أعمال واستثمار

متى ترتفع وتنخفض أسعار الذهب في سوريا؟

خلال السنوات السابقة ارتفعت أسعار الذهب لدرجة كبيرة، قاربت المليون ليرة سورية وأكثر بقليل، لكن وفجأة ومع سقوط النظام بدأت أسعاره بالهبوط التدريجي، ليستقر عند مستوى معين بين ارتفاع وانخفاض طفيف، وذلك مع تحسن سعر الليرة السورية أمام الدولار، في هذا المقال سننقل لكم أسباب ارتفاع وانخفاض الذهب في سوريا، وكذلك لا بد أن نفهم آلية تأثر الذهب العالمي بالأحداث السياسية والاقتصادية، وذلك ما سيقودنا لفهم الأسباب في بلدنا.

متى يرتفع الذهب وينخفض في سوريا؟

تتقلب أسعار الذهب في سوريا بشكل مباشر تبعاً لتغيرات سعر صرف الدولار مقابل الليرة السورية. فعندما تتحسن قيمة الليرة السورية، ينعكس ذلك بانخفاض أسعار الذهب محلياً، إذ تصبح كلفة شراء المعدن النفيس بالعملة الأجنبية أقل. أما إذا ارتفع الدولار، فإن أسعار الذهب في السوق المحلي ترتفع بشكل مضاعف نتيجة زيادة كلفة الاستيراد والتسعير بالدولار.

يمكن ملاحظة هذا الترابط في التعاملات اليومية، فمثلاً تبقى أسعار الذهب عالمياً مستقرة، في حين تسجل الليرة تحسناً أمام الدولار، مما يؤدي إلى انخفاض أسعار الذهب داخل سوريا. لذلك، يعد رصد تحركات الدولار أداة رئيسية للتنبؤ بسلوك أسعار الذهب محلياً سواء في اليوم نفسه أو في الفترات المقبلة.

لكن في الوقت نفسه لا يمكن تجاهل التأثير العالمي. فسعر الذهب في سوريا يتأثر أيضاً بالأسعار العالمية التي شهدت مؤخراً استقراراً نسبياً، وسط ترقب المستثمرين لقرارات الفائدة الأمريكية المحتملة. فمثل هذه القرارات تؤثر عادة على جاذبية الذهب كملاذ آمن، وبالتالي على اتجاهاته في الأسواق الدولية، وهو ما ينعكس بدوره على سوريا. ولهذا يراقب المتعاملون المحليون هذه المؤشرات بدقة لتحديد التوقيت الأنسب للبيع أو الشراء، خصوصاً في ظل التداخل بين العوامل الاقتصادية العالمية والمحلية.

ومع هذا التوازن الدقيق بين تحركات الدولار وسعر الذهب، يظل المستثمرون السوريون في حالة حذر. فمعرفة أسعار الذهب اليومية وفق العيارات المختلفة والأوزان تعد ضرورة لاتخاذ قرارات مالية أكثر وعياً وربحية.

موقف جمعية الصاغة وتفسير حالات الانخفاض حصراً

في هذا السياق، أوضح مصعب الأسود، المدير العام للهيئة العامة لإدارة المعادن الثمينة في سوريا ورئيس جمعية الصاغة في حلب، أن انخفاض سعر غرام الذهب من عيار 21 قيراط يعود بشكل أساسي إلى تحسن سعر صرف الليرة أمام الدولار، ونفى الأخبار التي تتداول حول أن الانخفاض غير حقيقي أو مصطنع. واعتبر أن هذا التراجع طبيعي ومنطقي بالنظر إلى السبب المباشر الذي أحدثه.

أما عن احتمالية استمرار هذا الانخفاض، فقد بيّن الأسود أن الأمر يظل مرتبطاً بمسار سعر صرف الليرة السورية، متوقعاً في الوقت نفسه ألا يستمر الانخفاض بنفس الوتيرة الحالية. كما لفت إلى أن الإقبال على شراء الذهب وبيعه في الأسواق المحلية يتراوح بين المتوسط والخفيف، فإن غالبية السوريين يوجهون سيولتهم النقدية نحو إعادة الإعمار وصيانة العقارات وتجهيز المباني، وهو ما يدفعهم غالباً إلى بيع الذهب أكثر من شرائه بهدف الادخار.

اقرأ أيضاً: سعر غرام الذهب يرتفع في سوريا مقترباً من مليون ليرة

الهيئة العامة لإدارة المعادن الثمينة ودورها

من الجدير بالذكر أن الهيئة العامة لإدارة المعادن الثمينة تأسست مطلع عام 2025، وتعتبر الجهة الرسمية المنظمة لتجارة وتصنيع المعادن الثمينة والأحجار الكريمة في سوريا. وتعمل الهيئة بموجب تراخيص وضوابط محددة، وتشمل مهامها:

  • إدارة الموارد المالية والبشرية والإشراف على الموظفين.
  • إصدار وتجديد تراخيص المحال والشركات العاملة بالتنسيق مع مديريات الصناعة.
  • متابعة عمل جمعيات الصاغة والإشراف عليها.
  • فحص وتحليل المعادن الثمينة للتحقق من مطابقتها للمواصفات القياسية السورية.
  • الرقابة على نشاط محال ومنشآت صناعة وتجارة الذهب والمعادن الثمينة.
  • إصدار تصاريح الاستيراد والتصدير الخاصة بالذهب والأحجار الكريمة.
  • فحص أجهزة القياس والموازين واعتماد التكنولوجيا الحديثة في القطاع.
  • توثيق البيانات والمعاملات وحفظ السجلات الرسمية.
  • استقبال شكاوى العملاء وحل النزاعات المتعلقة بالوزن أو الجودة أو الأسعار.

بهذا، يظهر أن أسعار الذهب في سوريا اليوم تتحدد وفق مزيج من العوامل منها محلية والتي أبرزها تحركات الدولار أمام الليرة، وعالمية ترتبط بقرارات اقتصادية كبرى مثل سياسات الفائدة الأمريكية. ومن هنا لا بد من الاطلاع على المؤثرات العالمية في سوق الذهب، والذي ينعكس تباعاً علينا.

المؤثرات في سوق الذهب العالمي

أسباب جيوسياسية

يشهد الذهب منذ فترة موجات متصاعدة من الارتفاع، وهذه الظاهرة لا تعود لسبب واحد، بل هي نتاج تداخل عوامل اقتصادية وجيوسياسية معقدة. فالذهب غالباً ما يُنظر إليه كملاذ آمن في أوقات الأزمات، ومع ازدياد الاضطرابات العالمية يصبح الخيار المفضل للمستثمرين الباحثين عن حماية لثرواتهم.

وتعد التوترات الجيوسياسية أحد أبرز المسببات لهذا الصعود، خصوصاً العقوبات الغربية المفروضة على روسيا منذ الحرب الأوكرانية. فقد أدت هذه العقوبات إلى تجميد ما يقارب 400 مليار دولار من احتياطاتها الخارجية، أي نحو 65% من إجمالي الاحتياطي الروسي. هذا الحدث اعتبر نقطة تحول عالمية، إذ دفع كثيراً من الدول إلى إعادة التفكير في استراتيجياتها المالية والاتجاه نحو أصول أكثر أماناً، وفي مقدمتها الذهب.

ويمكن النظر إلى الصين في هذا التحول. فقد بدأت منذ عام 2022 بتقليص استثماراتها في السندات الأميركية، والتي انخفضت من تريليون دولار إلى نحو 782 ملياراً بحلول منتصف 2024. وفي المقابل، عززت احتياطاتها من الذهب بنحو 330 طناً خلال الفترة ذاتها، في خطوة وُصفت بالاحتياط الذكي ضد الضغوط الأميركية. هذه السياسة لم تقتصر على الصين وحدها، بل تبعتها عدة دول أخرى، ما ساهم في زيادة الطلب العالمي على المعدن النفيس.

وفي القارة الأوروبية زادت الاضطرابات السياسية من حالة عدم الاستقرار. فمع صعود الأحزاب اليمينية، وتعقيدات إدارة الحرب الروسية الأوكرانية، إضافة إلى التراجع الاقتصادي في دول كفرنسا وإيطاليا، كلها عوامل عمّقت المخاوف بشأن مستقبل النظام المالي الأوروبي. ومع ارتفاع الشكوك حول استقرار العملة الموحدة، اتجه كثير من المستثمرين نحو الذهب باعتباره أداة للاحتياط.

من جانب آخر لا يزال الدولار الأميركي يُستخدم كسلاح اقتصادي في يد واشنطن. فكونه يشكل أكثر من 60% من الاحتياطيات العالمية مما يمنح الولايات المتحدة قدرة كبيرة على فرض العقوبات وتجميد الأصول. هذا الواقع دفع العديد من الدول إلى تقليل اعتمادها على الدولار وبناء احتياطات ذهبية بديلة، وهو ما أسهم بدوره في تعزيز الطلب العالمي.

كما لعبت الأوضاع الاقتصادية الداخلية في الولايات المتحدة نفسها دوراً إضافياً. إذ تجاوز الدين العام الأميركي 36 تريليون دولار بنهاية 2023، ما أثار مخاوف متزايدة بشأن التصنيف الائتماني للبلاد. هذه الأوضاع دفعت مستثمرين كثيرين إلى الابتعاد عن أدوات الدين الأميركية، مفضلين الذهب كأصل أكثر أماناً في ظل هذه الضغوط.

أما الشرق الأوسط، فقد شهد منذ حرب غزة في أكتوبر 2023 تصعيداً عسكرياً وسياسياً كبيراً، شمل مواجهات في البحر الأحمر أثرت على حركة الملاحة الدولية. وبالنظر إلى أن المنطقة فإنها تمثل شرياناً رئيسياً لتجارة النفط والسلع العالمية، وبالتالي فإن هذه التوترات عززت بدورها من الطلب على الذهب كوسيلة لحماية الاستثمارات.

وأخيراً، كان للبنوك المركزية دور بارز في دعم الأسعار. ففي عام 2024 وحده، بلغت مشتريات البنوك المركزية في آسيا نحو 394 طن، منها 100 طن للصين فقط. هذه الزيادة الكبيرة في المشتريات الرسمية أكدت الاتجاه العالمي المتنامي نحو تعزيز الاحتياطات الذهبية وتقليل الاعتماد على الدولار.

أسباب الاقتصادية

يتأثر الذهب بمجموعة واسعة من العوامل الاقتصادية والمالية أيضاً، جعلت أسعاره في صعود مستمر خلال السنوات الأخيرة، ومن أبرز هذه العوامل الحرب التجارية التي أطلقها الرئيس الأميركي عبر فرض تعريفات جمركية على الدول ذات الفائض التجاري مع الولايات المتحدة أو التي تمتلك موارد استراتيجية. هذا النهج لم يقتصر تأثيره على العلاقات بين الدول، بل أثر على استقرار كبرى الشركات العالمية. ومع غياب حلول طويلة المدى، زادت المخاوف من انعكاسات سلبية قد تضرب الاقتصاد الأميركي نفسه، وهو ما جعل الذهب ملاذاً آمناً يلجأ إليه المستثمرون للاحتياط من هذه الاضطرابات.

أما العامل الثاني فهو التضخم. فالسياسات التجارية الحمائية غالباً ما تؤدي إلى ارتفاع أسعار السلع والمنتجات، ومع ارتفاع التضخم تتآكل القوة الشرائية وتتراجع قيمة المدخرات النقدية. هذا الواقع يدفع المستثمرين والمستهلكين إلى البحث عن أصول أكثر استقرار، وفي مقدمتها الذهب. لذلك ارتفع الطلب على المعدن النفيس مع تزايد التوقعات بارتفاع معدلات التضخم داخل الولايات المتحدة وخارجها.

كما أن مسار السياسة النقدية الأميركية لعب دوراً مهماً. ففي نهاية فترة رئاسة جو بايدن، اتجه الاحتياطي الفيدرالي إلى خفض أسعار الفائدة استجابةً لمؤشرات اقتصادية متعددة. وكما هو معروف، فإن خفض الفائدة يزيد من جاذبية الذهب لأنه يقلل تكلفة الفرصة البديلة لحيازة الممتلكات غير المدرة للعائد. ونتيجة لذلك، وصلت أسعار الذهب إلى مستويات قياسية جديدة. ورغم تصريحات رئيس الفيدرالي جيروم باول التي أكدت عدم التسرع في خفض الفائدة، فإن الأسواق ظلت متفائلة باستمرار هذا التوجه، ولو ببطء، وهو ما قد يضعف الدولار ويزيد من الإقبال على الذهب.

ومن ناحية أخرى، كان للبنوك المركزية وصناديق الاستثمار دور بارز في رفع الطلب العالمي. فبحسب مجلس الذهب العالمي، تجاوزت مشتريات البنوك المركزية 1000 طن سنوياً للعام الثالث على التوالي، حيث بلغت 1044.6 طن في 2024، منها 333 طن خلال الربع الأخير وحده. كما ارتفع الاستثمار في الذهب عبر الصناديق المتداولة إلى 1180 طن، وهو أعلى مستوى في أربع سنوات وبزيادة نسبتها 25%. هذه الموجة من الشراء دفعت إجمالي الطلب العالمي إلى 4974.5 طن في 2024، مقابل 4945.9 طن في 2023.

وقد شكل الطلب على المجوهرات عاملاً إضافياً في دعم السوق، إذ بلغ 1877 طن في 2024. ورغم أن الكميات المشتراة كانت أقل بفعل ارتفاع الأسعار، فإن قيمة الإنفاق ارتفعت بنسبة 9% لتصل إلى 144 مليار دولار، ما يؤكد استمرار الذهب كخيار مفضل للادخار والزينة.

وأخيراً ساهم قطاع التكنولوجيا في رفع الطلب على الذهب، خصوصاً مع انتشار تطبيقات الذكاء الاصطناعي والنمو المتزايد في صناعة الهواتف المحمولة والإلكترونيات. فقد ارتفع الطلب من هذا القطاع بمقدار 21 طن، أي بنسبة 7% في 2024، مما يوضح أن الذهب لم يعد فقط مخزناً للقيمة، بل عنصراً أساسياً في الصناعات الحديثة.

في النهاية، يتعلق سوق الذهب السورية بشكل أساسي بالاستقرار السياسي والاقتصادي، فكلما كان موجود هذا الاستقرار، كلما تحسنت الليرة وانخفضت أسعار الذهب.

اقرأ أيضاً: خصخصة محطات الوقود: الذهب لا يلمع إلا بالضوء والعدالة!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى