ما هي تحديات ومسؤوليات المجتمع الدولي في مسار العدالة الانتقالية السورية؟

بقلم هلا يوسف
مرت أكثر من سنة على سقوط النظام السوري، وما يزال السوريون يتساءلون عن مصير العدالة الانتقالية، وكيفية تطبيقها على المسؤولين عن الجرائم المرتكبة خلال حكم النظام السابق. هذا التساؤل يزداد حدة بعد أن أقدمت بعض الدول الغربية على إزالة أسماء مرتبطة بالنظام من قوائم العقوبات، بينما تعمل الحكومة السورية على مسارين متوازيين، الأول يتعلق بإجراء تسويات محدودة مع بعض المسؤولين وشركائهم في ظل تعتيم شامل حول الأسباب التي تجعل التسوية مقبولة لرجل أعمال كان تابعاً للنظام السابق دون آخر، والثاني يركز على تفعيل مسار العدالة الانتقالية، الذي لم يشهد حتى الآن سوى محاكمات لعدد قليل من الأفراد، ودون توضيح واضح لطريقة المحاكمة أو المعايير المتبعة.
وفي هذا السياق، أصدر مرصد الشبكات السياسية والاقتصادية تقريراً تناول تفعيل المساءلة، ودور الاتحاد الأوروبي ودول أخرى في دعم الحكومة السورية في مسار العدالة الانتقالية، مع إبراز أبرز التحديات التي تواجه هذا المسار على المستويين الوطني والدولي، والفرص المتاحة لتعزيز العدالة والمساءلة. فيما يلي، قراءة لأبرز ماجاء في التقرير ضمن حدود مايتناوله مقالنا.
التحديات أمام العدالة والمساءلة
يواجه نظام المساءلة في سوريا مجموعة من العقبات القانونية والسياسية والاقتصادية المعقدة. على الصعيد الدولي، العقوبات المفروضة على المسؤولين عن النظام السوري لم تطبق بشكل شفاف، والكثير من الأشخاص المدرجين على القوائم لم يتم توجيه تهم محددة إليهم سوى أنهم تابعين للنظام السابق، عدا عن صعوبة تقديم طعون قانونية.
كما يثير غموض قرارات رفع الأسماء من القوائم جدلاً واسعاً. ففي بعض الحالات، أُزيلت أسماء رجال أعمال مرتبطين بالنظام السابق دون أي تفسير، ما أثار شكوكاً حول وجود صفقات سياسية أو تفاهمات غير معلنة. هذا النقص المستمر في الشفافية يقلل من قدرة المتضررين على الطعن، ويضع قيوداً إضافية على السفر والتنقل، ويضع المساءلة في موقع ضعيف أمام الرأي العام الدولي.
هذا الجدل والمفارقة بين أشخاص تم رفع العقوبات الدولية عنهم رغم ارتباطهم بالنظام السابق مثل رامي مخلوف، وآخرين لم يكونوا على مستوى دعم كبير للنظام مثل وزراء سابقين من الدرجة الثانية في النظام، طرح تساؤلات حول الاجراءات التي تم اتباعها في الحالتين.
فالدول الغربية مثل الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة والولايات المتحدة توفر آليات للطعن وإزالة الأسماء، لكنها غالباً غير مجدية. ففي الاتحاد الأوروبي، لا توضح السلطات أسباب رفض الطلبات، وأحياناً لا يتم الرد عليها على الإطلاق. وحتى عند حصول بعض الأفراد على حكم قضائي لصالحهم، تعاد إدراج أسمائهم بعد تعديل بسيط في سبب الإدراج، مما يزيد من عدم الشفافية، ويضعهم في موقف هش قانونياً ودولياً.
كما تمثل العقوبات المبنية على المناصب أو الانتماءات العائلية تحدياً إضافياً. إذ يعاقب الأشخاص بسبب مواقعهم السابقة أو صلاتهم بالنظام، دون إثبات أفعال محددة يمكن محاسبتهم عليها، ما يجعل الطعون القانونية صعبة للغاية ومكلفة جداً، حيث تصل تكاليف رفع القضايا أمام محكمة العدل الأوروبية إلى حوالي عشرة آلاف يورو على الأقل، وتزداد إذا خسر الشخص قضيته.
كما تتفاقم هذه الصعوبات بسبب وجود معظم المسؤولين السابقين وأصولهم المالية خارج نطاق الدول المصدرة للعقوبات، في دول مثل روسيا والإمارات ولبنان. إذ يعيق ضعف التعاون الدولي إمكانية تتبع الأموال وملاحقة المسؤولين، فيما يزيد احتمال استخدام هويات مزورة أو التنقل بين دول غير متعاونة من صعوبة تنفيذ العقوبات. كذلك لم تظهر الدول الغربية حتى الآن رغبة واضحة في مراجعة شاملة للعقوبات، خاصة للأشخاص المدرجين بسبب مناصبهم السابقة، بينما قد تشهد العقوبات على أساس الأفعال أو الصلات بالنظام زيادة في الطعون مع تحسن إمكانية الوصول إلى الأدلة وتوثيق الانتهاكات بعد سقوط النظام.
على الصعيد الداخلي، لا تزال قدرة الحكومة السورية الانتقالية على متابعة العدالة الانتقالية محدودة بسبب التحديات الاقتصادية والسياسية، وغياب البنية القضائية المستقلة الكافية، ما يجعل مسار المحاسبة الداخلي ضعيفاً في مواجهة النفوذ المتبقي للنظام السابق وشركائه.
حلول وفرص لتعزيز العدالة الانتقالية
رغم هذه التحديات، هناك فرص لتعزيز العدالة الانتقالية في سوريا عبر تبني نهج متكامل يجمع الحكومة الانتقالية والدول المصدرة للعقوبات ومنظمات المجتمع المدني وحقوق الإنسان.
أحد الحلول المقترحة هو إنشاء لجنة استشارية مشتركة تضم دبلوماسيين من الدول المصدرة للعقوبات، وممثلين عن الحكومة الانتقالية، ونشطاء حقوق الإنسان، ومنظمات ضحايا، بالإضافة إلى خبراء مستقلين. تهدف اللجنة إلى مراجعة قرارات شطب الأسماء، وتحليل الأدوار والمسؤوليات بدقة، ووضع معايير شفافة لإبقاء العقوبات أو فرض تصنيفات جديدة.
كما يمكنها متابعة إعادة هيكلة الشركات قبل رفع العقوبات عنها، واستحداث عقوبات جديدة للأفراد أو الشركات التي لم تُدرج سابقاً رغم وجود أسباب جدية، وضمان استناد جميع القرارات إلى معلومات موثوقة ومستقلة.
يمكن أن تساهم اللجنة في دعم الحكومة الانتقالية لإعادة التركيز على محاسبة رجال الأعمال والشركات التي استفادت من النظام السابق أو ساهمت في الجرائم، وهو جانب غالباً ما يتم تجاهله. كما يمكن أن يشمل التعاون دعم الأصوات الداخلية التي ترى أن المساءلة تراجعت لصالح أولويات سياسية أخرى بعد سقوط النظام، وضمان توافق برامج العقوبات الغربية مع أهداف العدالة الانتقالية.
إلى جانب ذلك لا يكفي إدراج الأسماء على القوائم، بل يجب تنفيذ العقوبات بشكل جدي داخل الدول المصدرة وربطها بالسياسات القضائية والدبلوماسية، بما في ذلك تتبع الأصول المالية المخفية، وملاحقة المسؤولين الذين يحاولون الإفلات باستخدام هويات مزورة أو عبر دول غير متعاونة. يمكن أن تعزز الملاحقات القضائية الدولية وطلبات تسليم المسؤولين المطلوبين من دول أخرى من مصداقية العقوبات وتقليل الإفلات من العقاب.
كما يمثل الدعم الدولي عاملاً حاسماً لتحقيق العدالة الانتقالية. إذ يمكن أن يساعد الحكومة الانتقالية على تجاوز العقبات الاقتصادية والقانونية، ويساهم في محاسبة رجال الأعمال والشركات المرتبطة بالنظام السابق، ما يفتح المجال لبناء اقتصاد جديد قائم على الشفافية والنزاهة، بدل الفساد والإفلات من العقاب.
في النهاية، يبقى تحقيق العدالة الانتقالية في سوريا مهمة معقدة وطويلة الأمد، تواجه تحديات قانونية وسياسية واقتصادية كبيرة، سواء على المستوى الوطني أو الدولي. ورغم الصعوبات المتعلقة بتطبيق العقوبات، وغياب الشفافية، وانتشار الأصول المالية خارج البلاد، فإن الفرص متاحة لتعزيز المساءلة من خلال تعاون مشترك بين الحكومة الانتقالية والدول المصدرة للعقوبات ومنظمات المجتمع المدني.
اقرأ أيضاً: العدالة الانتقالية بعد عام من السقوط: ما تحقق وما تعثر!









