سياسة

محطة البابيري وقطع المياه عن حلب: من يملك قرار التشغيل؟

الكاتب: أحمد علي

من غرائب الأمور التي قد تحدث هو أن تقطع المياه بلحظة واحدة عن محافظة كاملة وبرفة عين، لكن هذا ما حدث تماماً في سوريا في حلب مساء السبت 10 كانون الثاني 2026، وعلى إثره تبادلت الحكومة السورية و«قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) الاتهامات بسرعة تفوق سرعة عودة الضخ نفسها.

على أية حال، ما يهمّ هنا ليس تصديق بيان ورفض آخر، بل فهم ما نعرفه يقيناً عن «قطع المياه عن حلب»، وكيف تعمل المنظومة التي تجعل محطة واحدة قادرة على تغيير حال المياه لدى ملايين السكان.

محطة البابيري تحت المجهر

تقع محطة البابيري في ريف حلب الشرقي، وتُعد جزءاً من منظومة جرّ مياه الفرات باتجاه مدينة حلب. وتشير تقارير صحفية إلى أن محطة البابيري تغذي أحياء مثل الفرقان وحلب الجديدة وأجزاء من سيف الدولة والأعظمية، ما يفسر لماذا يظهر أثر التوقف سريعاً في المدينة.

وتذكر مصادر تعريفية بالمشروع أن قناة الجر المرتبطة بالمنظومة نُفذت بين 2004 و2008، وأن محطة البابيري تستمد المياه من “بحيرة الأسد/بحيرة الثورة”. أي في الصورة العامة نحن أمام شبكة مترابطة، تأتي المياه من مصدر شرقي، ثم إلى النقل والمعالجة، وما بعد ذلك ضخ باتجاه أحياء المدينة وريفها، بحيث يتأثر المستهلك فوراً إذا تعطلت حلقة واحدة.

رواية الحكومة السورية الرسمية

قالت وزارة الطاقة السورية إن ضخ المياه من محطة البابيري توقف عند الساعة 5:30 مساءً يوم السبت 10 كانون الثاني 2026، وإن التوقف جاء نتيجة أوامر صادرة من عناصر عسكرية تابعة لقسد، مؤكدة أن المحطة تقع ضمن مناطق وصفتها بأنها تحت سيطرة قسد، وأن الانقطاع انعكس على الخدمات الأساسية في المحافظة.

تبنّت محافظة حلب الرواية نفسها، ووصفت الإيقاف بأنه «جريمة موصوفة»، وقالت إن محطة البابيري هي المصدر الأساسي لمياه الشرب لأكثر من أربعة ملايين شخص، ودعت الأهالي إلى ترشيد الاستهلاك حتى عودة الضخ، محمّلة قسد المسؤولية عن التعطيل.

رد قسد على الاتهام

بدورها، نفت قسد مسؤوليتها عن قطع المياه عن حلب، ووصف بيان مركزها الإعلامي اتهامات الحكومة بأنها «حملة تضليل»، وقال إن تشغيل وضخ المياه في محطة البابيري يعتمد على «إدارة وتقنيات» خارج نطاق سيطرتها، بما يعني أن قرار الإيقاف والتشغيل ليس بيدها كما تقول بيانات وزارة الطاقة.

وأضاف البيان أن الحكومة السورية سبق أن استهدفت محطة البابيري بالقصف المدفعي، ثم حاولت تحميل غيرها نتائج ذلك.

ما يمكن أن نسجله مبدئياً هنا، هو أن الفكرة الأساسية في هذا النفي هي فصل «السيطرة الأمنية» عن «السيطرة التقنية»، أي بالمعنى العام قد تكون المنطقة تحت نفوذ طرف ما، بينما تبقى نظم التشغيل أو الكهرباء أو الكوادر خارج سلطته المباشرة.

كيف يعمل الضخ فعلياً

في الأزمات الخدمية، التفسير الأقرب للواقع غالباً لا يكون أحاديّ السبب، فتشغيل محطة ضخ كبيرة يحتاج كوادر تستطيع الوصول والعمل، وكهرباء مستقرة، وتجهيزات لا تتعرض للضرر أو السرقة أو التعطيل.

وتشير وثائق اللجنة الدولية للصليب الأحمر عن عملها في سوريا إلى أن اللجنة، بالتعاون مع الهلال الأحمر العربي السوري، ساهمت في إصلاح خطوط كهرباء وتركيب تجهيزات في محطة البابيري، وأن ذلك أسهم في استعادة التغذية لمحطة الخفسة وعودة تدريجية للمياه إلى حلب لخدمة أكثر من 3.2 مليون شخص.

وهذا التفصيل يوضح أن انقطاع الكهرباء أو تعطل محولة قد يوقف ضخ محطة البابيري من دون أمر سياسي معلن، كما أن الخوف أو منع الوصول قد يجمّد العمل حتى لو كان العطل بسيطاً.

السياق العام يزيد الالتباس

ربطت التغطيات الإعلامية الواقعة بالتصعيد الذي شهدته أحياء الشيخ مقصود والأشرفية في حلب خلال الأيام السابقة، وبحساسية العلاقة بين الطرفين. وفي مثل هذا الجو يصبح الماء ورقة ضغط محتملة، وتصبح الشائعة أسرع من أي لجنة فنية، بينما يدفع السكان ثمن كل جولة توتر من راحتهم وصحتهم وقدرتهم على متابعة العمل والدراسة والقضايا الأخرى.

ما الذي نستطيع قوله الآن؟

بعد توسيع نطاق البحث خارج بيانات الاتهام والنفي، تبيّن أن الروايتين السياسيتين (وزارة الطاقة السورية التي نسبت التوقف إلى “إيعاز” من قسد، وقسد التي نفت المسؤولية وقالت إن التشغيل خارج نطاقها) لا تقدّمان سبباً تشغيلياً قابلاً للتحقق، بينما ظهرت قرينة أكثر تماسّاً مع آلية العمل عبر منشور لـ “مؤسسة مياه حلب” تحدث عن انقطاع التيار الكهربائي عن محطة البابيري بسبب «عطل فني»، ثم متابعة لاحقة تفيد بعودة الكهرباء وبدء الضخ باتجاه محطات معالجة الخفسة مع تقدير زمني لوصول المياه إلى المدينة، وهو تفصيل تشغيلي ينسجم مع منطق منظومة الضخ والمعالجة أكثر من كونه شعاراً دعائياً.

بموازاة ذلك، أفاد تحديث صادر عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) بتعليق عمل محطة البابيري وما ترتب عليه من تراجع الإمدادات، دون تسمية جهة مسؤولة. وعليه، فإن السبب الأكثر توثيقاً كآلية مباشرة في المصادر المتاحة هو انقطاع التغذية الكهربائية وما تلاه من استئناف الضخ بعد عودة التيار، بينما تبقى مسألة ما إذا كان هذا الانقطاع عرضياً أم نتيجة فعل متعمد غير محسومة علناً وتحتاج أدلة فنية لا تظهر في البيانات، مثل سجلات الأعطال والتغذية الكهربائية ومحاضر التشغيل.

“قسد قطعت المياه عمداً”؟

هل سيناريو “قسد قطعت المياه عمداً” عقلاني؟ أو بمعنى آخر “ممكن هندسياً”؟ نعم، وهنالك طريقتان تجعلانه ممكناً، أولهما عبر تدخل مباشر داخل المحطة (إجبار الطاقم على إيقاف المضخات). وثانيهما عبر تدخل غير مباشر عبر الكهرباء (فصل تغذية، منع إصلاح، أو تعطيل وصول الوقود للمولدات إن كانت مستخدمة).

لكن هل هو الأقرب للمنطق وفق ما هو متوفر لدينا؟ هنا يميل الميزان ضد الاتهام المباشر، لأن النمط الزمني (توقف ثم عودة ثم حديث عن زمن وصول طويل) يطابق جداً سيناريو فصل/هبوط/عطل كهربائي أكثر من “قرار سياسي” بقطع المياه، خصوصاً أن أعطال الكهرباء على البابيري ليست فكرة خيالية بل سُجّلت سابقاً في إعلانات مماثلة.

ختاماً، يمكن القول إن الحادثة وقعت في سياق سيطرة ونفوذ متشابك يجعل المسؤولية الإدارية/الأمنية محتملة على أكثر من طرف، لكن الاتهام المباشر لقسد أو غيرها كفاعل قاطع للمياه لا يثبت من الأدلة المنشورة، وأي إدانة الآن ستكون أقرب إلى موقف سياسي منها إلى استنتاج مبني على قرائن تشغيلية. خصوصاً أن الأطراف المحتملة ليست فقط الحكومة وقسد؛ بل أيضاً كل جهة تتحكم فعلياً بإحدى حلقات السلسلة، بدءاً بالتشغيل الإداري، مروراً بأمن الموقع، وكهرباء التغذية، وصولاً إلى حرية الوصول التي تتمتع بها فرق الصيانة.

اقرأ أيضاً: بعد تداعيات حلب: هل تخسر قسد مشروعها السياسي والعسكري؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى