مجلس الشعب الجديد: ما الأولويات والمهام المطلوبة؟

الكاتب: أحمد علي
اكتمل مجلس الشعب الجديد في سوريا مع صدور المرسوم الرئاسي رقم 143 لعام 2026 في الأول من تموز، وتسميته سبعين عضواً ضمن الثلث المعيّن من رئيس الجمهورية أحمد الشرع. بهذا الإعلان يصبح المجلس جاهزاً لعقد جلسته الأولى في 6 تموز، بعد مسار انتخابي غير مباشر بدأ في 2025 واستكمل تباعاً في بعض المناطق خلال 2026. السؤال العملي الآن لا يدور حول عدد المقاعد وحده. السوريون يريدون معرفة ما الذي سيفعله المجلس في أشهره الأولى، وكيف سيتعامل مع قوانين معلقة، ومراسيم سابقة، وملفات يومية تضغط على الدولة والمجتمع.
المجلس مصمم وفق النظام الانتخابي المؤقت على 210 مقاعد، ينتخب ثلثاه عبر هيئات ناخبة، ويعيّن الرئيس الثلث الباقي. الأرقام المتاحة تشير إلى أن 137 عضواً اختيروا سابقاً عبر الانتخابات غير المباشرة، وانضم إليهم 70 عضواً بالتعيين، بينما بقيت مقاعد السويداء الثلاثة مرتبطة بتوفر الظروف المناسبة لإجراء العملية الانتخابية. هذه الصيغة تجعل مجلس الشعب الجديد مؤسسة انتقالية بامتياز. قوته ستقاس بقدرته على تحويل هذه الصيغة المؤقتة إلى عمل تشريعي واضح ومراقبة قابلة للمتابعة.
مجلس الشعب الجديد وحدود التشكيل
الثلث المكمّل ضم، وفق البيانات الرسمية، 23 عضواً من الأعيان و47 من الكفاءات، بينهم 17 من حملة الدكتوراه و12 من حملة الماجستير و18 من حملة الإجازة الجامعية. كما ضم 15 امرأة، ما رفع تمثيل النساء إلى ما يزيد قليلاً على 10 بالمئة بحسب ما نقلته مصادر عدة. هذا التحسين مهم قياساً إلى النتائج الأولى التي أظهرت ضعفاً في حضور النساء وبعض المكونات، لكنه لا يلغي النقاش حول طريقة التمثيل نفسها.
المجلس لا يأتي بعد انتخابات عامة مباشرة، بل ضمن نظام مؤقت بررته السلطات بصعوبة تنظيم اقتراع وطني واسع في بلد خرج من حرب طويلة، وبسبب النزوح وتضرر السجلات والاختلال الأمني في بعض المناطق. هذا التبرير مفهوم من زاوية الواقع الإداري والأمني، لكنه يضع عبئاً إضافياً على المجلس. عليه أن يعوض نقص التفويض الشعبي المباشر بقدر أعلى من الشفافية، وبجلسات علنية، وبإتاحة مشاريع القوانين للنقاش العام قبل التصويت عليها.
تبدأ الجلسة الأولى بانتخاب رئيس المجلس ونائبين وأمين للسر بالاقتراع السري، ثم يفترض أن يعد المجلس نظامه الداخلي خلال شهر. هذه الخطوة الإجرائية ستؤثر في بقية العمل. النظام الداخلي سيحدد طريقة تشكيل اللجان، وحقوق الأعضاء، وآليات مساءلة الوزراء، ونشر المحاضر، وحدود العمل بين الرئاسة والكتل أو المجموعات داخل المجلس. إذا جاء النظام الداخلي مقتضباً أو غامضاً، ستبقى الرقابة ضعيفة حتى لو اتسعت الصلاحيات المكتوبة.
مهام عاجلة أمام المجلس
الإعلان الدستوري والنظام المؤقت يمنحان المجلس مهام تشريعية واضحة، منها اقتراح القوانين وإقرارها، تعديل أو إلغاء القوانين السابقة، التصديق على المعاهدات الدولية، إقرار الموازنة العامة، إقرار العفو العام، وعقد جلسات استماع للوزراء. رئيس اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب محمد طه الأحمد تحدث أيضاً عن ثلاث مهام رئيسة، مراجعة المراسيم السابقة، وإقرار القوانين والأنظمة اللازمة للمرحلة، وتشكيل لجنة لإعداد مسودة دستور جديد تراعي ظروف سوريا وتطلعات السوريين.
الأولوية الأولى هي مراجعة ما صدر من مراسيم وقرارات خلال المرحلة الماضية. كثافة التشريع في الفترات الانتقالية قد تكون مفهومة بسبب الحاجة إلى إعادة تشغيل الدولة، لكنها تحتاج لاحقاً إلى تدقيق علني. المطلوب هنا فرز القوانين المؤقتة، ومعرفة ما يجب تثبيته، وما يحتاج إلى تعديل، وما ينبغي إلغاؤه لأنه يتعارض مع الحقوق العامة أو يربك عمل المؤسسات. هذا العمل لا ينجح عبر جلسات سريعة. يحتاج إلى لجان قانونية مختصة، وإلى سماع منظمات حقوقية ونقابات وخبراء اقتصاد وإدارة.
الأولوية الثانية تتصل بالعدالة الانتقالية. لا يمكن للمجلس أن يترك هذا الملف للجان وحدها، لأن التشريع سيحدد في النهاية شكل الحق في المعرفة، وآليات المحاسبة، وحماية الشهود، وتعويض الضحايا، ومكانة المفقودين والمعتقلين السابقين. أي قانون في هذا المجال يحتاج إلى حذر شديد. الإفراط في العمومية قد يفرغ العدالة من مضمونها، والتسرع قد يفتح نزاعات جديدة. لذلك تبدو جلسات الاستماع العامة ضرورية قبل إقرار أي نص نهائي.
الأولوية الثالثة هي قانون الحياة السياسية والانتخابات المقبلة. المجلس الحالي مؤقت، ومدة ولايته 30 شهراً قابلة للتجديد. هذا يعني أن مهمته الحقيقية لا تقتصر على إدارة المرحلة الحالية، بل على وضع قواعد الانتقال إلى تمثيل أوسع وأكثر استقراراً. قانون الأحزاب، قانون الانتخابات، الإدارة المحلية، وتنظيم الإعلام والعمل المدني، كلها ملفات ستحدد شكل المشاركة السياسية لاحقاً. هنا يظهر الفرق بين مجلس يملأ فراغاً تشريعياً ومجلس يساعد على الخروج من الفراغ.
الرقابة قبل كثرة القوانين
لا تحتاج سوريا إلى عدد كبير من القوانين إذا بقي تنفيذها ضعيفاً. المطلوب أن يستخدم مجلس الشعب أدواته الرقابية مبكراً، خاصة في ملفات الخدمات والمال العام. الموازنة المقبلة ستكون اختباراً واضحاً، لأنها ستكشف قدرة المجلس على مناقشة أولويات الإنفاق، وسؤال الوزارات عن الكلفة والنتائج، وربط الأرقام بحاجات الكهرباء والخبز والصحة والتعليم والرواتب. إقرار الموازنة من دون نقاش تفصيلي سيجعل المجلس أقرب إلى واجهة شكلية، بينما النقاش الجدي قد يعطي الناس إشارة مختلفة.
الرقابة على الحكومة لا تبدأ بخطابات كبيرة. تبدأ بطلب البيانات ونشرها، واستدعاء الوزراء عند الحاجة، ومتابعة ما قيل بعد الجلسة لا خلالها فقط. يجب أن يعرف المواطن ما السؤال الذي طرحه النائب، وما جواب الوزير، وما الإجراء الذي اتخذ لاحقاً. هذه التفاصيل البسيطة هي التي تميز مؤسسة تعمل أمام الناس عن مؤسسة تكتفي بالمحاضر المغلقة.
يبقى ملف التمثيل حاضراً. مشاركة النساء بقيت محدودة، ومقاعد السويداء الشاغرة تذكّر بأن الخريطة السياسية السورية لم تستقر بعد. كما أن النقاش حول تأثير الرئاسة في تكوين المجلس لن ينتهي بمجرد انعقاد الجلسة الأولى. أفضل رد عملي على هذه المخاوف هو أداء المجلس نفسه، لا الخطاب المحيط به. كلما نشر المجلس أعماله، وفتح أبوابه للنقاش، وأظهر استقلالاً في مراجعة التشريعات ومساءلة الحكومة، تراجعت مساحة الشك. وكلما ابتعد عن ذلك، ستعود الأسئلة نفسها بصورة أشد.
الخلاصة أن مجلس الشعب الجديد يقف أمام مهمة أكبر من بدء عمل مؤسسة تشريعية بعد فراغ. عليه أن ينجز نظاماً داخلياً واضحاً، ويفتح مراجعة جدية للقوانين والمراسيم، ويضع أساساً لقانون انتخابات وحياة سياسية، ويتعامل مع العدالة الانتقالية بوصفها شرطاً للاستقرار، لا ملفاً مؤجلاً. نجاحه لن يظهر في عدد الجلسات، بل في مقدار ما يغيره في طريقة صناعة القرار. المرحلة الانتقالية تحتاج إلى تشريع، لكنها تحتاج أكثر إلى مساءلة علنية وقواعد يمكن الوثوق بها.
اقرأ أيضاً: وزارة الاقتصاد والصناعة تشكل مجلس الأعمال السوري الأردني









