المجتمع السوري

مجلس الشعب ينعقد.. الحركة العامة تتوقف في دمشق!

بقلم هلا يوسف

فرح ملايين السوريين بتشكيل مجلس الشعب الذي سينقل باسمهم مشاكلهم إلى الحكومة، ويصون حقوقهم أمام الدولة. لكن أن يسبب هذا المجلس “أزمة” منذ بدايته للمواطن! هذا ما لم يحسبه المواطن. آلاف السوريين تأخروا عن أعمالهم، ومنهم من توقفت تماماً، ومنهم من انتظروا ساعات حتى استطاعوا الوصول إلى أشغالهم، والسبب: الطرقات المغلقة بسبب انعقاد جلسة لمجلس الشعب.

هل من الضروري أن تتوقف حركة مدينة كاملة بسبب اجتماع لمجلس الشعب؟ هذا السؤال بدأ يطرحه كثير من المواطنين مع انعقاد الجلسة الثانية لمجلس الشعب في سوريا، بعدما تحولت مناطق من العاصمة دمشق إلى ما يشبه المدينة المغلقة، نتيجة إغلاق عدد من الطرقات المحيطة بالمجلس وانتشار الحواجز الأمنية، مما أدى إلى ازدحامات مرورية خانقة وأربك حركة الناس.

المشكلة هنا ليست فقط في أن المواطن تأخر نصف ساعة أو ساعة عن موعده، بل المشكلة تكمن في أن الكثير من السوريين يعيشون اليوم وسط ظروف صعبة، وكل شخص لديه التزاماته ومصاريفه وعمله الذي ينتظر منه أن يؤمن له دخله اليومي. لذلك، فإن إغلاق الطرقات وتعطيل الحركة قد يعني بالنسبة لبعض الناس خسارة وقت ومال لا يستطيع تحملها في حال استمرار هذا الوضع، وقطع الطرقات في كل حدث أو ضيف يزور سوريا.

حتى تخطى الأمر لدى بعض المواطنين الشكوى من الازدحام إلى المطالبة بالبحث عن مكان آخر لعقد اجتماعات المجلس، أو إيجاد طريقة تسمح بانعقاد الجلسات من دون أن تتعطل حركة العاصمة.

عندما يصبح مبنى مجلس الشعب مرتبطاً في ذهن المواطن بالازدحام

من الطبيعي أن ينظر المواطن إلى مجلس الشعب باعتباره مؤسسة تمثله، وأن يشعر بأن هذا المكان هو المكان الذي تُناقش فيه قضاياه ومشكلاته، وأن أعضاءه موجودون من أجل الدفاع عن مصالح الناس ونقل صوتهم. لكن الشيء الذي يجب أن ينتبه له الجهات المعنية هو أن يرتبط اسم المجلس بإغلاق الطرقات والازدحام وتعطيل حركة السير في ذهن المواطن، مما يجعله عبء عليه.

هنا تظهر المشكلة بشكل أكبر من مجرد أزمة مرورية. فمن وجهة نظر علم النفس السياسي، فإن المؤسسات لا تعتمد فقط على وجودها الرسمي، وإنما تحتاج أيضاً إلى وجود رمزي في وعي الناس. لذلك يفترض لمجلس الشعب أن يكون، بالنسبة للمواطن، بيتاً للشعب ومكاناً يمثلهم، ورمزاً للمشاركة والرقابة والتشريع. وبما أن صورة المجلس السابقة التي لا تقدم ولا تؤخر في حياة الناس لا تزال موجودة، تخلخلت الصورة الرمزية لمجلس الشعب. وهذا يظهر تماماً في كلام المواطنين حول ضرورة نقل مكان الاجتماعات لأي مكان، وكأن الامر لا يعنيه تماماً.

وعندما تأتي انعقاد جلسة المجلس مع إغلاق للطرقات الحيوية في العاصمة، فقد تترسخ هذه الفكرة في ذهن المواطن، ويريد فقط أن لا تتعطل أعماله، بغض النظر عن ما سيناقش أعضاؤه في الجلسة.

وهذا ما يمكن أن نفهمه من حجم التعليقات التي انتشرت حول الموضوع. فكثير من المواطنين عبروا عن انزعاجهم من إغلاق الطرقات، وقالوا إن البلاد في ظروف لا تحتمل تعطيل الحياة اليومية.

ومن بين العبارات التي عبر بها بعضهم عن غضبه: “هاد مو حل تسكر البلد وتعطل دورة الحياة اليومية منشان اجتماع، وخاصة نحنا بوضع ما بنتحمل أي عطلة”.

وقد تداولت بعض التعليقات أن النائب الدكتور محمد الحلبي تحدث عن المشكلة خلال مداخلته الأولى، مطالباً بإيجاد حلول بدلاً من إغلاق الطرقات المحيطة بالمجلس طوال فترة انعقاد الجلسات، خصوصاً أن مبنى البرلمان موجود في منطقة حيوية وتجارية في دمشق.

