مقالات

ما وراء الصراع في الجنوب السوري… وكيف يمكن إنقاذ سوريا؟

مقال رأي – بقلم: عروة درويش

من الخطأ النظر إلى المشهد السوري اليوم وما يحصل في الجنوب السوري بعينٍ منفصلة عن التعقيدات الإقليمية والدولية، فالأزمة في سوريا لم تعد منذ سنوات طويلة شأناً سورياً داخلياً، بل أصبحت جزءاً من صراع أوسع على خرائط النفوذ في المنطقة، تُديره قوى كبرى متناقضة المصالح، بعضها يحمل لافتات تقول: «الشرق الأوسط الجديد» و«إعادة رسم الحدود بالنار».

لكن وسط هذه المعركة الكبرى، ثمّة حقيقة صغيرة بحجم البلاد نفسها: سوريا بحاجة إلى دولة. بحاجة إلى مؤسسات مدنية تخضع للقانون، إلى جيش وأمن ينضبطان تحت سلطة دستور لا تحت رغبات الأفراد. بحاجة إلى سوق اقتصادية موحدة، وإلى حدّ أدنى من الاتفاق بين السوريين على ما تعنيه عبارة «نحن».

اليوم، لا شيء من ذلك متحقق، ومحاولة فرضه بالحل الأمني وحده تعني شيئاً واحداً: استمرار غيابه.

الجنوب السوري ليس استثناء بل مرآة

ما يجري في الجنوب السوري، وتحديداً في السويداء، ليس حدثاً عابراً، بل هو انعكاس طبيعي لوضع هشّ قائم على غياب الدولة منذ سنوات. 

شهدت السويداء في ظلّ الحرب والسلطة السابقة، ظروفاً أدّت لظهور مجموعات مسلحة غير موحّدة، متضاربة الأجندات: بعضها كان يتبع للسلطة السابقة، وبعضها الآخر ارتبط بجهات خارجية حدّ العمالة، وبعضها نشأ ضمن سياق فوضى السلاح والتهريب يريد الحفاظ على مصدر رزقه، وبعضها نشأ أيضاً تحت ضغط الحاجة إلى الحماية الذاتية.

لكن كيف يمكن نزع السلاح وعزل الفوضويين والعملاء؟ لا يمكن ذلك بالقوة فقط من دون عقد سياسي جامع يجذب الناس، ويهدّأ من مخاوفهم وقلقهم الذي يزيد كلّما ذكرنا ما يحدث في الساحل وحمص وحماة، ليعزل بذلك أصحاب مشاريع الفوضى والعابثين بالسلم الأهلي.

لكن المشكلة أنّ السلطة في دمشق لا تزال تتصرف بعقلية السيطرة الأمنية، وكأنها لم تستخلص أي درس من السنوات الماضية. وكأنها لا تدرك أن السلطة التي لا تستند إلى شرعية تعاقدية بين الدولة والمجتمع، ليست سوى هدوء هشّ فوق برميل بارود، حتّى لو تمّت السيطرة أمنياً على الأرض.

الرهان على القوة وحدها ليس رهاناً على الاستقرار، بل على التأجيل المؤلم لانفجار قادم. والدليل في السويداء واضح: لا اتفاق حقيقي مع الفصائل المسلحة، لا رؤية متفق عليها لكيفية نزع السلاح، ولا وجود لخطّة سوريّة جامعة يُستخدم نهجها لإعادة دمج المنطقة في الدولة على أسس جديدة. هناك فقط محاولات متكررة لاستعادة السيطرة بالقوة، تنتهي عادة بقتلى جدد وجولات اشتباك جديدة.

التدخل «الإسرائيلي» والرهان على الانقسام

الضربات «الإسرائيلية» الأخيرة في الجنوب وفي دمشق ليست دفاعاً عن أحد، كما يُروّج الاحتلال. بل هي محاولة للتشويش على الاستقرار، وإشارة واضحة لترسيخ خطوط حمراء في وجه أي سلطة سورية تحاول استعادة السيادة العسكرية على هذه المناطق. «إسرائيل» تدرك جيداً أن بقاء سوريا مفككة هو مصلحة استراتيجية مباشرة لها. كلما انقسم السوريون، ضعُف القرار المركزي، واتسعت قدرة الاحتلال على فرض شروطه.

قد يتساءل المرء بشكل طبيعي: إذا كانت «إسرائيل» في خضمّ مباحثات سلام مع السلطة في دمشق، لماذا إذاً تشوّش عليها وتقصف قواتها وحلفائها في الجنوب. في الحقيقة، ورغم الضغط الإعلامي الغربي الذي يهدف لخلق أمر واقع افتراضي والضغط على السلطة في دمشق، فكما سمعنا بشكل مكرر من المتحدثين الرسميين وغير الرسميين باسم السلطة، لا أساس من الصحة لما يُشاع عن اتفاقات سلام وتطبيع وشيكة بين دمشق و«تل أبيب». هذا النوع من الإشاعات يخدم فقط تعميق الشرخ داخل المجتمع السوري، عبر زرع الشكوك بين مكوّناته، وبينها وبين سلطتها الحاكمة، وأقصى ما يتمّ الحديث عنه اليوم – على ذمّة السلطة – هو اتفاق أمني يستند لخطوط الهدنة في 1974.

من المهم هنا ​​ألّا ننظر إلى هذه التحركات «الإسرائيلية» بمعزل عن الدور الأمريكي. فالاحتيال السياسي الذي تمارسه الولايات المتحدة بالتوازي مع هذه الضربات يتجلى في محاولتها تسويق فكرة أنّ ما يجري هو «أزمة محلية» محضة، أو صراع على السلطة، بينما الحقيقة أنها جزء من مشروع أوسع يُراد منه إبقاء سوريا ساحة مفتوحة للصراع، تمنع أي طرف وطني من تثبيت الاستقرار، وتخلق وضع ملائم لتصدير الحرب الأهلية واللا استقرار إلى دول الجوار من أجل تحقيق المشروع الأهم لهم: «الشرق الأوسط الجديد»، وهو ما يجب أن أتحدث عنه بشيء من التفصيل لاحقاً.

سوريا و«الشرق الأوسط الجديد»؟

يعدّ مشروع «الحزام والطريق» الذي تقوده الصين منذ أكثر من عقد، أحد أهم المشاريع الجيوسياسية والاقتصادية في العالم. يحتاج هذا المشروع حتّى يتم إلى استقرار سياسي وأمني في المناطق التي يمرّ بها، وهذا ينطبق على عقدة الشرق الأوسط الهامة لوصل المشروع بمناطق العالم الأخرى.

لا تملك الولايات المتحدة أدواتٍ اقتصادية لإحباط هذا المشروع أو منافسته، ولهذا هي أمام خيارٍ وحيد: منع الاستقرار أمامه، مما يؤدي حكماً إلى تعطيله.

لكن هل اللا استقرار في سوريا – ولبنان أيضاً – كافيان لتعطيل «الحزام والطريق»؟ في الواقع لا، فالحجم الإقليمي والاستراتيجي لسوريا ولبنان غير كافٍ لذلك، هناك حاجة لتفجير الأوضاع في إحدى الدول الأربع الكبرى الوازنة في المنطقة على الأقل، أو جميعها معاً: السعودية وإيران وتركيا ومصر.

حاول الأمريكي – ومعه الصهيوني كلاعبٍ صغير – تفجير الوضع في إيران لسنوات طويلة، آخرها الحرب الخاطفة التي شهدناها منذ فترة، ولكنّه فشل. اليوم، يبدو من المرجّح أن يحاول الأمريكيون تفجير تركيا من بوابة سوريا، فالوضع المعقّد في سوريا يقابله وضع معقّد أكبر في تركيا، ومدّ الحرب الأهلية إلى هناك سيؤدي لتفجير المنطقة برمّتها دون شك «يكفي لمن يشكك بذلك أن يتابع تأريض محاولات تفجير تركيا عبر الاتفاق مع البي.كي.كي، وقبلها إفشال الانقلاب في 2015».

باختصار، الفوضى التي تُصنع اليوم في سوريا ليست هدفاً بحد ذاته، بل وسيلة لغاية أكبر: تفجير المنطقة برمّتها لتعطيل أيّ تقدّم للمشاريع الاقتصادية الجيو-استراتيجية المنافسة للولايات المتحدة.

سوريا ودول الإقليم الوازنة

في المقابل، تدرك دول الإقليم الوازنة، وتحديداً رباعي تركيا وإيران والسعودية ومصر، بأنّ الولايات المتحدة تسعى لتفجير المنطقة، وأنّ هذا سيعني الإضرار بمصالحها ومصالح نخبها، وصولاً لتدميرها ومحوها كدول موحدة، وبالتالي فهي تعادي هذا التوجّه بشكل موضوعي. 

لذلك ومن هذا المنطلق، تسعى هذه الدول لاستقرار سوريا، وتدعم أيّ حكومة أو جهود أو مبادرات تقود في نهاية المطاف إلى هذا الاستقرار.

في البدايات، حاولت الدول العربية احتضان السلطة الجديدة في دمشق، على أمل أن تقود مرحلة انتقالية تُعيد الأمن والاستقرار إلى سوريا. لكن غياب أي خطوات جدية نحو الحل السياسي، واستمرار التعويل على أدوات القوة العارية، جعلا هذا الاحتضان يتراجع تدريجياً «تابعوا أكثر من الخطابات الدبلوماسية، وانظروا إلى خطط الاستثمار أو قراراتٍ صغيرة كمنع دخول الشاحنات وغيرها»، وسط قلق عربي متزايد من تحوّل الساحة السورية إلى مصدرٍ دائم للفوضى الإقليمية.

الرهان العربي كان ولا يزال على الحل السياسي، وكلما تأخرت دمشق في السير بهذا الطريق، أو اعتمادها لطرق بديلة بالتحشّد ضدّ كلّ من يخالفها، ازداد شعور الدول العربية بأنها تضع يدها في فراغ.

من هنا يجب طرح السؤال الأخير: هل لا تزال لدينا الفرصة أم فقدناها؟

رغم هذا المشهد القاتم، فإن الحل لم يضع بعد. الخطوة الأولى هي إدراك الحقيقة البسيطة: لا يمكن لأي طرف في سوريا أن يحكمها منفرداً. ولا يمكن بناء سوريا بلا تفاهم السوريين جميعاً على شكل دولتهم المقبلة. هذه مسألة يجدر أن تُناقش على طاولة واحدة، لا على حافة الخنادق.

نحتاج إلى مؤتمر وطني جامع، يضع كل هذه المسائل على الطاولة. مؤتمرٌ حقيقيٌّ يدعو السوريين جميعاً لبناء دولتهم «مؤتمر فعليّ ليس كالتهريج الذي عرضته السلطة قبل فترة». هذا هو المدخل الوحيد الجاد لأي أمل في مستقبل مختلف. 

ما لم تُدرك السلطة ذلك، والأهم جميع الفاعلين في الداخل والخارج، أن الوقت لا يعمل لصالح أحد، ستبقى البلاد أسيرة دوّامة العنف، بلا أفق، بلا أمن، وبلا وطن موحّد.

الاستقرار لا يُولد من فوهة البندقية. هذه الحقيقة يعرفها الجميع، لكن قلّة مستعدون اليوم للاعتراف بها.

اقرأ أيضاً: سوريا الجديدة: معضلة السلاح والمقاتلين – من يحكم البنادق بعد الحرب؟

اقرأ أيضاً: هيسم شملوني: حين يصبح “التمثال” عبئاً سياسياً

————————————————————————————————————

تنويه
يفتح موقع «سوريا اليوم 24» صفحاته لكل من يحمل رأياً ويرغب في التعبير عنه بحرّية ومسؤولية، إيماناً منا بأن الحوار هو السبيل الأمثل لفهم الواقع وصياغة المستقبل. نحن نُجري لقاءاتنا مع ضيوف من مشارب فكرية وسياسية متعددة، نستمع إليهم ونعرض ما لديهم بأمانة وموضوعية، وننقل الآراء المختلفة من مصادر متعددة. ولكن نشرنا لآرائهم لا يعني بالضرورة تبنّيها، بل يأتي في إطار رسالتنا الهادفة إلى ترسيخ ثقافة الحوار وتبادل الرؤى في فضاء من الاحترام والانفتاح.

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى