سياسة

محطات مخيم الهول.. انسحاب تلاه إيقاف ونقل سكان فهل هذه النهاية؟

مخيم الهول بين التراجع الدولي وخطط النقل ما هي خيارات المستقبل؟

بقلم: ريم ريّا

في أواخر كانون الثاني 2026، انسحبت قوات سوريا الديمقراطية “قسد” من محيط مخيم الهول الواقع على بعد 40 كيلومتراً شرق مدينة الحسكة، وعلى مسافة 13 كيلومتراً فقط من الحدود العراقية. المخيم الذي يمتد على مساحة تقارب 3.1 كيلومترات مربعة، ويحيط به سياج أمني بطول 12.1 كيلومتراً، كان يتألف من 7 قطاعات رئيسية بينها قطاع المهاجرات المخصص للأجنبيات.

الانسحاب جاء في سياق تصعيد ميداني، أعقب اتهامات متبادلة بخرق اتفاق 10 آذار 2025 بين الحكومة السورية وقسد، وتزامن مع عملية عسكرية بدأها الجيش السوري في مطلع 2026 انطلاقاً من حلب باتجاه مناطق الجزيرة السورية. وبحسب مصادر محلية وتصريحات رسمية، تسلمت قوى الأمن الداخلي التابعة للحكومة السورية الموقع بعد ساعات من الانسحاب، وسط تقارير عن خروج مجموعات من القاطنين “بطرق غير شرعية”.

عدد سكان المخيم شهد تقلبات حادة خلال السنوات الأخيرة. ففي نيسان عام 2019، بلغ العدد ذروته عند نحو 74 ألف شخص، عقب معركة الباغوز في 9 شباط 2019. وبحلول حزيران 2025 انخفض العدد إلى نحو 37 ألفاً، بينهم قرابة 15 ألف سوري، وأكثر من 2200 عراقي، ونحو 6500 من 42 جنسية أجنبية. وفي مطلع شباط الجاري 2026، قُدّر العدد بنحو 24 ألف شخص، قبل أن تشير مصادر إنسانية منتصف الشهر ذاته إلى أن قطاع الأجانب بات شبه فارغ، ولم يبقَ فيه سوى نحو 20 عائلة.

حادث أمني وتداعيات إنسانية علّقت النشاط الأممي في مخيم الهول

في 13 شباط الجاري 2026، أعلنت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين تعليق جميع أنشطتها داخل المخيم، بعد حادث أمني وقع يوم الخميس 12 شباط، تخلله مظاهرة خارج البوابة الرئيسية أعقبها رشق أحد مباني الأمم المتحدة بالحجارة. بحسب الرسالة الداخلية الموجهة إلى الشركاء، تم إجلاء جميع موظفي الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية عبر مخارج الطوارئ دون تسجيل إصابات، وغادرت الفرق الأممية الموقع عند منتصف نهار الخميس.

الاحتجاجات في المخيم جاءت بعد أسبوع تقريباً من توقف بعض المساعدات الغذائية والطبية، وتعليق توزيع الخبز المدعوم من منظمة “بلومونت”، مع استمرار خدمات المياه المدعومة من منظمة الأمم المتحدة للطفولة. المحتجون طالبوا بالسماح بالمغادرة “أسوة” بمن غادروا، وسط تقارير عن خوج مئات الأشخاص خلال الأيام السابقة.

مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، أشار إلى أن استئناف العمل مرهون بتقييم أمني لتجريه بعثة إدارة الأمن والسلامة (UNDSS). وفي 15 شباط 2026، صرّح ممثل المفوضية في سوريا، “غونزالو فارغاس يوسا“، أن المفوضية رصدت “انخفاضاًً ملحوظاً” في عدد السكان خلال الأسابيع الأخيرة، وأن السلطات السورية أبلغتها بخطة لنقل من تبقى.

تاريخياً، عانى مخيم الهول من أزمات إنسانية شديدة. ففي آب 2020 توفي خمسة أطفال دون الخامسة خلال 4 أيام بسبب سوء التغذية، وفق تقرير “اليونيسيف”. كما شهد المخيم في أيار 2025 حملة أمنية أسفرت عن اعتقال 20 شخصاً وضبط 15 خلية نائمة و10 قطع سلاح، قبل أن تكشف وزارة الداخلية السورية في 25 حزيران أن منفذي تفجير كنيسة مار إلياس في دمشق 22 حزيران قد قدموا من المخيم.

اقرأ أيضاً: مخيم الهول بين الإنسانية والتحديات الأمنية.. إليك قصته من بداية التسعينات

النقل إلى “أخترين” في حلب هل هناك مجال للاستيعاب؟

أكدت بلدية ناحية “أخترين” شمالي حلب عن بدء التحضيرات لنقل قاطني مخيم الهول عبر حافلات وسيارات شحن. الوجهة هي مخيم “آق برهان” في ريف أخترين، شمال شرقي البلدة.

يقع مخيم “آق برهان” على مساحة 31 هكتاراً، ويضم أكثر من 3000 وحدة سكنية، بطاقة استيعابية تقارب 1500 عائلة. بدأت مؤسسةإدارة الكوارث التركية “آفاد” إنشاءه قبل نحو ستة أشهر من سقوط النظام السابق في سوريا، وشاركت في بنائه 50 آلية، واستمر العمل بعد ذلك. المخيم مجهز ببنية تحتية تشمل مدارس، مساجد، أسواقاً، مراكز صحية وأفراناً.

حسب التصريحات الرسمية، فإن الخطة تهدف إلى تأمين العائلات وتنظيم وجودهم ضمن موقع خاضع لإشراف وزارة الداخلية السورية. تقديرياً إذا افترضنا متوسط 4 إلى 5 أفراد للعائلة الواحدة، فإن الطاقة القصوى قد تصل إلى ما بين 6000 و7500 شخص، ما يعني أن النقل سيكون على دفعات، في حال تجاوز العدد المتبقي هذا السقف.

في حال نظرنا لعملية النقل من الناحية الديمغرافية، فإن نقل ما تبقى من الهول إلى ريف حلب سيعيد توزيع كتلة سكانية كانت تتمركز في أقصى الشمال الشرقي إلى منطقة تبعد مئات الكيلومترات غرباً. التأثيرات المحتملة ربما تشمل ضغطاً على الخدمات المحلية، كذلك ربما تفرض تحديات أمنية مرتبطة بملف عائلات تنظيم “داعش”، إضافةً إلى أعباء إدارية تتعلق بالتدقيق الأمني، ومنح الوثائق المدنية وإعادة الدمج.

لكن بالمقابل، ترى الجهات الرسمية أن نقل السكان إلى موقع أصغر مساحة وأكثر تنظيماً قد يسهل الرقابة الأمنية، ويقلل من مخاطر الفرار، خاصةً بعد إفراغ قطاع الأجانب تقريباً وانخفاض العدد الإجمالي إلى ما دون نصف ذروة 2019.

هل النقل يعني إغلاق مخيم الهول؟

أسس المخيم عام 1991 لاستقبال لاجئي حرب الخليج، وتم إعادة افتتاحه في نيسان 2016، وصولاً إلى ذروة الاكتظاظ فيه في نيسان عام 2019 بما يقارب 74 ألف ساكن. ولطالما شكل المخيم عقدة أمنية وإنسانية استمرت على الأقل سبع سنوات بين عامي 2019 و2026، انخفض العدد من 74 ألفاً إلى أقل من 24 ألفاً، ثم إلى بضعة آلاف وفق لتقديرات آخر التقارير في شهر شباط الحالي.

إن تعليق أنشطة الأمم المتحدة في 13 شباط 2026، وانسحاب قسد أواخر كانون الثاني، وخطة النقل المعلنة في 15 و17 فبراير،شكلت تسلسلاً زمنياً مكثفاً خلال أقل من 20 يوماً، قد يعيد رسم المشهد بالكامل.  بيد أن إنهاء الموقع جغرافياً، لا يعني بالضرورة إنهاء الملف على المستويين السياسي والأمني، فالقضية تتعلق بعشرات الجنسيات، وبملفات قضائية مفتوحة، وبإعادة إدماج آلاف النساء والأطفال.

في حال كان “مخيم الهول” يقترب من طي صفحته، فإن الأسئلة المرتبطة بسكانه ستظل ممتدة وإن تغير العنوان من “الهول” إلى “أخترين”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى