سياسة

مجلس الأمن يعود إلى الملف السوري: هل تغيّرت أولويات المجتمع الدولي في 2026؟

الكاتب: أحمد علي

لا تكمن أهمية جلسات مجلس الأمن الخاصة بسوريا في عددها أو في البيانات التي تصدر عنها بقدر ما تكمن في طبيعة الملفات التي تعود إلى الطاولة. فالملف السوري لم يغب تماماً عن الأجندة الدولية خلال السنوات الماضية، لكنه تراجع تدريجياً لصالح أزمات أخرى فرضت نفسها على أولويات القوى الكبرى. أما اليوم، ومع عودة سوريا إلى جدول أعمال المجلس خلال حزيران 2026، فإن السؤال لم يعد متعلقاً فقط بعودة الاهتمام الدولي، بل بطبيعة هذا الاهتمام وما إذا كانت أولوياته قد تغيّرت بالفعل.

تأتي هذه العودة في سياق مختلف عمّا عرفته السنوات السابقة. فالمشهد السوري شهد منذ أواخر 2024 تحولات سياسية كبيرة، أبرزها سقوط سلطة بشار الأسد واستلام سلطة جديدة بقيادة الرئيس أحمد الشرع. ومع هذا التحول بدأت قنوات التواصل مع المؤسسات الدولية تأخذ شكلاً مختلفاً، بينما وجدت الأمم المتحدة نفسها أمام واقع جديد يفرض إعادة تقييم للملفات التي بقيت معلقة طوال سنوات الحرب.

أولويات المجتمع الدولي تجاه سوريا 2026

عند مراجعة النقاشات التي سبقت جلسات مجلس الأمن الأخيرة، يظهر أن الملف الإنساني لم يعد القضية الوحيدة التي تحدد شكل المقاربة الدولية تجاه سوريا. صحيح أن الاحتياجات الإنسانية ما تزال ضخمة، لكن ثمة ملفات أخرى بدأت تتقدم تدريجياً إلى الواجهة، بعضها يرتبط بإرث الحرب، وبعضها الآخر يرتبط بكيفية إدارة المرحلة المقبلة.

أحد أبرز هذه الملفات كان ملف الأسلحة الكيميائية. ففي نهاية أيار 2026 أعلنت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية اكتشاف كمية كبيرة من المواد والأسلحة الكيميائية التي لم تكن معلنة سابقاً، بما في ذلك ذخائر مرتبطة بهجمات كيميائية شهدتها البلاد خلال سنوات الحرب. ووصفت المنظمة هذه النتائج بأنها تطور مهم في مسار معالجة الملف الكيميائي السوري، خصوصاً أن عمليات التفتيش الأخيرة جرت في ظل مستوى من التعاون مع السلطات الحالية لم يكن متاحاً بالدرجة نفسها في مراحل سابقة.

لا يتعلق الأمر هنا بالجانب التقني فقط. فعودة هذا الملف إلى الواجهة تعني عملياً أن المجتمع الدولي لم يغلق بعد ملفات الحرب الكبرى، حتى مع دخول سوريا مرحلة سياسية مختلفة. ولذلك يبدو أن مسألة المساءلة أصبحت جزءاً من النقاش الدولي الجديد إلى جانب الملفات التقليدية الأخرى.

لكن هذا التحول لا يعني تراجع الجانب الإنساني. فالأرقام التي تعرضها وكالات الأمم المتحدة ما تزال تعكس واقعاً بالغ الصعوبة. وتشير التقديرات الأممية إلى أن نحو 15.6 مليون سوري يحتاجون إلى شكل من أشكال المساعدة الإنسانية خلال عام 2026. كما تواجه خطة الاستجابة الإنسانية نقصاً كبيراً في التمويل، إذ لم تتجاوز نسبة التمويل المتاح حتى منتصف العام نحو 16 في المئة من إجمالي الاحتياجات المقدرة.

هذه الأرقام تفسر جانباً مهماً من النقاش الجاري داخل مجلس الأمن. فبينما تتحدث بعض الدول عن مرحلة جديدة في سوريا، ما تزال المؤسسات الإنسانية تنظر إلى الواقع اليومي للسوريين باعتباره أحد أكبر التحديات القائمة. لذلك لا يبدو أن الملف الإنساني فقد مكانته، بل أصبح يتحرك ضمن إطار أوسع يضم ملفات أخرى كانت مؤجلة أو مجمدة.

وفي هذا السياق برز أيضاً ملف العقوبات. فخلال الأشهر الأخيرة بدأت بعض الدول الغربية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، تتحدث بصورة أكثر وضوحاً عن الحاجة إلى مراجعة بعض الإجراءات العقابية المفروضة على سوريا. وترتبط هذه النقاشات جزئياً بالوضع الاقتصادي المتدهور، لكنها ترتبط أيضاً باعتبارات أمنية.

فواشنطن ترى أن السلطات الجديدة أعلنت التزامها بمحاربة تنظيمي القاعدة والدولة الإسلامية، وأن تحقيق هذا الهدف يتطلب توفير ظروف أفضل لعمل مؤسسات الدولة الجديدة. ومن هذا المنطلق طُرحت فكرة تعديل بعض العقوبات أو إعادة النظر فيها بما يسمح بتعزيز قدرات الحكومة الانتقالية على مواجهة التنظيمات المتشددة.

هذه المقاربة تعكس تغيراً مهماً في طريقة النظر إلى الملف السوري. فخلال سنوات طويلة كانت العقوبات تُطرح بوصفها أداة ضغط سياسي. أما اليوم، فإن جزءاً من النقاش يدور حول تأثيرها على الاستقرار الداخلي وعلى قدرة السلطات القائمة على إدارة التحديات الأمنية والاقتصادية.

من إدارة الأزمة إلى إدارة المرحلة الانتقالية

ما يجمع بين الملفات الإنسانية والكيميائية والأمنية ليس تشابهها، بل ارتباطها جميعاً بالسؤال نفسه. كيف يتعامل المجتمع الدولي مع سوريا بعد التحولات السياسية الأخيرة؟

خلال العقد الماضي كان التركيز الدولي منصباً بصورة أساسية على إدارة الأزمة ومنع تدهورها. أما اليوم، فيبدو أن النقاش بدأ يتحرك تدريجياً نحو إدارة مرحلة انتقالية معقدة تتداخل فيها تحديات الماضي مع استحقاقات المستقبل.

ولهذا السبب لا تقتصر اجتماعات مجلس الأمن الحالية على متابعة الوضع الميداني أو إصدار المواقف السياسية التقليدية. فالمسألة تتعلق أيضاً بكيفية التعامل مع مؤسسات الدولة، ومستقبل العقوبات، وآليات التعافي الاقتصادي، ومسارات العدالة والمساءلة، إضافة إلى ضمان استمرار تدفق المساعدات الإنسانية.

بطبيعة الحال لا يعني ذلك وجود توافق دولي كامل حول هذه الملفات. فما تزال هناك تباينات واضحة بين الدول الأعضاء بشأن أولويات المرحلة المقبلة، كما أن العديد من القضايا الأساسية لم تُحسم بعد. غير أن مجرد انتقال النقاش إلى هذه المسائل يعكس تغيراً في طبيعة المقاربة الدولية مقارنة بما كان سائداً قبل.

هل تغيّرت الأولويات فعلاً؟

الإجابة النهائية ما تزال مبكرة. فالأزمات الدولية غالباً ما تتغير أولوياتها ببطء، وليس عبر قرارات مفاجئة أو جلسة واحدة في مجلس الأمن. لكن المؤشرات الحالية توحي بأن جدول الأعمال الدولي المتعلق بسوريا أصبح أوسع مما كان عليه سابقاً.

فالملف الإنساني ما يزال حاضراً بقوة، إلا أنه لم يعد يحتكر النقاش. وإلى جانبه عادت قضايا الأسلحة الكيميائية، وتصاعد الحديث عن مكافحة التنظيمات المتشددة، وبدأت العقوبات تُناقش من زاوية تأثيرها على الاستقرار وإعادة بناء مؤسسات الدولة، لا من زاوية الضغط السياسي فقط.

هذا لا يعني أن المجتمع الدولي حسم خياراته تجاه سوريا الجديدة، لكنه يشير إلى أن النقاش انتقل من التركيز على إدارة الحرب إلى محاولة التعامل مع ما خلفته الحرب. وبين هذين المستويين تقع معظم الأسئلة التي ستحدد شكل الحضور الدولي في الملف السوري خلال السنوات المقبلة.

اقرأ أيضاً: مجلس الشعب القادم تحت المجهر: ما أولويات الشارع السوري من ممثليه الجدد؟

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى