سياسة

مبيدات إسرائيلية في القنيطرة.. أضرار تطال آلاف الدونمات والمراعي

بقلم هلا يوسف

لا تزال الحدود السورية تُنتهك من قبل الاحتلال الإسرائيلي بالقصف مرة، وبالتوغل مرة أخرى، لكن الآن انتهاكها تجاوز الأمور العسكرية لتصل إلى مزروعات يعتاش منها أهالي القنيطرة والبلدات الحدودية، وتغير حال الأراضي الزراعية لتصبح أراضي بور نتيجة رش الأراضي بمواد كيميائية بواسطة طائرات زراعية إسرائيلية منذ كانون الثاني الماضي، بحسب ما قالته مديرية زراعة القنيطرة. ومع تكرار هذا الفعل بدأت آثاره تظهر الآن، بينما بدأت الجهات المعنية بحساب حجم الخسائر، ليس فقط على صعيد الأراضي، بل أيضاً على ما خلفته من انقطاع في أرزاق الناس، وتلف في المراعي للحيوانات.

آلاف الدونمات فقدت غطاءها النباتي

كل مكان تلمسه يد الاحتلال الإسرائيلي يتحول إلى خراب بكل معنى الكلمة، فحجم الأضرار في ريفي القنيطرة الشمالي والجنوبي تجاوز آلاف الدونمات، حيث أوضحت مديرية زراعة القنيطرة أن هناك 3 آلاف و729 دونماً من المراعي تضررت بفعل المبيدات الإسرائيلية، عدا عن ألف و23 دونماً من الأراضي المزروعة بالمحاصيل الشتوية و140 دونماً من بساتين الأشجار المثمرة.

أي أننا نتحدث عن آلاف الدونمات التي خرج جزء كبير منها عن عمله، بينما بلغ عدد المزارعين المتضررين 255 مزارعاً. وشملت الأضرار أراضي قرى الرزانية، والبطمية، والقحطانية، وبئر عجم، والمعلقة، وصيدا الجولان، والعشة، والرفيد، والأصبح، وكودنة، وجباتا الخشب، وأوفانيا والحرية.

لا تحتاج الأراضي إلى إمعان النظر لمعرفة حجم الأضرار، فبحسب المعاينات الميدانية تظهر الكارثة البيئية بشكل خاص في المراعي والمحاصيل الشتوية، حيث اختفى الغطاء النباتي في معظم الأراضي التي تعرضت للرش، بينما كانت الأضرار أقل على أشجار الزيتون.

وتقول مديرية الزراعة إن المادة التي تم استخدامها هي مبيد أعشاب يسمى “هيربيسايد”، وهو من المواد التي تستهدف النباتات البرية. وللتأكد من طبيعة المواد وآثارها تم أخذ عينات من التربة والنباتات والأعشاب وإرسالها إلى مختبرات متخصصة في دمشق للتحليل.

لحد الآن نتحدث عن الأضرار الزراعية دون حساب حجم المراعي التي فقدها أصحاب القطعان والتي كانوا يعتمدون عليها لرعي قطعانهم. فالأراضي لم تعد كما كانت، وتأثر رزق الكثير من العائلات.

ولمعرفة حجم هذا التأثر يكفي أن نتعرف على العمل الأساسي لأهالي الأرياف في القنيطرة، حيث إن الرعي عندهم ليس عملاً جانبياً يمكن التخلي عنه بسهولة، فكثير من العائلات تعتمد على تربية الأغنام والمواشي، وكانت المراعي الطبيعية توفر جزءاً مهماً من غذاء القطعان وتخفف في الوقت نفسه كلفة شراء الأعلاف.

والعديد من المزارعين قالوا إن عمليات الرش على مساحات زراعية واسعة أضعفت من قدرة السكان على استثمار أراضيهم، وجعلت من استمرار العيش في تلك المناطق الحدودية أمراً صعباً. أما مربي المواشي فأكدوا أن معظمهم اضطروا لبيع قطعانهم بأسعار منخفضة بعدما أصبحت حركة الرعي في المناطق الحدودية صعبة وخطرة، وفقدان مساحات كبيرة من المراعي الطبيعية.

وتحذر شهادات من المنطقة من أن استمرار فقدان المراعي يمكن أن يؤدي إلى تراجع كبير في الثروة الحيوانية خلال الفترة المقبلة، خصوصاً مع غياب البدائل وارتفاع تكاليف تربية المواشي.

بينما تقول مديرية الزراعة إن النتائج الأولية لم تظهر وجود مواد سامة للمواشي، إذ عادت قطعان إلى الرعي في بعض المناطق من دون تسجيل حالات نفوق أو أعراض صحية. لكن مدير الزراعة جمال العلي أشار إلى أن المشكلة الأساسية تكمن في التأثير الواضح للمبيدات على الغطاء النباتي، وهو ما يهدد المراعي الطبيعية على المدى البعيد.

اقرأ أيضاً: مزارع ريف دمشق: مشروع استثماري يواجه مخاطر المياه والزراعة

الأرض لا تخسر وحدها.. العائلات تدفع الثمن

لو توقف الأمر عند المراعي لكان الضرر كبيراً، لكنه في القنيطرة يمتد إلى الزراعة نفسها، فالقرى الحدودية تعتمد بدرجة كبيرة على الزراعة البعلية، خصوصاً القمح والمحاصيل الشتوية، بالإضافة إلى تربية المواشي. وعندما تنخفض المساحات التي يستطيع المزارع الوصول إليها أو زراعتها، يتهدد مصدر الدخل لديه من أكثر من جهة في نفس الوقت.

وقد شرح مختار قرية الأصبح جميل العيسى المعاناة التي يتعرض لها السكان، ومنها صعوبة في الوصول لأراضيهم واستثمارها، وزاد من هذه الصعوبات قيام الاحتلال برش المبيدات. ورغم ذلك أكد الأصبح أن الأهالي حاولوا الاستمرار في زراعة أراضيهم لأن ترك الأرض يعني خسارة مصدر الرزق الأساسي.

وفوق كل الخسارات السابقة، كان قد خسر الأهالي الكثير من أراضيهم الزراعية بسبب إقامة نقاط عسكرية ومنع الأهالي من الوصول إلى المناطق القريبة من الحدود، مما حرم عائلات من زراعة أراضٍ كانت تعتمد عليها في مواسم سابقة.

وتقول مديرية الزراعة إن المساحة المتضررة تقدر بنحو 150 هكتاراً، بينما أظهرت المعاينات أن النباتات التي تعرضت للرش، والتي تراوحت أطوالها بين 5 و10 سنتيمترات، تعرضت لضرر واضح.

كل هذه الانتهاكات حصلت في وقت تشهد فيه المناطق الجنوبية من سوريا توغلات وتحركات عسكرية إسرائيلية متكررة، وما رافقها من عمليات دهم وتفتيش واعتقالات وإقامة حواجز عسكرية.

باختصار، ما يشهده سكان القنيطرة والبلدات الحدودية بشكل خاص والجنوب السوري بشكل عام، هي عمليات تهجير ممنهجة، فمن الطبيعي أن يترك الأهالي أراضيهم الزراعية عندما تصبح قاحلة بفعل تصرفات الاحتلال الإسرائيلي. والجميع يعرف أن من يعتمد على أرضه لكسب رزقه تصعب عليه تركها، لكن عندما لا يوجد مصدر رزق آخر، ماذا يفعل المزارع؟

اقرأ أيضاً: ما الذي قالته الصحف العبرية عن اجتماع الاحتلال الإسرائيلي وسوريا؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى