة، لكن الانتماء الوظيفي وحده لا يصنع حكماً عادلاً عليهم. يجب التمييز بين من طبق قانوناً ضمن هامش مهني ضيق، ومن زوّر أو تواطأ أو حرم متهماً من ضماناته. المحاسبة الفردية المعللة هي ما يفصل العدالة الانتقالية عن تبديل مواقع الظلم.
وينبغي فتح الأرشيف للجهات القضائية وهيئات الحقيقة ولأصحاب العلاقة ضمن قواعد تحمي البيانات. ففي هذه الملفات أدلة على الاعتقال والمصادرة وشبكات المسؤولية. إتلافها يريح الماضي، لكنه يفقِر المستقبل من ذاكرته القانونية.
يمثل مشروع الإلغاء خطوة لا غنى عنها، ويعيد القضاء السوري إلى مبدأ أن المحكمة الاستثنائية لا تصلح طريقاً للعدالة. غير أن القانون سيُختبر خارج قاعة المجلس، عند أول اسم يُمحى من سجل، وأول بيت يعود، وأول ملف ينتقل إلى قاضٍ طبيعي.
من السهل إنزال اللوحة عن باب المحكمة. الأصعب أن تُنزع آثارها من حياة الناس من دون ضياع الأدلة أو حقوق الآخرين. هناك فقط تكون سوريا قد ألغت محكمة الإرهاب، لا اسمها.
اقرأ أيضاً: كاريكاتير: الضوء في آخر نفق شطب سوريا من قائمة الإرهاب









