القول الفصل في امتحان الرياضيات للشهادة الثانوية بين إدلب وبقية مناطق سوريا..

بقلم هلا يوسف
اعتادت عدسات الكاميرات الإعلامية تصوير مشاهد البكاء لطلاب الشهادات الإعدادية والثانوية عند خروجهم من امتحانات بعض المواد خلال السنوات السابقة، لكن امتحان الرياضيات للشهادة الثانوية لدورة 2026 يبدو وكأنه نزل كالصاعقة على الطلاب والأهالي في نفس الوقت. فردود الفعل والغضب والبكاء كانوا أسياد الموقف، حتى وصل الأمر إلى وجود حالات إغماء، واتهامات لوزارة التربية بالتفريق بين نموذج إدلب والمحافظات الأخرى. لكن ما رأي الوزارة بالأسئلة، وكيف علق بعض أساتذة الرياضيات على النموذجين، ومدى مراعاتهم لمستويات الطلاب؟ ولماذا يوجد نموذجين للامتحان في الأصل؟ هذا ما سنتعرف عليه في هذا المقال.
لماذا بدا امتحان دمشق أصعب؟
بعد خروج طلاب الشهادة الثانوية من امتحان الرياضيات مصدومين من صعوبة الأسئلة على حد وصفهم، أصبح من الضروري الاطلاع على رأي الأساتذة المختصين في هذا المجال، ومعرفة ما إذا كان هناك مبالغة من قبل الطلاب في ردة فعلهم.
قال أحد أساتذة الرياضيات أن معظم أسئلة نموذج دمشق اعتمدت على قدرة الطالب على الربط بين أكثر من فكرة رياضية في السؤال الواحد، وليس مجرد تطبيق القوانين بشكل مباشر.
فقد ركز الامتحان على موضوعات الدوال الأسية واللوغاريتمية والمتتاليات والهندسة الفراغية، واحتوى على أسئلة تتطلب دراسة دوال بشكل كامل، من إيجاد النهايات والمقارب وجدول التغيرات، إلى رسم المنحنيات وحساب المساحات المحصورة.
وأشار إلى أن مسألة المتتاليات كانت الأصعب، فقد احتاجت إلى خطوات متتابعة تبدأ بتحويل متتالية معينة إلى متتالية هندسية ثم استنتاج النهاية والمجموع، بدلاً من الاكتفاء بطلب إيجاد النتيجة النهائية. وبالتالي تحتاج إلى فهم جيد وقدرة على الاستنتاج أكثر من الحفظ.
أما في الهندسة الفراغية، فقد أكد أستاذ الرياضيات أن المسألة كانت طويلة نسبياً واحتوت على عدد كبير من المطالب، مثل إيجاد إحداثيات نقاط، وكتابة معادلات مستويات، وإثبات خواص هندسية، وحساب مساحات وأحجام، وصولاً إلى معادلة أسطوانة ناتجة عن دوران شكل هندسي. لذلك كان هذا الجزء هو الأكثر كثافة في الامتحان.
أما بالنسبة للأعداد المركبة، فقد ظهرت بصيغة هندسية تعتمد على لاحقات النقاط والعلاقات العقدية، وهذا ما عقد السؤال أكثر عند مقارنته بالأسئلة التقليدية التي اعتاد عليها الطلاب.
نموذج إدلب.. تنوع أكبر ووضوح أكثر
في حين أشار أستاذ الرياضيات أن نموذج إدلب كان أكثر تنوعاً من حيث الموضوعات وأكثر مباشرة في طريقة طرح الأسئلة. فقد شمل الامتحان النهايات والاشتقاق والتكامل والاحتمالات والأعداد المركبة والقطوع المخروطية والهندسة الفراغية، مع توزيع متوازن للمحاور المختلفة.
ومن أبرز الفروقات بين النموذجين ورود تمرين واضح عن القطع المكافئ، إذ طلب من الطالب تحديد الرأس ومحور التناظر والمحرق والدليل واتجاه الفتحة ومعادلة التماس. وهي أسئلة واضحة ومباشرة في الدرس الموجود في الكتاب وتحتاج فقط إلى فهم قواعده.
كما تضمن الامتحان تكاملات مألوفة تعتمد على طرق معروفة مثل التجزئة أو تبسيط العبارات الجبرية، ودراسة دالة واستخراج جدول تغيراتها والقيم العظمى والصغرى، ثم الاستفادة من الرسم البياني لتحديد عدد حلول معادلة معينة.
أما في قسم الأعداد المركبة، فقد كانت الأسئلة أقرب إلى النماذج المعتادة التي تدرب عليها الطلاب خلال العام الدراسي، مثل كتابة عدد مركب بالشكل الأسي أو إيجاد معادلة مجموعة نقاط تحقق شرطاً معيناً.
ما الفرق الحقيقي بين النموذجين؟
على الرغم من أن الامتحانين في دولة واحدة وتقريباً المنهاج نفسه مع وجود اختلافات، إلا أن الفرق كان في طريقة بناء الأسئلة بحسب رأي العديد من الأساتذة المختصين، إذ اعتمد بشكل كبير على الأسئلة المركبة والتي تحتاج إلى ربط عدة دروس ببعضها، ووضعها ضمن سؤال واحد مع طلبات متعددة. بينما ركز امتحان إدلب على تنوع المحاور ووضوح المطلوب من الطالب.
تنسيق غير متوازن للأسئلة
لم تقتصر الانتقادات على الأسئلة نفسها بل طريقة على صياغتها اللغوية. فقد نشر مدرس الرياضيات المعروف علاء رحال سلسلة ملاحظات انتقد فيها الامتحان بشدة، وأكد على وجود أسئلة طويلة ومتشعبة، عدا عن الضعف الواضح في بعض الصياغات العلمية واللغوية.
وأشار إلى أن الأخطاء وصلت إلى التنسيق وعلامات الترقيم، وتوزيع العلامات. كما رأى أن الأسئلة احتاجت وقت أطول من المقرر للمدة الزمنية لمادة الرياضيات. في حين مستوى التعقيد لا يتلاءم مع الظروف التي عاشها الطلاب خلال العام الدراسي، خصوصاً في المناطق الجنوبية والشرقية.
وطالب رحال وزارة التربية والتعليم بمراجعة طريقة إعداد الأسئلة والتحقيق في الملاحظات التي أثارها عدد من المدرسين بعد انتهاء الامتحان.
الوزارة.. الأسئلة ليست صعبة
على الرغم من كل الانتقادات الموجهة لأسئلة الرياضيات من قبل المدرسين، كان لوزير التربية محمد تركو رأي آخر، وأكد أن الأسئلة ليست صعبة، وإنما تحتاج إلى تركيز وفهم جيد للمطلوب.
وأوضح أن نموذج الأسئلة تم تعميمه منذ بداية العام الدراسي، وأن توزيعها يراعي جميع مستويات الطلاب، حيث تتضمن الورقة الامتحانية 50 بالمئة من الأسئلة السهلة، و25 بالمئة من الأسئلة المتوسطة، و25 بالمئة من الأسئلة المخصصة لتمييز الطلاب المتفوقين.
وأضاف أن النجاح يمكن أن يحصله الطالب العادي، أما التفوق فيحتاج إلى جهد أكبر وقدرة أعلى على التعامل مع الأسئلة المعقدة والمخصصة لهم في ورقة الامتحان.
اختلاف المناهج وراء وجود نموذجين
كان اختلاف المناهج بين إدلب والمحافظات الأخرى، والذي أدى بشكل بديهي إلى اختلاف النماذج الامتحانية من أهم النقاط التي أثارها المنتقدين. لكن من الواجب التذكير بأن وزارة التربية قد أعلنت خلال الصيف الماضي السماح للطلاب الذين درسوا وفق المناهج المعتمدة في تلك المناطق بالتقدم إلى امتحانات دورة 2026 وفق مناهجهم السابقة لمرة واحدة فقط، حتى لا يفقدوا استقرارهم التعليمي والقانوني. على أن تتوحد المناهج الدراسية في جميع المحافظات السورية بعد هذا العام.
اقرأ أيضاً: ياسر أبو زيد: رحلة شاب سوري من شغف البرمجة إلى إنجازات عالمية









