مجلس الشعب والتمثيل المحلي: هل تنجح التعيينات في تعويض غياب الانتخابات الواسعة؟

الكاتب: أحمد علي
اكتمل تشكيل مجلس الشعب السوري الجديد في 1 تموز 2026 بإعلان الثلث المعيّن من الرئيس أحمد الشرع. والرقم الأساسي معروف، فالمجلس مكون من 210 مقاعد، ثلثاه عبر هيئات ناخبة محلية، وثلثه بالتعيين. لكن سؤال التمثيل لا يتوقف عند اكتمال الأسماء، ففي بلد خرج من فراغ مؤسساتي واسع، ستراقب المحافظات والبيئات المحلية ما إذا كان العضو قادراً على نقل حاجاتها، أو أنه جزء من ترتيب مؤقت يملأ المقعد من دون أن يفتح قناة فعلية بين المجتمع والسلطة.
هذا هو جوهر النقاش حول مجلس الشعب والتمثيل المحلي، فالسلطات تقول إن صيغة الهيئات الناخبة والتعيينات جاءت نتيجة ظروف انتقالية صعبة، من النزوح الواسع إلى تعطل السجلات والاختلالات الأمنية في بعض المناطق. ومنتقدون يرون أن غياب الاقتراع العام المباشر يبقي شرعية المجلس ناقصة، مهما اتسعت الأسماء وتنوعت الخلفيات. بين هذين الموقفين يقع الاختبار العملي: هل يستطيع المجلس أن يتصرف كجسم يمثل مناطق حقيقية، أم سيبقى تمثيله محكوماً بطريقة تشكيله؟
مجلس الشعب والتمثيل المحلي
أعلنت اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب، برئاسة محمد طه الأحمد، أسماء أعضاء المجلس في مؤتمر صحفي بدمشق، بمن فيهم 70 عضواً اختارهم الرئيس ضمن ما سمي الثلث المكمل. ووفق ما نشرته وكالة سانا، صدر المرسوم الرئاسي رقم 143 لعام 2026 متضمناً تسمية أعضاء مجلس الشعب السوري الجديد، استناداً إلى أحكام الإعلان الدستوري.
آلية التشكيل لم تكن انتخاباً عاماً بالمعنى المعروف. المادة 24 من الإعلان الدستوري، كما عرضتها سانا، تنص على تشكيل لجنة عليا تشرف على هيئات فرعية ناخبة تختار ثلثي الأعضاء، بينما يعيّن رئيس الجمهورية الثلث الباقي لضمان التوازن والتمثيل العادل والكفاءة. كما حددت المادة 26 مدة المجلس بثلاثين شهراً قابلة للتجديد، إلى حين اعتماد دستور دائم وإجراء انتخابات جديدة وفقاً له.
العدد المعلن للمجلس هو 210 أعضاء، منهم 140 عبر الهيئات الناخبة و70 بالتعيين الرئاسي. غير أن التغطيات الصحفية المحلية أشارت أيضاً إلى واقع غير مكتمل في محافظة السويداء، حيث لم تجر الانتخابات بسبب الظروف الأمنية. الجزيرة ذكرت أن المرسوم شمل 207 أعضاء من أصل 210، مع بقاء ثلاثة مقاعد مرتبطة بالسويداء غير محسومة انتخابياً، بينما جرى تمثيل المحافظة بعضوين من قائمة التعيينات.
توزيع المقاعد يبيّن حجم التفاوت بين المحافظات، فحلب تتصدر الخريطة بـ46 عضواً، تليها حمص بـ18، ثم ريف دمشق وحماة وإدلب والحسكة بواقع 17 مقعداً لكل منها. دير الزور لها 16 مقعداً، ودمشق 15، بينما تتراجع حصص محافظات أخرى مثل القنيطرة والسويداء. وهذا التوزيع يستند في جزء كبير منه إلى الحساب السكاني، لكنه يفتح نقاشاً حول وزن المناطق المتضررة من الحرب والنزوح، وحول قدرة الأعضاء على حمل ملفات محافظاتهم لا مجرد تمثيلها رقمياً.
ما الذي تعوّضه التعيينات؟
قائمة الثلث المعين حاولت معالجة بعض الاختلالات التي ظهرت بعد المرحلة الأولى من اختيار الأعضاء. بحسب ما نقل عن اللجنة العليا، ضمت القائمة 55 رجلاً و15 امرأة، وبين الأعضاء 5 من ذوي الاحتياجات الخاصة و13 معتقلاً سابقاً، كما توزعت بين 47 من الكفاءات و23 من الأعيان. سانا أضافت أن القائمة شملت 17 من حملة الدكتوراه و12 من حملة الماجستير و18 من حملة الإجازة الجامعية.
مع ذلك، لا تكفي إضافة فئات اجتماعية أو مهنية لتجاوز مشكلة غياب التصويت العام. فالتمثيل المحلي لا يقوم على السيرة الشخصية وحدها، بل على علاقة واضحة بين العضو والبيئة التي يتحدث باسمها. الناخب في الاقتراع الواسع يعرف غالباً من اختار، ويستطيع محاسبته سياسياً أو اجتماعياً في دورة لاحقة. في الحالة الحالية، العلاقة أضعف، بعض الأعضاء جاءوا عبر هيئات ناخبة محدودة، وبعضهم جاء بالتعيين، وهذا يجعل المسافة بين المواطن والمقعد النيابي أطول.
والمسألة لا تعني إسقاط قيمة المجلس قبل أن يبدأ عمله، سوريا تمر بمرحلة انتقالية يصعب فيها تنظيم انتخابات عامة كاملة، وهذا ما ذكرته تقارير دولية عند الحديث عن النزوح، وغياب بيانات سكانية مستقرة، وخروج مناطق من السيطرة الحكومية لفترات متفاوتة. لكن الاعتراف بصعوبة الظرف لا يلغي الحاجة إلى معايير علنية. فكلما كان اختيار الأعضاء واضحاً، وكلما عرف المواطن لماذا اختير هذا الاسم دون غيره، زادت فرصة قبول الصيغة المؤقتة، فالغموض يفتح الباب سريعاً لاتهامات المحاباة أو إعادة إنتاج النفوذ المحلي بلباس جديد.
تظهر هنا أهمية التمييز بين تمثيل المحافظة وتمثيل المجتمع المحلي. قد يكون للمحافظة عدد جيد من المقاعد، لكن هذا لا يضمن أن تكون المدن الصغيرة والبلدات والشرائح المهنية والمهجرون والنازحون حاضرين في النقاش. وقد يضم المجلس أسماء متعلمة أو معروفة، لكن ذلك لا يعني أنها تملك قناة تواصل مستقرة مع الناس. لهذا يصبح دور العضو بعد التسمية أهم من طريقة التسمية نفسها: هل يفتح مكتباً محلياً؟ هل يستمع إلى المجالس والفعاليات؟ هل يرفع مشكلات الخدمات والإدارة والأمن الاقتصادي؟ هذه أسئلة عملية، لا ترف سياسي.
الشرعية بعد الجلسة الأولى
الجلسة الأولى للمجلس، المقررة اليوم في 6 تموز 2026 وفق دعوة محمد طه الأحمد، والتي تم تأجيلها إلى موعد غير محدد، ستمنح المؤسسة شكلها التنظيمي الأول عبر أداء القسم وانتخاب مكتب المجلس، وبعدها يبدأ الجزء الأصعب. فالمجلس الذي تشكل بلا انتخابات عامة يحتاج إلى إنتاج شرعية أداء، لا الاكتفاء بشرعية النص الانتقالي. وهذا يعني أن حضوره في المحافظات يجب أن يظهر مبكراً، وأن لا تبقى العلاقة مع المواطنين محصورة في البيانات الرسمية أو الصور البروتوكولية.
الانتقادات الخارجية والداخلية تدور غالباً حول نقطة واحدة: تركيز السلطة في الرئاسة خلال المرحلة الانتقالية. وكالة رويترز نقلت أن منتقدين يعتبرون طريقة التشكيل عاملاً قد يحد من استقلالية المجلس، بينما رأت دراسة لمؤسسة إيتانا أن الآلية أنتجت مجلساً مختاراً أكثر مما أنتجت مجلساً منتخباً. وهذه الآراء لا تلغي وجود ضرورة لإعادة بناء مؤسسة تشريعية بعد سقوط السلطة السابقة، لكنها تضع سقفاً واضحاً للثقة، فالثقة لن تأتي من خطاب الشمولية وحده، بل من طريقة العمل.
السويداء تقدم مثالاً صعباً على حدود التمثيل المحلي في المرحلة الراهنة، وعدم إجراء الانتخابات هناك بسبب الظروف الأمنية، مع تعيين عضوين من المحافظة، يخفف الفراغ جزئياً لكنه لا يحل المشكلة. فالمنطقة التي لا تشارك في اختيار ممثليها ستبقى أكثر حساسية تجاه أي قرار يصدر باسمها. والأمر نفسه ينطبق، بدرجات مختلفة، على المناطق التي شهدت انتخابات لاحقة أو انتقالاً أمنياً مضطرباً. التمثيل في هذه الحالات يحتاج إلى حوار محلي مستمر، وإلى إعلان مواعيد واضحة لاستكمال ما تأجل عندما تسمح الظروف.
الأثر الأكبر للمجلس سيظهر في طريقة تعامله مع القضايا المحلية اليومية. السوريون لا ينتظرون من العضو خطاباً عاماً عن المرحلة الانتقالية فقط. يريدون من ينقل شكاوى الخدمات، ويضغط باتجاه حل مشكلات الإدارة، ويطرح أسئلة عن الإنفاق، ويشرح لهم ما يجري داخل المؤسسة التشريعية. إذا بقي العضو بعيداً عن محافظته، ستتكرس فكرة أن المجلس شكل سياسي أعلى من المجتمع. وإذا بنى علاقة عمل مع منطقته، يمكن للتجربة أن تخفف جزءاً من نقص الشرعية الانتخابية إلى حين الوصول إلى انتخابات أوسع.
الخلاصة أن التعيينات تستطيع معالجة بعض النقص في التركيبة، لكنها لا تستطيع وحدها تعويض غياب الانتخابات الواسعة. والتوازن الحقيقي يحتاج إلى قواعد اختيار معلنة، وتمثيل مناطقي قابل للمراجعة، وعمل ميداني منظم، وزمن محدد للانتقال إلى اقتراع عام حين تصبح الظروف ممكنة. مجلس الشعب الجديد أمام فرصة محدودة: أن يحول الصيغة المؤقتة إلى قناة تمثيل قابلة للثقة، أو أن يثبت مخاوف من يرون فيه مؤسسة غير منتخبة مكتملة عددياً وناقصة سياسياً.
اقرأ أيضاً: مجلس الشعب الجديد: ما الأولويات والمهام المطلوبة؟









