سياسة

ما هي مصالح الهند في سوريا؟

في خضم التغيرات الجيوسياسية المتسارعة في منطقة الشرق الأوسط، وما رافقها من تحولات دراماتيكية في المشهد السوري بعد سقوط نظام الأسد، تبرز الهند كلاعب رئيسي يسعى لإعادة صياغة علاقاته الخارجية.

لم يقتصر الأمر على مراقبة المشهد من بعيد، بل تجسّد في خطوة دبلوماسية جريئة تمثلت في إرسال أول وفد رسمي إلى دمشق منذ التغيرات الأخيرة، الأمر الذي يُثير تساؤلات كثيرة حول الأهداف الحقيقية وراء هذه الخطوة، وما هي المصالح التي تدفع أكبر دولة ديمقراطية في العالم نحو مد جسور التعاون مع دمشق في هذا المنعطف التاريخي؟

السياق العام لخطوات الهند تجاه سوريا

في ظل التغيرات السياسية الجذرية التي شهدتها سوريا بعد سقوط نظام الأسد في كانون الأول الماضي، اتخذت الهند خطوة دبلوماسية استباقية، فبينما كانت دول أخرى تسعى لتقييم الوضع الجديد، كانت الهند تمد يدها بالفعل إلى الحكومة السورية الجديدة، متجاهلة التحولات الداخلية العميقة.

وقد تجسد هذا النهج العملي في إرسال أول وفد دبلوماسي رسمي إلى دمشق في أواخر تموز، بهدف فهم خطط الحكومة الانتقالية وأولوياتها بشكل مباشر.

ولم يقتصر جدول أعمال الوفد، الذي ترأسه سوريش كومار من وزارة الخارجية الهندية، على اللقاءات الدبلوماسية الرسمية مع مسؤولين مثل وزير الخارجية أسعد الشيباني، بل ركز أيضاً على قضايا جوهرية مثل تعزيز التعاون في مجالات الصحة والتعليم والمساعدات الإنسانية، ووضع حجر الأساس لجهود إعادة الإعمار المستقبلية.

حيث تأتي هذه التحركات من قبل الهند في إطار موجة من الزيارات الدبلوماسية الدولية لسوريا، مما يؤكد أن نيودلهي عازمة على حماية مصالحها وضمان وجودها في المشهد السوري الجديد.

وفد هندي في دمشق لبحث تعزيز العلاقات مع سوريا

تعاون صحي وأكاديمي

في إطار زيارة الوفد الهندي إلى دمشق، عقد وزير الصحة مصعب العلي، اجتماعاً مع سوريش كومار لبحث سبل تعزيز التعاون الصحي بين البلدين، وتناولت المحادثات بشكل خاص تطوير الصناعات الدوائية وبرامج التدريب الطبي.

وفقاً لما نقلته وكالة الأنباء السورية “سانا”، اتفق الجانبان على إطلاق منحة دراسية للطلاب السوريين، إلى جانب برنامج تعاون هندسي يستهدف الموظفين الحكوميين.

هذا وأعرب الوزير العلي عن اهتمام سوريا بإقامة شراكات مع الهند في مجال التقنيات الصحية، مشيداً بقوة الاقتصاد الهندي ودوره الداعم للقطاع الصحي في بلاده.

ومن جهته، أكد المسؤول الهندي التزام حكومة بلاده بتمويل دورات تدريبية متخصصة للكوادر السورية، والتنسيق لتدريب الأطباء في الهند، إضافة إلى تعزيز التعاون في مجالات التمريض والصناعات الدوائية.

اقرأ أيضاً: العلاقات بين سوريا والمغرب: هل انتهى زمن الجفاء؟

الهند توازن بين المخاطر والفرص في سوريا

في ظل المشهد السوري المتغير، تُظهر الهند دبلوماسية جريئة وواقعية، حيث تسعى إلى تحقيق التوازن الدقيق بين المخاطر والفرص.

فمن جهة، تساهم هذه الخطوة الهندية في إبعاد الحكومة السورية الجديدة عن خطر التهميش في جهود إعادة الإعمار، مما يعكس نهجاً عملياً يركز على الاستقرار.

ووفقاً لمدثر قمر، الأستاذ المشارك في مركز دراسات غرب آسيا بجامعة جواهر لال نهرو في دلهي، فإن هذا التواصل يعزز من صورة الهند كقوة غير منحازة قادرة على التعامل مع مختلف الأنظمة لضمان الاستقرار الإقليمي.

وأفاد قمر أيضاً: “من جهة أخرى، تستفيد الهند من دعم حلفائها الإقليميين مثل المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة لسوريا في هذه المرحلة الانتقالية، مما يسهل عليها التعامل مع دمشق”.

كما أن بروز سوريا كعنصر محوري في العلاقات بين تركيا وإسرائيل يجعلها ذات أهمية قصوى لمصالح نيودلهي، بحسب قمر.

هذا وقد أضاف قمر: “الهند تسير بحذر، مدركة أن لديها مصلحة في مستقبل سوريا فيما يتعلق بالطاقة، والاقتصاد، والاستراتيجية، ما يجعل من الضروري تطوير تعامل حذر مع الحكومة الجديدة لضمان حماية مصالحها”.

اقرأ أيضاً: سوريا وروسيا تشكلان لجنة مشتركة.. والشيباني: نمد أيدينا للعالم

مصالح الهند في سوريا

تستند المصالح الهندية في سوريا إلى رؤية استراتيجية واضحة تهدف إلى تحقيق مكاسب اقتصادية وأمنية وإقليمية، ويأتي في مقدمة هذه المصالح ضمان استقرار سوريا، الذي يعتبر ضرورة حيوية للاقتصاد الهندي، حيث يضمن لها طرقاً تجارية وممرات طاقة آمنة وحيوية، خاصةً في حال تعزيز علاقاتها مع دول الخليج.

وبحسب شانتي مارييت ديسوزا، المديرة التنفيذية لمنتدى مانترايا البحثي المستقل، فإن الهند لديها أيضاً مصالح استراتيجية مباشرة مع سوريا تتمثل في حماية مواطنيها المتبقين في البلاد، وهو ما لا يمكن تحقيقه إلا من خلال التواصل المستمر مع الحكومة الجديدة.

إضافة إلى ذلك، ترى نيودلهي أن التعاون مع الحكومة السورية الجديدة سيعزز الاستقرار الإقليمي، ويساعد على منع سوريا من التحول إلى ملاذ للجماعات المتطرفة.

وتؤكد ديسوزا أن المساعدات الهندية في مجالات إعادة الإعمار والدعم الإنساني ستكون موضع ترحيب من النظام الجديد الذي يواجه العديد من التحديات الداخلية.

وأخيراً، بحسب ما أكدته ديسوزا، فإن سرعة تواصل الهند مع الحكومة الجديدة يعكس إدراكاً بأن حقبة الأسد قد انتهت، وأن هناك حاجة ملحة لإعادة صياغة سياستها الخارجية بما يتناسب مع مركز القوة الجديد في دمشق، مما يمكنها من حماية مصالحها وتقليل خطر نشوء فراغ استراتيجي يمكن أن تستغله قوى أخرى.

الهند تحافظ على علاقاتها مع دمشق رغم عواصف الحرب

لم تكن الهند غائبة عن المشهد السوري حتى في أحلك أوقات الحرب التي امتدت لأربعة عشر عاماً، حيث أنها في خطوة تعكس نظرة بعيدة المدى، أبقت الهند على سفارتها في دمشق، وإن كان بعدد موظفين أقل، مما يؤكد عمق العلاقات التاريخية والحضارية التي تجمع البلدين.

حيث أكد الدبلوماسي الهندي السابق، أنيل تريغونايات، أن الهند لطالما دعمت الحل الذي يقوده السوريون أنفسهم عبر الحوار والدبلوماسية، معتبراً أن هذه العلاقة الثنائية جزء طبيعي من سياستها الخارجية.

وفي ظل المشهد الحالي، تجد الهند ضرورة في مواصلة هذا التواصل، فالرئيس السوري الجديد يسعى بذكاء للانخراط مع قوى دولية متنوعة، بما في ذلك الهند.

وفي هذا الصدد، وبصفته رئيساً لمجموعة خبراء غرب آسيا في مؤسسة فيفيكاناندا الدولية وهي مؤسسة بحثية مقرها نيودلهي، قال تريغونايات: “يجب على الهند الاستمرار في سياستها القائمة على التواصل مع جميع شركائها في غرب آسيا، بما في ذلك سوريا، بغض النظر عن وجود فراغ استراتيجي من عدمه، لضمان استمرارية مصالحها وتأثيرها”.

اقرأ أيضاً: سوريا وجمعية الأمم المتحدة: من صمت 1967 إلى خطاب العودة… كيف تغيّر المشهد؟

في الختام، إن ما تقوم به الهند اليوم في سوريا ليس مجرد استئناف لعلاقات دبلوماسية، بل هو إعادة ضبط استراتيجية شاملة، فمن خلال الموازنة بين الحفاظ على مصالحها الاقتصادية والأمنية، والمساهمة في استقرار المنطقة، تؤكد نيودلهي أنها قوة دولية صاعدة ذات رؤية بعيدة المدى.

وبينما تطوي سوريا صفحة الماضي، تفتح الهند صفحة جديدة من التعاون، مدركة أن الحفاظ على وجودها ونفوذها في المشهد السوري الجديد يمثل ركيزة أساسية لتحقيق طموحاتها الإقليمية والدولية.

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى