مجلس الشعب الجديد والمرحلة المقبلة: أي أولويات تنتظر السلطة التشريعية؟

الكاتب: أحمد علي
لا يدخل مجلس الشعب الجديد إلى الحياة العامة من باب البروتوكول وحده، هذه مؤسسة يفترض أن تحمل جزءاً من وزن المرحلة، لا أن تكتفي بصورة الجلسة الأولى ولا بلغة الافتتاح. فالبلد الذي يخرج من سنوات طويلة من الانقسام والتراجع لا يحتاج إلى مجلس يضيف طبقة جديدة من الكلام، بل إلى سلطة تشريعية تعرف أين تبدأ، وما الذي يمكن تأجيله، وما الذي لا يجوز تركه ليوم آخر.
المسألة هنا ليست في وجود مجلس أو عدمه فقط. المسألة في المعنى العملي لهذا الوجود. هل يستطيع المجلس أن يراجع التشريعات السابقة؟ هل يراقب الموازنة؟ هل يسأل الوزراء عن الأرقام لا عن النيات؟ وهل يكون قادراً على تحويل المرحلة الانتقالية من إدارة يومية للأزمة إلى مسار مؤسساتي أكثر وضوحاً؟ هذه أسئلة بسيطة في ظاهرها، لكنها تلامس أصل الوظيفة التشريعية في أي بلد يحاول إعادة ترتيب دولته.
ومن الطبيعي أن يلتفت النقاش العام إلى تركيبة المجلس وأسماء أعضائه. لكن هذا ليس كافياً. فالمقاعد لا تصنع سلطة وحدها. النظام الداخلي، اللجان، قواعد التصويت، علنية المحاضر، طريقة استدعاء الوزراء، ونشر البيانات المالية، كلها تفاصيل تبدو إجرائية، لكنها في الحقيقة تحدد إن كان مجلس الشعب الجديد سيعمل كسلطة تشريعية أم كجسم سياسي محدود الأثر.
مجلس الشعب الجديد بين الشرعية والوظيفة
حدد الإعلان الدستوري لعام 2025 الإطار العام للسلطة التشريعية في المرحلة الانتقالية. وبحسب هذا الإطار، يمارس مجلس الشعب السلطة التشريعية حتى اعتماد دستور دائم وإجراء انتخابات جديدة وفقه. كما نص على أن تنتخب هيئات فرعية ثلثي أعضاء المجلس، وأن يعين رئيس الجمهورية الثلث الباقي لضمان التمثيل العادل والكفاءة. مدة الولاية حددت بثلاثين شهراً قابلة للتجديد. هذه المدة قصيرة إذا قيست بحجم الملفات، وطويلة إذا بقيت المؤسسة بطيئة أو معلقة.
أصدرت اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب في الأول من تشرين الثاني 2025 القرار رقم 79 المتضمن النتائج النهائية لانتخاب أعضاء المجلس في الدوائر المقررة. وكانت العملية الانتخابية غير مباشرة، ضمن مجلس مؤلف من 210 مقاعد، على أن ينتخب نحو 140 عضواً ويعين 70 عضواً. لكن نتائج المرحلة الأولى كشفت أسئلة تمثيلية لا يمكن تجاهلها. رويترز نقلت عن مسؤول في اللجنة أن تمثيل النساء وبعض الأقليات الدينية جاء منخفضاً، وأن التعيينات قد تستخدم لمعالجة بعض السلبيات. ووفق تحليل رقمي نشره كرم شعار، لم تتجاوز النساء 4.9 في المئة من الأعضاء المنتخبين حتى تلك المرحلة، أي 6 نساء من أصل 122 عضواً منتخباً.
لا تكفي معالجة هذه الفجوة بزيادة عددية صامتة. الأرقام مهمة، لكنها ليست نهاية المسألة. إذا جرى تعيين الثلث الأخير من دون معايير معلنة، فسيبقى السؤال قائماً. وإذا أُعلنت المعايير، ولو ضمن حدود سياسية مفهومة، يمكن أن تساعد على تخفيف الشكوك وعلى رفع كلفة التهميش مستقبلاً. فالتمثيل في مرحلة انتقالية ليس زينة. إنه جزء من بناء الثقة.
هناك أيضاً سؤال التأخر. مركز جسور للدراسات ربط تأخر انعقاد المجلس بعوامل سياسية وأمنية وتمثيلية، منها استكمال الانتخابات في بعض المناطق، وترتيب الثلث المعين، وحساسية العلاقة بين السلطة التنفيذية وباقي مؤسسات المرحلة. قد تكون بعض هذه الأسباب واقعية. غير أن الواقع لا يلغي الأثر. كلما تأخر تفعيل السلطة التشريعية اتسع هامش السلطة التنفيذية في إصدار القرارات والمراسيم، وضاق هامش النقاش العام حولها.
هنا بالتحديد تبدأ وظيفة المجلس. لا من خطابه الأول، بل من نظامه الداخلي. الإعلان الدستوري يطلب إعداد هذا النظام خلال شهر من أول جلسة. وهذه فرصة لا اختباراً إدارياً فقط. يجب أن يوضح النظام كيف تعمل اللجان، وكيف تنشر الجلسات، وكيف تطرح الأسئلة على الوزراء، وكيف تعلن الذمم والمصالح، وكيف يعرف المواطن موقف نائبه من قانون أو موازنة. من دون ذلك يبقى المجلس حاضراً بالاسم، غائباً بالوظيفة.
التشريع والموازنة ورقابة المال العام
ليست القوانين في هذه المرحلة نصوصاً تقنية محايدة. كل قانون يصدر الآن سيترك أثراً في شكل الدولة المقبلة. قانون الأحزاب سيحدد معنى المشاركة السياسية. قانون الإعلام سيحدد حدود القول العام. قانون الجمعيات والنقابات سيحدد مساحة المجتمع. قانون الإدارة المحلية سيجيب عن سؤال المركز والأطراف. وقوانين الاستثمار والضرائب والعمل ستحدد ما إذا كان التعافي الاقتصادي سيذهب إلى الناس أو إلى دائرة ضيقة من المصالح.
بمعنى آخر، لا توجد أولوية تشريعية منفصلة عن حياة السوريين. قانون الاستثمار لا يختبر بعدد الإعفاءات التي يمنحها، بل بقدرته على خلق فرص عمل، وحماية المنافسة، ومنع الامتيازات المغلقة. قانون الضرائب لا يقاس بخفض النسب فقط، بل بعدالته وقدرة الدولة على تحصيله دون تعسف. قانون الإعلام لا يكفي أن يعلن حرية التعبير، بل يجب أن يحدد القيود بوضوح، ويحمي الصحفي من العبارات الفضفاضة، ويمنع التحريض في الوقت نفسه.
لكن بوابة الاختبار الأوسع ستكون الموازنة. نسخة المواطن لموازنة 2026 الصادرة عن وزارة المالية قدرت النفقات بنحو 10.516 مليارات دولار، والإيرادات بنحو 8.716 مليارات دولار، والعجز بنحو 1.799 مليار دولار، أي 5.3 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي المتوقع. كما توزعت النفقات المقدرة على 41 في المئة للأنشطة الصحية والتعليمية والحماية الاجتماعية، و33 في المئة للدفاع والأمن الوطني، و26 في المئة للخدمات العامة.
هذه الأرقام لا ينبغي أن تمر كما تمر النشرة الرسمية. وظيفة المجلس أن يسأل عن الفرضيات التي تقف وراءها. هل الإيرادات قابلة للتحقق؟ ما حجم التمويل الخارجي المتوقع؟ ما الحدود الآمنة للعجز؟ كيف ستراقب نفقات الدفاع والأمن؟ وهل يصل الإنفاق الاجتماعي فعلاً إلى المدرسة والمشفى ومراكز الحماية، أم يذوب في نفقات إدارية ورواتب لا تكفي وحدها لصنع خدمة عامة؟
صندوق النقد الدولي أشار في شباط 2026 إلى أن الاقتصاد السوري يظهر علامات تعاف، لكنه شدد على حماية الإنفاق الاجتماعي، وتعزيز شبكة الأمان للفئات الأكثر هشاشة، وتحسين كفاءة وشفافية الإنفاق العام، وتقييم المشاريع الاستثمارية الكبيرة بما يحد من الالتزامات المالية المحتملة. هذه ملاحظات تبدو تقنية، لكنها تمس صلب السياسة. فالمال العام هو المكان الذي تنكشف فيه الأولويات بلا خطب.
وحين يقدر البنك الدولي كلفة إعادة إعمار الأصول المادية المتضررة في سورية بنحو 216 مليار دولار، مع أضرار مباشرة تقارب 108 مليارات دولار، يصبح واضحاً أن أي موازنة سنوية، مهما اتسعت، لن تحمل وحدها هذا العبء. لذلك ستكون مهمة مجلس الشعب الجديد في ترتيب الأولويات أكثر أهمية من رفع سقف الوعود. إعادة الإعمار ليست كلمة عامة. هي عقود، تمويل، رقابة، مناطق أكثر تضرراً، ومفاضلات صعبة بين الطريق والمدرسة والمشفى والكهرباء والسكن.
ومن هنا تأتي الرقابة. ليست الرقابة مشهداً تلفزيونياً ولا مناسبة لرفع الصوت. الرقابة أن يسأل النائب وزير الكهرباء عن ساعات التغذية ومصادر التمويل، ووزير الصحة عن الدواء والكوادر والهجرة الطبية، ووزير التربية عن المدارس المرممة والكتب والمعلمين، ووزير المالية عن العجز والدين والإيرادات. لا اتهام مسبقاً ولا تبرئة مسبقة. فقط سؤال محدد، وجواب محدد، ومتابعة لاحقة.
العدالة والعودة وحدود الانتقال
هناك ملفات لا تتحمل الترحيل الطويل. العدالة الانتقالية والمفقودون في مقدمتها. في أيار 2025 أعلنت السلطات السورية تشكيل لجنة وطنية للعدالة الانتقالية ولجنة وطنية للمفقودين. مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان رحبت بالخطوة، لكنها شددت على أن تكون العملية شاملة ومتمحورة حول الضحايا، وأن تنظر بإنصاف في الانتهاكات التي ارتكبتها جميع الأطراف. ورويترز نقلت أن لجنة المفقودين كلفت بالتحقيق في مصير المفقودين والمختفين قسراً، وتوثيق الحالات، وإنشاء قاعدة بيانات وطنية، وتقديم الدعم الإنساني والقانوني للأسر.
هذا الملف لا يدار بالبيانات وحدها. يحتاج إلى قانون واضح. ما صلاحيات اللجان؟ كيف تحمى الأدلة؟ ما حق العائلات في المعرفة؟ كيف تضمن حقوق المتهمين في محاكمة عادلة؟ وكيف يمنع الانتقام الفردي أو التوظيف السياسي للعدالة؟ منظمات حقوقية، بينها هيومن رايتس ووتش، رأت أن الخطوات الأولى في ملف العدالة والمساءلة تحتاج إلى أطر قانونية ومؤسسية أوضح، وإلى شفافية أكبر، وإلى عدم الانتقائية. هذه ليست ملاحظة خارجية فحسب. إنها شرط داخلي للاستقرار.
العدالة ليست ترفاً أخلاقياً. المجتمع الذي لا يعرف الحقيقة يبقى معلقاً. لا يستطيع أن يغلق الجرح، ولا يستطيع أن يبني ثقة جديدة. وهنا يقع جزء من العبء على السلطة التشريعية. فهي التي تستطيع أن تمنح عمل اللجان إطاراً قانونياً، وأن تمنع تضارب الصلاحيات، وأن تربط المساءلة بالحق لا بالثأر.
ملف العودة لا يقل ثقلاً. المفوضية السامية لشؤون اللاجئين تتحدث عن أكثر من 12 مليون سوري قسراً خارج بيوتهم، بينهم نحو ستة ملايين لاجئ في دول الجوار، وعن تحضير لعودة قد تصل إلى 1.5 مليون لاجئ في 2025. ونسخة المواطن من موازنة 2026 تحدثت عن عودة نحو 1.1 مليون سوري في 2025، وتوقعت عودة نحو مليون إضافي في 2026.
عودة الناس لا تعني عبور الحدود فقط. العائد يحتاج إلى وثيقة، وبيت، ومدرسة، ومركز صحي، وفرصة عمل، وبلدية قادرة على الخدمة، وقانون يحمي الملكية ويعالج النزاعات العقارية. إذا لم توجد هذه السلسلة، تتحول العودة إلى ضغط جديد على المدن والبلدات. وتتحول الفرصة إلى أزمة.
لهذا لا يمكن فصل عودة السوريين عن قانون الإدارة المحلية، ولا عن الموازنة، ولا عن العدالة الانتقالية، ولا عن إعادة الإعمار. كل ملف يشد الآخر. إذا غاب التنسيق، ستظهر الحلول كجزر منفصلة. وإذا حضر التشريع المتدرج، يمكن تحويل هذه الملفات من عبء موزع إلى مسار واضح، ولو كان طويلاً وصعباً.
في النهاية، سيقاس مجلس الشعب الجديد بسؤال واحد لا يحتاج إلى بلاغة. هل جعل السلطة قابلة للمساءلة؟
إذا فعل ذلك، سيكون جزءاً من بناء المرحلة. وإذا اكتفى بإقرار ما يصل إليه من السلطة التنفيذية، فسيصبح إضافة شكلية إلى مشهد لا يحتمل مزيداً من الأشكال. المطلوب ليس مجلساً يصطدم من أجل الاصطدام، ولا مجلساً يصفق من أجل السلامة. المطلوب سلطة تشريعية تعرف حدودها وتستخدمها.
الأولويات واضحة. نظام داخلي شفاف، مراجعة قانونية لما صدر وما ورثته الدولة، رقابة على الموازنة والعقود، تشريعات اقتصادية لا تفتح أبواب الامتياز المغلق، قانون عادل للعدالة الانتقالية والمفقودين، وإطار عملي لعودة السوريين وخدماتهم وحقوقهم. هذه ليست قائمة أمنيات. إنها الحد الأدنى لكي يصبح القانون أداة لترتيب الدولة، لا ورقة جديدة في أرشيفها. فالبلد لا ينتظر كلاماً كبيراً. ينتظر مؤسسة تعمل.
اقرأ أيضاً: مجلس الشعب القادم تحت المجهر: ما أولويات الشارع السوري من ممثليه الجدد؟









