مقالات

متى تتخلص سوريا من ثقافة التوقيف والاعتقال؟

أعادت وفاة محمد غميرة بعد توقيفه في مخفر الحفة بريف اللاذقية النقاش حول حدود التوقيف في سوريا، وما إذا كانت الممارسات الأمنية والقانونية التي ترسخت خلال العقود الماضية لا تزال حاضرة في التعامل مع المشتبه بهم والموقوفين.

وفي مقال رأي نشره السياسي السوري عبيدة نحاس في صحيفة «الثورة»، في 24 آب 2026، انطلق من حادثة غميرة لطرح سؤال أوسع: لماذا لا يزال سلب حرية الإنسان إجراءً يمكن اللجوء إليه بسهولة، بينما يفترض أن تكون الحرية هي الأصل، والتوقيف استثناءً لا يُستخدم إلا عندما تفرضه ضرورة قانونية واضحة؟

ولا يناقش نحاس المسؤولية الجنائية عن وفاة غميرة، إذ لا يزال التحقيق في الواقعة جارياً، وجرى توقيف عدد من عناصر الشرطة المشتبه بمسؤوليتهم عنها، بل يذهب إلى مشكلة أعمق تتعلق بما يسميه «ثقافة التوقيف» التي ترسخت في مؤسسات الدولة والمجتمع خلال حكم النظام السابق.

من الاستثناء إلى الإجراء الاعتيادي

يرى نحاس أن النظام السابق أسس على مدى عقود منظومة أمنية وقانونية جعلت سلب الحرية أمراً اعتيادياً، حتى في قضايا لا يشكل فيها المشتبه به خطراً مباشراً على المجتمع، ولا توجد فيها خشية جدية من فراره أو تأثيره في التحقيق.

ومع مرور الوقت، لم تعد المشكلة مرتبطة بالنصوص القانونية وحدها، بل تحولت إلى ممارسة مألوفة: شكوى قد تؤدي إلى توقيف شخص، ثم تنتهي القضية بعد عرضه على القضاء من دون ثبوت ما يستوجب استمرار احتجازه.

لكن الخروج من التوقيف لا يعني أن الضرر اختفى. فقد يكون الشخص أمضى أياماً أو أسابيع بعيداً عن أسرته وعمله، وتضررت سمعته وحياته المهنية والاجتماعية، رغم أن القضاء لم يدنه في نهاية المطاف.

ويلفت المقال إلى مشكلة إضافية تتعلق بإمكانية استخدام الشكوى نفسها أداة للضغط، إذ قد يسارع أحد أطراف النزاع إلى تقديم شكوى قبل الطرف الآخر، فيجد الطرف الثاني نفسه موقوفاً قبل أن تتضح حقيقة النزاع أو المسؤولية عنه.

ومن هنا يطرح نحاس سؤالاً أساسياً: هل يجب أن يؤدي كل اشتباه أو شكوى إلى سلب حرية إنسان قبل أن يقول القضاء كلمته؟

عندما يصبح الإجراء أقسى من العقوبة

تبدو المفارقة أوضح في القضايا التي تكون العقوبة المحتملة فيها، حتى في حال ثبوت الجرم، محدودة بغرامة أو إنذار أو جزاء بسيط، بينما قد يقضي المشتبه به أياماً موقوفاً قبل أن يصل ملفه إلى القضاء.

وبذلك يمكن أن يصبح التوقيف نفسه أشد من العقوبة التي كان يمكن أن تصدر لاحقاً.

ويتوقف المقال أيضاً عند ممارسة عرفت خلال العقود الماضية، تتمثل في توقيف أشخاص قبيل عطلة نهاية الأسبوع، ما كان يؤدي عملياً إلى إطالة احتجازهم قبل عرضهم أمام القضاء.

ولا تقتصر المشكلة، بحسب نحاس، على مدة الاحتجاز، بل تمتد إلى الظروف التي يمكن أن يتعرض لها الموقوف داخل المخافر ومراكز الاحتجاز، ولا سيما مع الإرث الطويل من الضرب والإهانة وسوء المعاملة الذي عرفته المؤسسات الأمنية والسجون السورية.

ولهذا يرى أن السؤال لا ينبغي أن يبدأ فقط من «كيف نعامل الموقوف؟»، بل من نقطة أبكر: «هل كان ينبغي توقيفه أصلاً؟».

التوقيف الاحتياطي ليس عقوبة

شهدت سوريا خلال الفترة الماضية حالات توقيف مرتبطة بقضايا قانون الجرائم الإلكترونية، قبل أن تصدر توجيهات من وزارة العدل بعدم التوقيف في هذه القضايا.

ويعتبر نحاس أن هذه الخطوة مهمة، لكنها لا تكفي وحدها، بل يفترض أن تكون مدخلاً لمراجعة أشمل لفكرة التوقيف الاحتياطي وشروطه.

فالتوقيف الاحتياطي، من حيث المبدأ، ليس عقوبة تصدر بحق المتهم، وإنما إجراء مؤقت يفترض أن تكون وراءه ضرورة محددة، مثل منع المشتبه به من الفرار، أو حماية الأدلة والتحقيق، أو منع خطر حقيقي على الآخرين.

وعندما تغيب هذه الضرورات، يصبح احتجاز شخص لم تثبت إدانته قريباً من «عقوبة مقنّعة» تسبق المحاكمة بدلاً من أن تكون نتيجة لها.

كما تبرز مشكلة أخرى عندما يفرج القضاء عن أشخاص بعد عرضهم عليه لعدم وجود سبب كافٍ لاستمرار توقيفهم. فإذا كان القضاء لم يجد مبرراً لسلب حريتهم، يبقى السؤال مطروحاً حول سبب توقيفهم منذ البداية، والمسؤولية عن الأضرار التي تعرضوا لها خلال تلك الفترة.

من القضايا الجنائية إلى باب الاستبداد

لا ينظر المقال إلى القضية بوصفها مشكلة إجرائية تخص الشرطة أو القضاء فقط، بل يربطها أيضاً بمسألة أوسع تتعلق بحماية الحياة السياسية والحريات العامة.

فالتجربة السورية خلال حكم النظام السابق أظهرت أن الأدوات الجنائية يمكن أن تستخدم أحياناً لتحقيق أهداف سياسية. وقد تتحرك شكوى أو دعوى تبدو في ظاهرها جنائية بينما يكون الهدف الحقيقي منها الضغط على معارض أو ناشط أو الانتقام منه.

ومن هنا يحذر نحاس من أن المجتمع الذي يعتاد توقيف الأشخاص بسهولة بسبب شكوى أو شبهة يمكن أن يصبح أكثر استعداداً لتقبل توقيفهم لاحقاً بسبب آرائهم أو مواقفهم.

فالاستبداد، وفق هذه الرؤية، لا يعود بالضرورة دفعة واحدة، وإنما قد يبدأ بإجراءات صغيرة يجري التساهل معها، ثم تتحول بالتدريج إلى أعراف وممارسات مستقرة.

ولهذا يصبح ضبط سلطة التوقيف، لا مجرد تحسين ظروف الاحتجاز، جزءاً من الضمانات التي تمنع إعادة إنتاج أدوات الدولة الأمنية القديمة.

الكرامة لا تتوقف على هوية الموقوف

ويتناول المقال أيضاً واحدة من الإشكاليات التي تظهر عادة بعد حوادث الانتهاك بحق الموقوفين، وهي محاولة البحث في شخصية الضحية أو سلوكها عن تفسير لما تعرضت له.

ويرفض نحاس هذا المنطق، معتبراً أن حق الإنسان في الكرامة والحماية القانونية لا يرتبط بكونه محبوباً أو مقبولاً اجتماعياً أو متفقاً معه.

فحتى الشخص سيئ السلوك، أو المصاب باضطراب، أو المتهم بارتكاب مخالفة، لا يفقد حقه في المعاملة الإنسانية والإجراءات القانونية السليمة.

أما إذا كان الشخص يشكل خطراً حقيقياً على الآخرين، فمن حق الدولة تقييد حريته، لكن وفق القانون وبالقدر الذي تفرضه الضرورة، لا بوصف الاحتجاز وسيلة للإهانة أو العقاب المسبق.

ماذا يمكن تغييره الآن؟

يدعو نحاس إلى مراجعة التشريعات التي ورثتها سوريا عن النظام السابق، ولا سيما النصوص التي تتيح التوسع في سلب الحرية أو تترك هامشاً واسعاً للتوقيف.

لكن تعديل القوانين يحتاج إلى وقت، بينما توجد إجراءات يمكن اتخاذها بصورة أسرع.

ومن بينها، بحسب المقال، تشديد القيود على أي توقيف لا يستند إلى قرار قضائي، وحصر الاستثناءات بالحالات التي ينص عليها القانون بوضوح، مع إلزام الجهات المعنية بعرض الموقوف أمام القضاء بأسرع وقت ممكن.

وبذلك تنتقل القاعدة من «التوقيف حتى تتضح القضية» إلى مبدأ معاكس: يبقى الإنسان حراً ما لم توجد ضرورة قانونية حقيقية ومحددة لسلب حريته.

ولا يعني ذلك، وفق نحاس، التساهل مع المتهمين بارتكاب جرائم جسيمة خلال حكم النظام السابق، من قتل وتعذيب وانتهاكات أخرى. فهؤلاء يجب ملاحقتهم ومحاسبتهم، لكن عبر القضاء وضمن إطار القانون، لأن تحويل الانتقام إلى بديل عن العدالة يمكن أن يؤسس لدورة جديدة من الظلم ويهدد مسار العدالة الانتقالية والسلم الأهلي.

تغيير القانون لا يكفي

يبقى التحدي الأكبر في أن المسألة لا تتعلق بالنصوص وحدها.

فبعد عقود اعتاد خلالها السوريون أخبار الاعتقالات والتوقيفات والمداهمات، يحتاج الانتقال إلى دولة مختلفة أيضاً إلى تغيير النظرة الاجتماعية والمؤسساتية إلى الحرية نفسها.

أي أن يصبح توقيف إنسان حدثاً يحتاج إلى سبب قوي وتبرير قانوني واضح، لا إجراءً روتينياً يبدأ بمجرد ورود شكوى.

فالقطيعة مع ممارسات النظام السابق، كما يخلص المقال، لا تتحقق فقط بتغيير أسماء المؤسسات أو المسؤولين، وإنما بالتخلي عن الأدوات والعادات التي سمحت للدولة طويلاً بإذلال السوريين وسلب حرياتهم.

وفي النهاية، فإن الاختبار الحقيقي لأي دولة جديدة ليس فقط في كيفية تعاملها مع الأبرياء، بل أيضاً في كيفية تعاملها مع المتهمين والمخالفين وحتى خصومها. فمن هناك تحديداً تبدأ الحدود الفاصلة بين سلطة يحكمها القانون وسلطة تستطيع أن تسلب الحرية متى أرادت.

اقرأ أيضاً: سجال تركي – إسرائيلي وأمريكا تدخل على الخط.. ماذا يجري في أبو الظهور؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى