أعمال واستثمار

محطة عين البيضا بعد أشهر من افتتاحها.. هل انتهت أزمة المياه فعلاً في ريف حلب؟

بقلم: ريم ريّا

عندما أعيد افتتاح محطة مياه عين البيضاء في ريف حلب الشرقي أواخر العام الماضي، بدا الأمر وكأنه إعلان رسمي عن نهاية واحدة من أشد أزمات المياه في منطقة الباب ومحيطها. حينها، تحدثت بيانات حكومية عن “حل شبه نهائي” لمشكلة المياه، وعن إمداد مستقر من شأنه أن يفيد مئات الآلاف من السكان بعد سنوات من الانقطاعات والنقص والاعتماد على صهاريج المياه والآبار غير الآمنة. إلا أنه، وكما هو الحال غالباً مع مشاريع الخدمات في سوريا، لا تزال الفجوة بين حفل الافتتاح وواقع العمليات اليومية واسعة بما يكفي لكي يصتدم الواقع بالتفاؤل الرسمي.

محطة عين البيضا.. ما الذي قدمته بعد إعادة تشغيلها؟

منذ إعادة تأهيل محطة معالجة المياه في عين البيضاء وتشغيلها بكامل طاقتها، شهدت مدينة الباب والعديد من المناطق المحيطة بها تحسناً ملحوظاً في انتظام إمدادات المياه مقارنةً بالسنوات السابقة. وقد أصبحت المحطة، التي تصل طاقتها الإنتاجية إلى 20.000 متر مكعب يومياً، المصدر الرئيسي للمياه للمدينة ومناطق مثل تاديف وقباسين، بفضل نظام سحب مباشر من نهر الفرات. وقد ساهم ذلك في تقليل الاعتماد على مصادر المياه البديلة، باهظة الثمن، وذات الجودة المتدنية.

ولم يقتصر التحسن على الخدمات فحسب، بل امتد ليشمل الصحة والظروف المعيشية. فقد قلص السكان حاجتهم لشراء المياه من صهاريج النقل، وانخفض اعتمادهم على الآبار غير المرخصة، التي كانت تشكل خطراً صحياً وعبئاً اقتصادياً. كما ساهم الاستقرار النسبي لإمدادات المياه في إنعاش بعض قطاعات الخدمات والحرف الصغيرة التي تعتمد بشكل مباشر على توافر المياه، من المخابز والمطاعم إلى الورش والمتاجر. ومع ذلك، لا يزال الاستقرار العام يعتمد على قدرة الشبكة على العمل دون أعطال أو انقطاعات في التيار الكهربائي أو مشاكل تشغيلية. تفاصيل تعرفها البنية التحتية السورية جيداً، أفضل بكثير من إعلانات الافتتاح الرسمية.

اقرأ أيضاً: أزمة المياه في حلب.. انقطاعات متكررة بين ضغط الواقع والحلول المؤجلة

بين رضا الأهالي والمخاوف القديمة

تباينت آراء المواطنين بعد افتتاح المحطة، لكنهم عموماً يعتبرون المشروع خطوة إيجابية نحو الأمام مقارنةً بالوضع السابق. وأشار العديد من السكان إلى تحسن ملحوظ في إمكانية الحصول على المياه في أحيائهم بعد سنوات من المعاناة اليومية، لا سيما أن بعض المناطق كانت تحصل على المياه مرة كل بضعة أيام فقط أو تضطر لشرائها بأسعار باهظة.

من جهة أخرى، لا تزال الشكاوى قائمة بشأن عدم انتظام ضخ المياه في بعض الأحياء النائية وضعف الشبكات الداخلية القديمة، فضلًا عن المخاوف من تكرار الأزمة في حال حدوث أي عطل فني أو نقص في الكهرباء والوقود اللازمين للتشغيل. ويعتقد بعض السكان أن المشكلة لا تكمن فقط في مصدر المياه، بل أيضاً في شبكات التوزيع والبنية التحتية المتهالكة، الأمر الذي يتطلب إصلاحاً شاملاً، وليس مجرد إعادة تشغيل محطة ضخ. وهنا تكمن الفجوة التقليدية بين “حل الأزمة” نظرياً والتخفيف من آثارها على أرض الواقع.

الخطة المطروحة.. من إعادة التشغيل إلى الأمن المائي

منذ بدايته، لم يقتصر المشروع على صيانة محطة ضخ متوقفة عن العمل، بل كان جزءاً من خطة أوسع لإعادة تأهيل البنية التحتية للمياه في ريف حلب وتحقيق استقرار الخدمة على المدى الطويل. ركزت الخطة التي عرضت في حفل الافتتاح على تحسين الأمن المائي وتقليل الاعتماد على حلول الطوارئ من خلال زيادة كفاءة الضخ، وتحديث شبكات النقل والتوزيع، والتعاون مع المنظمات الدولية، ولا سيما اليونيسف، لدعم مشاريع المياه والصرف الصحي.

كما هدفت الخطة إلى ضمان مصدر مياه مستدام لأكثر من 400 ألف نسمة، مع إعادة تأهيل محطات وشبكات أخرى في المنطقة مستقبلاً. إلا أن نجاح هذه الرؤية يعتمد على عوامل تتجاوز مجرد إعادة تشغيل محطة واحدة، أهمها توفير إمدادات كهربائية مستقرة، وضمان تمويل مستمر للصيانة، ومنع تدهور الشبكة نتيجة ارتفاع الضغط والاستهلاك.

في بلدٍ باتت فيه الخدمات الأساسية مؤشراً سياسياً واجتماعياً، فضلاً عن كونها ضرورةً أساسية، تقف محطة عين البيضاء اليوم نموذجاً لما يمكن أن تحققه مشاريع البنية التحتية عند صيانتها بشكلٍ مستدام، لا مجرد إعلان عابر يختفي في غضون أيام وسط كمٍ هائلٍ من التصريحات.

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى