سياسة

ما وراء قاعدة التنف! لماذا تصر واشنطن على البقاء في الصحراء السورية؟

فوق الرمال في سوريا تلتقي السياسة... ما سر واشنطن في قاعدة التنف؟

بقلم ريم ريا

على المثلث الحدودي بين سوريا والعراق والأردن، وفي قلب الصحراء السورية تقع قاعدة التنف العسكرية الأميركية، أبرز النقاط الاستراتيجية في خريطة الصراع الإقليمي والدولي داخل سوريا. عام 2016 أنشأتها أميركا بحجة الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”، لكن سرعان ما توسعت رقعة هذه الحجة لتتحول القاعدة العسكرية إلى ما يشبه المرصد العسكري التابع للغرب في وجه النفوذ الإيراني – الروسي المتنامي في المنطقة.

أهمية هذه القاعدة تنبع من موقعها الجغرافي البالغ الأهمية، إذ تتحكم “التنف” بالمعابر البرية التي يُزعم أنها تربط طهران ببيروت من خلال بغداد ودمشق. ما يجعل من هذه النقطة العسكرية، نقطة حساسة في ميزان القوى والمحاور المتصارعة: محور واشنطن وحلفائها من جهة، ومحور إيران ومن يتبعها من جهة أخرى.

رغم هزيمة تنظيم “داعش” ومرور سنوات على ذلك، وتراجع العمليات ضد التنظيم، لا تزال القوات الأمريكية متمركزة في القاعدة، ما يثير تساؤلات وجدلاً واسعاً حول “الأهداف الحقيقية” من وراء استمرار الوجود الأمريكي في صحراء سوريا النائية. في هذا المقال سنحاول تفنيد الوقائع حول قاعدة “التنف” للحصول على الجواب.

ماهية قاعدة التنف في سوريا

هذه القاعدة ليست حديثة العهد، بل أنشئت عام 1991، حيث استخدمت قاعدة التنف لأول مرة خلال الحرب الأمريكية ضد العراق، عندما انضمت سوريا إلى التحالف الدولي ضد صدام حسين، ليكون ذلك استخداماً لها خلال الحرب. واستخدمت مرات عدة، ثم تركت إلى أن أعيد استخدامها عام 2016 بعد طرد تنظيم الدولة الإسلامية منها، وتقع قرب معبر التنف الحدودي.

تقع قاعدة التنف في أقصى جنوب شرقي محافظة حمص، على بعد 24 كيلومتراً غرب معبر التنف – الوليد عند تقاطع الحدود السورية مع الأردن والعراق، وتشرف على طريق دمشق – بغداد الدولي، وتبعد عن مدينة تدمر نحو 240 كيلومتراً، وتعرضت القاعدة لهجمات متتالية ومختلفة، نفذتها جهات مختلفة، منها هجمات يقال حسب وسائل إعلامية، إنها تمت بواسطة مسيرات روسية وإيرانية، إضافةً إلى اشتباكات مع فرق حاولت الاقتراب منها.

تحيط بالقاعدة منطقة عازلة لفض النزاعات، في إطار تفاهم أميركي – روسي عام 2016، بهدف هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية وتقليل احتمال حدوث صدام أميركي مع القوات الروسية أو السورية أو غيرها من القوات، وتصل حدود المنطقة العازلة من الشمال إلى منطقة الشعار، ومن الشمال الشرقي إلى منطقة الخويمات، ومن الشمال الغربي إلى منطقة العليانية.

اقرأ أيضاً: القوات الأميركية: انسحاب محسوب من العراق وتموضع جديد في سوريا

كيف أدارت واشنطن التنف لمصالحها

يبدو أن وجود هذه القاعدة في سوريا ينطوي على أهداف تتجاوز محاربة “داعش”، فوفق تقرير معهد واشنطن، فإن الكولونيل “دانييل ماغرودير جونيور” من القوات الجوية الأميركية شرح، في تقرير صادر عن “مؤسسة بروكينغز” في تشرين الثاني 2020، أن الوجود العسكري في قاعدة التنف يدعم ثلاثة أهداف للسياسة الأميركية في المنطقة، وهي: مواصلة الحملة على تنظيم الدولة الإسلامية، تقويض الأنشطة المدعومة من إيران على طول الجسر البري من إيران إلى لبنان، التمتع بنفوذ في المفاوضات المتعلقة بمستقبل سوريا. وبالفعل حُققت الأهداف، إذن ما السر الأميركي وراء البقاء؟

في حين صرح قائد القيادة المركزية الأميركية الجنرال “كينيث ماكنزي جونيور” بأن الهدف الرئيس من وجود الأميركيين في سوريا هو “تنفيذ عمليات ضد تنظيم الدولة الإسلامية”، إذ إن مكان وجود القاعدة يساعد على تنفيذ عمليات مباشرة وغير مباشرة ضد التنظيم، إلى جانب الوظيفة الأساسية لقاعدة التنف حسب ما هو معلن: “تدريب فصائل جيش سوريا الجديد” وتسليحها، وتقديم الدعم اللوجستي والعسكري لها، وتمكينها من قتال عناصر تنظيم الدولة والقضاء على وجوده في صحراء سوريا. لكن الفائدة لم تكن لواشنطن وحدها بل أن القاعدة خدمت الجانب الأردني من خلال ضمان أمن المملكة الهاشمية عبر حماية الحدود والسيطرة عليها وضبط عمليات التهريب والتسلل المحتمل لعناصر تنظيم الدولة الإسلامية أو الحركات المسلحة المدعومة من إيران.

وجود أميركا في أي مكان يعني تلقائياً وجوداً لإسرائيل، ظِلّ الكيان حاضر، وأياديه ليست ببعيدة عن التنف، إذ ذكر تقرير لمعهد واشنطن أن الوجود الأميركي في قاعدة التنف مفيد لإسرائيل التي نفذت عشرات المهام الجوية ضد أهدافٍ للنظام السوري السابق، وأخرى لحزب الله اللبناني والحركات المسلحة التابعة له وللأسد في سوريا.

ربطاً وعطفاً على مصالح إسرائيل وأيديها الممتدة إلى التنف، يطرح السؤال التالي: هل هناك علاقة بين إعادة إحياء التنف وبقاء القوات الأميركية فيها وممر داوود المزعم إنشاؤه؟

ممر داوود

في مشهد سوري ضبابي بين الحين والآخر، وأمام خلط الأوراق في الشرق الأوسط وتموضع القوى وتبدلها، تثير العلاقة بين قاعدة التنف وما يطلق عليه “ممر داوود” جدلاً وتكهنات واسعة يتناقلها المحللون. لا توجد مؤشرات رسمية تؤكد وجود مشروع إسرائيلي معلن بهذا الاسم، لكن المعطيات الميدانية والجيوسياسية تجعل الربط بين القاعدة والممر محل اهتمام واقعي ومنطقي.

في حال أردنا فهم العلاقة بين إبقاء القاعدة والممر المزعوم، لننظر إلى موقع القاعدة، فهي ضمن موقع استراتيجي يتحكم بالحدود السورية – العراقية – الأردنية، ما يعني أنها تشكل نقطة فصل بين مناطق النفوذ الإيراني الممتدة من شرق سوريا مروراً بدمشق حتى لبنان وهذا ما تسعى إليه إسرائيل “قطع أذرع إيران في المنطقة”. بالنظر إلى تحليل موقع القاعدة ومصالح الكيان في وجودها، وربط هذا التحليل بالتحركات الإسرائيلية في الجنوب السوري، هذه التحركات تحمل طابعاً أمنياً وغريباً بشكل غير مباشر.

من هذا المنطلق، يمكن القول إن التنف عملياً تؤدي دور “ممر داوود” وفق التصورات المرسومة له، أي منع أي اتصال بين طهران وبيروت عبر دمشق هذا أولاً، وثانياً ربط الكيان بالجنوب السوري وصولاً إلى الحدود مع العراق. في المقابل يعتقد محللون أن الربط بين القاعدة والممر هو مجرد تكهنات وقراءة سياسية أكثر منها واقعاً موجوداً، ووجود القاعدة ما هو إلا تجلي للمصالح الأميركية التي تتقاطع في أغلب الأحيان مع الحسابات الإسرائيلية حتى ولو لم يكونوا ضمن مشروعٍ واحد.

يمكن لنا أن نخلص إلى أن العلاقة بين القاعدة وممر داوود ليست مباشرة أو على الأقل ليست معلنة بشكل صريح وعملي، لكن يمكن أن تتجلى فيها المصالح والاستراتيجيات في بوتقة صراع النفوذ القائم فوق الجغرافيا السورية.

في سياق متصل، يرى الصحفي والباحث “نور شعبان”، أن ممر داوود “يصطدم بعوائق كبيرة يفرضها الإقليم، متحدثاً عن معارضة أردنية وعراقية: “حيث إن البلدين يهمهما تأمين الحدود مع سوريا وليس خلق أزمة جديدة بسبب هذا الممر، أما الجانب التركي فهو حتماً سيعارض وبشدة، ذلك أن الممر المزعوم سوف يصل إلى (قسد)، التي تعدّها تركيا خصماً أساسياً، وكذلك الولايات المتحدة التي تملك حسابات كثيرة معقدة سوف تأخذها بعين الاعتبار قبل دعم خطوة كهذه”.

أما الصحفي والأكاديمي “خالد خليل”، وفي تعليق له على الجدل القائم، أشار إلى الاجتماع الأمني الذي عقد في عمان، يوم 10 آذار الماضي، وجمع سوريا إلى دول الجوار: الأردن ولبنان والعراق وتركيا، حيث تمثلت الوفود المشاركة بوزراء الخارجية والدفاع ورؤساء الأركان وقادة الأجهزة الأمنية، وكان الهدف هو تشكيل تحالف أمني إقليمي لمحاربة داعش، معتبراً أنها “بادرة مهمة” للمنطقة ولسوريا تحديداً. أما إسرائيل “فهي الوحيدة التي تغرد خارج السرب”، مشيراً إلى أن ذرائعها المعلنة في أعمالها العدائية اتجاه سوريا “لا تتصل بأمنها القومي بقدر ما تتصل بدوافع سياسية يقودها اليمين المتطرف تهدف إلى فرض التفوق الإسرائيلي بالقوة”.

وفقاً لقراءة المشهد السياسي الحالي، بيد دمشق أوراق عديدة يمكن أن تلعبها في وجه المشروع الإسرائيلي في حال أُعلن عنه، أولها رصّ الصفوف الداخلية وعلى رأسها تسريع انضمام قسد إلى الجيش وحل هذه العقدة، فضلاً عن التحالف الإقليمي مع تركيا التي تتجنب الكباش مع إسرائيل بطرق دبلوماسية في الوقت الحالي، إلى جانب الاستناد على الدعم العربي من دول لها وزنها كالسعودية ومصر ومن بين الدول العربية التي يمكن الدفع معها أيضاً في مواجهة المشروع (قطر)، إضافةً إلى أن دمشق تستطيع اللعب على الوتر الدولي الآن ضد إسرائيل، فالكيان يدخل عزلة دولية ويقابل بسخط دولي تجاه كل تصرفاته العدوانية.

هل بدلت واشنطن “قسد” بدمشق؟

في مقال سابق كنا قد نوهنا على قلق قسد من موضوع الانسحاب الامريكي من شمال شرق سوريا، لكن في ضوء المعطيات السياسية الراهنة والحركة المكوكية للمبعوث الأميركي “باراك” بين دمشق وقسد تبدو فكرة تخلي واشنطن بالكامل عن قسد والتحول إلى دمشق أقل واقعية من الحجم المطروح. فتح المسارات الأمريكية مع دمشق تدريجي ومحسوب وليس انفصالاً مطلقاً أو مفاجئاً عن (قسد) كما يروج له. فأميركا تعطي الأولوية لمصالحها، ويَتبع ذلك يترتب كل شيء.

تحتفظ الولايات المتحدة بدعمها اللوجستي والمالي لقسد حتى لحظة كتابة هذه الكلمات، ويفيد تقرير لـ Congressional Research Service بأن التواجد الأميركي والشراكة مع قسد ما زال محورياً في التصدي لإحياء (تنظيم الدولة). من جهة أخرى يشهد اتفاق 10 آذار بين دمشق ومظلوم عبدي قائد قسد تقدماً ولو بشكل بطيء في ظل توترات كانت محدودة، كما أعلنت واشنطن مراراً عن ضرورة انخراط قسد في صفوف المؤسسات الأمنية للدولة السورية والجيش، ضمن إطار الحفاظ على الدولة ووحدة الأراضي.

فالواقع إذاً ليس تخلي كامل أو اتصال كامل، بل تقريب مسارات بين الطرفين وإعادة ضبط أولويات لتفادي توترات إقليمية وربما التخفيف منها، وهناك هدف من تقليل عدد الجنود الأمريكان في سوريا، ألا وهو تقليص وتخفيف العبء العسكري على أمريكا.

لكن التقارب الأمريكي مع دمشق ربما يبعث رسالة إلى (قسد) مفادها أن “استمرار وجودها دون تسوية سياسية مع دمشق ليس مستداماً”، ومن جانب آخر عدم التخلي نهائياً عن قسد يوضح لدمشق أنها ما تزال حليف للولايات المتحدة والتعاطي معها يجب أن يأخذ هذا الشق بعين الاعتبار. بالمحصلة، العلاقة بين واشنطن-  قسد – دمشق، ستبقى في طور التحول والتفاوض أكثر من كونها في طور السيطرة الكاملة أو التخلي المفاجئ.

سيناريوهات إنهاء الوجود الأميركي في التنف في سوريا

هناك عدة سيناريوهات يمكن أن تؤدي إلى إنهاء الوجود الأميركي في سوريا، مستمدة من الواقع ومن طرق الانسحاب المعتادة لأي وجود أجنبي على أرض البلاد. لكن كل سيناريو مطروح مُستند إلى توازن قوى أمني – سياسي مُتغير.

أول السيناريوهات، الانسحاب يمكن أن يتم من خلال تفاهم سياسي داخلي سوري ترعاه الولايات المتحدة، حيث تنتقل المسؤوليات الأمنية بشكل تدريجي إلى دمشق من خلال دمج قسد ضمن هيكلية الدولة، وهذا المسار يدعمه اتفاق 10 آذار، وضمان دمج عناصر قسد بضمانات دولية، ما يؤدي إلى انسحاب أميركا دون حدوث فراغ أمني كامل.

ثاني السيناريوهات، الانسحاب المبني على قرار سياسي داخلي أميركي، كما حصل في العراق. من الممكن أن تتغير أولويات الإدارة الأميركية بفعل ضغط انتخابي، ميزانيات أو ضغط حزبي، أو أي عامل داخلي أميركي يمكن أن يستجد على الساحة، فتقرر واشنطن تبعاً لذلك تقليص حضورها أو إعادة تموضع بعدد جنود محدود، وربما الانسحاب الكامل.

ثالث السيناريوهات، يمكن أن يكون الانسحاب ناجم عن تدهور أمني أو هجمات متكررة من جهات مناهضة للوجود الأميركي في المنطقة أو عناصر محلية، كما حصل في القواعد الأميركية في العراق وغيرها.

رابع السيناريوهات، حل إقليمي دبلوماسي وحسب الواقع الحالي الأكثر ترجيحاً تفاهم روسي – أميركي، يعيد خلط الأوراق في سوريا وترتيب الأدوار بناءً ربما على تغيرات إقليمية و إعادة تموضع للقوى، ما يمكن أن ينهي الوجود العسكري الأميركي في سوريا.

بالمحصلة، إن الوجود الأميركي في سوريا، يحمل وجوهاً وحججاً كثيرة، لكن الخيط الذي يربط بينها جميعاً هي المصلحة الأميركية ولا شيء آخر غيرها.

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى