متحف حلب الوطني: رحلة إنقاذ وترميم تستعيد تراث حضارة مزدهرة

بقلم: ريم ريّا
يعتبر المتحف الوطني بحلب أحد أهم المعالم الثقافية في سوريا، إذ يضمّ كنوزاً أثرية تعكس تاريخ المنطقة وحضارتها الغنية والمتنوعة. خلال سنوات الحرب وعدم الاستقرار، تعرّض المتحف لأضرار جسيمة وأُغلق لفترة طويلة. إلا أن الجهود الدولية والمحلية تتضافر الآن في مشروع ترميم شامل يهدف إلى إعادة إحياء هذا المعلم، وترميم محتوياته، وتعزيز دوره في صون التراث الثقافي السوري.
تدريب وتمكين الكوادر: أساس إعادة التراث للحياة
منذ مطلع حزيران 2026، تُقدّم اليونسكو، بالتعاون مع جامعة فلورنسا (إيطاليا)، برامج تدريبية مكثفة لتأهيل موظفي المتاحف وطلاب علم الآثار في حلب. يشمل التدريب مجموعة واسعة من العمليات، بدءاً من تصنيف القطع الأثرية وتوثيقها، مروراً بتنظيفها وتصويرها، وصولاً إلى تغليفها وتخزينها وفقاً لأحدث المعايير العلمية. يهدف هذا البرنامج إلى إنشاء فريق محلي مستقل قادر على مراقبة المتحف باستمرار وحماية تراثه، فضلاً عن ضمان التسجيل الدقيق لكل قطعة، مما يسهّل إعادة افتتاح المتحف واستئناف الزيارات.
يعتبر الدعم المالي والفني عنصراً أساسياً في المشروع. تساهم الحكومة الإيطالية بمبلغ 200 ألف يورو لجامعة فلورنسا لتمويل برامج التدريب وضمان الصيانة السليمة لمرافق التخزين في المتحف. كما تشرف اليونسكو على المشروع وتعتزم توسيع نطاق دعمها واستقطاب المزيد من المساهمات الدولية. ولا يقتصر هذا التعاون الدولي على كونه مبادرة إنسانية وثقافية فحسب، بل يعكس أيضاً فهماً مشتركاً لأهمية التراث الثقافي في إعادة بناء المجتمعات وتحقيق التنمية المستدامة بعد سنوات من الصراع.
اقرأ أيضاً: المتحف الوطني بدمشق: ذاكرة سوريا الحضارية من عصور ما قبل الميلاد
تأهيل المباني وإعادة العرض: خطوات نحو المستقبل
عانى المتحف من انتكاسات شديدة، ليس فقط جراء الصراع الدامي، بل أيضاً جراء الزلزال المدمر الذي ضرب المنطقة عام 2023، والذي تسبب بأضرار هيكلية جسيمة.
ومع ذلك، شملت المشاريع المنفذة تدعيم المبنى، وتركيب بنية تحتية جديدة للطاقة الشمسية، وترميم السور المحيط بالمتحف، مما وفر بيئة آمنة للقطع الأثرية التاريخية. كما وضعت إدارة المتحف خطة لإعادة فتح قاعات العرض تدريجياً، إلى جانب تنظيم معارض مؤقتة دورية لتشجيع الزيارات العامة والمشاركة في عملية ترميم التراث الثقافي. خطوة بخطوة، يلوح في الأفق مستقبل واعد للمتحف الوطني بحلب، مستقبل يحمل في طياته الأمل في إحياء حضارة عريقة في التاريخ من خلال احترام التراث والابتكار في صونه وترميمه.
تحديات إعادة التأهيل وضمان الحماية المستقبلية
رغم الجهود المكثفة لإعادة تأهيل المتحف الوطني بحلب، يواجه المشروع تحديات جمة تتطلب حلولاً مبتكرة. فإلى جانب الأضرار الإنشائية الناجمة عن الزلزال والحرب، تُعدّ السلامة والأمن أولوية قصوى، لا سيما في المناطق التي عانت سابقاً من سرقة الآثار وازدهار السوق السوداء. لذا، وضعت السلطات خططاً لتعزيز الأمن، تشمل تركيب أنظمة مراقبة متطورة وبرامج تدريبية للموظفين حول كيفية الاستجابة لحالات الطوارئ. كما يجري العمل على توثيق رقمي شامل للقطع الأثرية، مما يُسهّل تحديدها واستعادتها في حال فقدانها.
يُعدّ ترميم المتحف الوطني بحلب جزءاً من جهد أوسع لإحياء التراث الثقافي السوري ودعم التنمية المحلية. وبمجرد اكتمال مراحل الترميم، يُتوقع أن يصبح المتحف مركزاً ثقافياً نابضاً بالحياة يعكس تاريخ المنطقة ويجذب الزوار من سوريا وخارجها، مساهماً بذلك في تنشيط السياحة الثقافية وخلق فرص عمل جديدة. وإلى جانب وظيفته كمعرض، سيستضيف المتحف فعاليات وورش عمل تعليمية لرفع مستوى الوعي لدى الأجيال القادمة بقيمة التراث وأهمية الحفاظ عليه. تؤكد هذه الرؤية الطموحة أن تجديد المتحف لا يقتصر على عرض القطع الأثرية فحسب، بل يتعلق ببناء مجتمع ثقافي مستدام ومتنوع.