هل المشكلة أمنية أم أن السبب هو أماكن وقوف السيارات؟

وسط كل هذا الجدل، جاء اقتراح آخر يحاول النظر إلى المشكلة من زاوية مختلفة. فقد تساءل صانع المحتوى ياسر البيطار حول سبب إغلاق الطرقات عند انعقاد جلسة لمجلس الشعب، مستبعداً احتمال أن يكون السبب أمني، خصوصاً أن أعضاء المجلس هم في النهاية من أبناء المجتمع، ويمكن رؤيتهم ومقابلتهم في حياتهم اليومية.

لكن عندما بدأ يفكر في عدد الأشخاص الذين سيحضرون إلى المجلس، ظهرت أمامه مشكلة أخرى ربما تكون مرتبطة بمواقف السيارات. فعدد أعضاء مجلس الشعب الجديد يبلغ تقريباً 210 أعضاء، وإذا أضفنا إليهم الموظفين والإداريين والمنظمين والإعلاميين، فقد يصل عدد الموجودين في المكان إلى نحو 360 شخصاً.

والآن تخيل معي أن كل شخصين تقريباً يصلان بسيارة واحدة. هذا يعني أننا نتحدث عن نحو 180 سيارة تحتاج إلى مكان للوقوف. فأين ستتوقف كل هذه السيارات؟ هل ستجد لها مكاناً قريباً من المجلس؟ وهل هناك مواقف قادرة على استيعاب هذا العدد الكبير من السيارات في منطقة حيوية ومزدحمة أصلاً؟

من هنا، يرى البيطار أن إغلاق الشوارع المحيطة بالمجلس قد يكون مرتبطاً بتأمين أماكن لوقوف سيارات الأعضاء والموظفين، وليس بالضرورة بسبب إجراءات أمنية فقط. لكن حتى لو كان هذا هو السبب، لا بد من وجود حل.

وفي الإشارة إلى الحل، نوه البيطار إلى وجود مرآب المواصلات المحاذي لمجلس الشعب، والذي يقدر، بحسب تقديره الشخصي، بأنه قادر على استيعاب نحو 400 سيارة. وهنا جاء اقتراحه ببساطة بأنه لماذا لا يتم تخصيص المرآب أو استئجار كامل المرآب، أو بعض طوابقه، لسيارات أعضاء مجلس الشعب والموظفين في أيام انعقاد الجلسات؟

بهذه الطريقة، يمكن أن تجد السيارات مكاناً مناسباً، وفي الوقت نفسه يتم فتح الطرقات المحيطة بالمجلس أمام المواطنين. وقد تكون تكلفة استئجار المرآب، مهما بلغت، أقل من الخسائر التي تنتج عن الازدحام وتعطل حركة الناس وتأخرهم عن أعمالهم ومواعيدهم، فضلاً عن الوقت والوقود اللذين يضيعان في الشوارع. والفكرة من ذلك هو إيجاد حل يرضي الجميع.

“خلونا نعقد جلسات مجلس الشعب أونلاين”.. رسالة المواطن الذي يريد أن يعمل

مع استمرار النقاش حول إغلاق الطرقات، ظهر اقتراح آخر من بعض المواطنين، يبدو ساخراً من الوضع، لكنه في الحقيقة يعكس حجم الضيق الذي يشعر به الناس. فقد قال البعض: لماذا لا تُعقد جلسات مجلس الشعب “أونلاين”؟

قد يقول البعض إن عقد جلسات البرلمان بهذه الطريقة ليس أمراً سهلاً، وهناك إجراءات وقوانين وترتيبات يجب أخذها بعين الاعتبار، وهذا صحيح. لكن عندما يصل المواطن إلى مرحلة يطالب فيها بعقد الاجتماعات عن بُعد فقط حتى لا تُغلق شوارع مدينته، فهذا يعني أن هناك مشكلة حقيقية تحتاج إلى الاستماع إليها.

فالمواطن العادي لا يريد المستحيل. هو يريد فقط أن يذهب إلى عمله ويعود إلى منزله في الوقت المناسب. يريد أن يعمل حتى يؤمن ثمن ربطة الخبز وأجرة البيت ومصاريف أسرته. لذلك، عندما يتم إغلاق الطرقات لساعات، فإن الموضوع بالنسبة إليه ليس مجرد ازدحام عابر.

في النهاية، المشكلة لا تتعلق بمجلس الشعب بذاته، بل بكل موكب مسؤول أو زيارة رسمية لمسؤول خارجي إلى دمشق. ففي كل مرة يضطر المواطنون لتحمل تكاليف هذه الإجراءات من وقتهم ومالهم. لذلك إيجاد حلول لهذه المشكلة أصبح ضرورة حتى لا يفقد مجلس الشعب لمعناها الحقيقي.

اقرأ أيضاً: بعد الإجماع على ترأسه مجلس الشعب.. من هو عبد الحميد العواك؟

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى