أعمال واستثمار

ما حكاية الآبار في دوما؟

بقلم: ريم ريّا

إن قصة آبار دوما تتجاوز بكثير مجرد مشروع إصلاح مضخات أو استبدال كابلات وأنابيب. فخلف الآبار الأربعة عشر التي يجري ترميمها في المدينة تاريخ من الإصلاحات يمتد لسنوات، تعطلت خلالها بنية تحتية أساسية، وأصبح الحصول على المياه مرهوناً بمتانة تلك البنية.

واليوم، يجري إعادة تشغيل هذه الآبار ضمن مشروع تنفذه الدفاع المدني السوري بالتنسيق مع المديرية العامة لمياه الشرب والصرف الصحي، بدعم وتمويل من السعودية عبر مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية. والهدف المباشر هو تحسين وضع مياه الشرب، لكن أثر المشروع يتجاوز ذلك بكثير، إذ يتيح استعادة إحدى الخدمات الأساسية التي تحتاجها المدينة للعودة إلى الحياة الطبيعية.

لماذا آبار دوما على وجه الخصوص؟

بحسب وحدة مياه دوما، فقد تعرضت الآبار الأربعة عشر المشمولة بالمشروع للتخريب والتدمير، لذا فإن إعادة تشغيلها تتطلب أكثر بكثير من مجرد صيانة دورية. تشمل أعمال إعادة التأهيل إصلاح المضخات، ولوحات الكهرباء، والكابلات، والأنابيب، والمعدات الميكانيكية والكهربائية اللازمة، مما يسمح بإعادة تشغيل الآبار واستغلال إنتاجها.

تعتبر هذه الخطوة بالغة الأهمية لأن الآبار جزء من شبكة إمداد المياه في المدينة. ومع عودة الآبار إلى العمل، يمكن تمديد فترة إمداد المياه للسكان، وخاصةً الآبار المشمولة بمشروع المقاصر. من المتوقع أن يستفيد من المشروع حوالي 75.000 نسمة، بفترة تنفيذ تبلغ 45 يوماً، مع توقعات بإنجاز العمل في وقت أقرب بناءً على التقدم الحالي.

تضمنت المرحلة الأولى تنظيف الآبار واختبارها، تلتها دراسة معدلات تدفقها وإنتاجيتها. تعد هذه الخطوات أساسية قبل تحديد المعدات اللازمة لكل بئر. بعد ذلك، سيركز العمل على تركيب مضخات جديدة وتحديث المعدات الكهربائية والميكانيكية. يضمن هذا أن إعادة تشغيل الآبار لن يكون كحل بشكل مؤقت، بل جزء من جهد أوسع لإعادة تشغيلها إلى مستوى أكثر استقراراً.

تخصيص سبعة آبار لأنظمة الطاقة الشمسية من الجوانب الأساسية للمشروع. فلا يقتصر هذا الإجراء على التحوّل إلى مصدر طاقة بديل ففط، بل يساهم في ضمان استمرار ضخ المياه في ظل صعوبات إمدادات الكهرباء، مما يقلل اعتماد الآبار على الطاقة التقليدية.

اقرأ أيضاً: المياه في يبرود.. تقنين أم أعطال؟

الماء عنصر أساسي لإنعاش المدينة

في أغلب الأحيان تبدو إعادة تأهيل شبكة المياه، للوهلة الأولى، مجرد مشروع تقني صرف، لكن في المدن التي تضررت بنيتها التحتية أثناء الحرب، يرتبط هذا المشروع بشكل أساسي في قدرة السكان على العودة إلى منازلهم. فالماء ضروري للحياة اليومية، من المنازل والمدارس والمراكز الصحية إلى الأنشطة الاقتصادية والخدمية. لذا، فإن استعادة مصدر مياه يعني، بشكل عملي، استعادة جزء من قدرة المدينة على توفير الخدمات الأساسية.

من هذا المنظور، يمكن اعتبار مشروع آبار دوما جزء من استراتيجية إنعاش أشمل، وليس مجرد مشروع معزول عن جهود إعادة التأهيل الأخرى. يتزامن هذا مع مشروع آخر في دوما وداريا لإزالة وإدارة وإعادة تدوير بعض الأنقاض، بدعم من مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية. يهدف المشروع إلى إعادة تدوير ما يقارب 30.000 متر مكعب من الأنقاض القابلة لإعادة الاستخدام باستخدام وحدة متخصصة، بدل من التعامل معها كنفايات.

حتى شهر آب من العام الماضي 2025، تم نقل ما يقارب 25.000 متر مكعب من الأنقاض إلى مصنع إعادة التدوير، بينما بلغت كمية الأنقاض التي تم تكسيرها وفرزها 12.000 متر مكعب. أما فيما يتعلق بجهود الإزالة، بحلول نهاية حزيران، أزيل ما يقارب 84.000 متر مكعب من الأنقاض من أصل 85.000 متر مكعب، مما وفر حوالي 35 فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة.

إلى جانب كل ذلك، يجري تجهيز مصنع إعادة التدوير بآلات لإنتاج مواد يمكن استخدامها في البناء، بما في ذلك قوالب الخرسانة، والبلاط المتشابك، وحواف الطرق الخرسانية، وجزر الطرق.

من إصلاح الآبار إلى استعادة الخدمات

يظهر ما يحدث في دوما أن التعافي لا يبدأ بشكل دائم من مشاريع ضخمة أو منشآت جديدة. إنما يبدأ أحياناً، بإعادة تشغيل بئر متوقفة، أو إزالة الأنقاض التي تسد الشوارع، أو إعادة استخدام مواد كانت ستهدر لولا ذلك. في حالة آبار دوما، تكمن أهمية المشروع في استعادة مورد قائم، بدل الاعتماد فقط على إنشاء مصادر مياه جديدة. إذا حافظت الآبار المعاد تأهيلها على إنتاجيتها واستمرت في العمل، فسيكون لذلك أثر مباشر على ساعات إمداد المياه للسكان.

تشير هذه المشاريع مجتمعةً إلى مسار يتجاوز مجرد إصلاح الأضرار، ويركز على استعادة الخدمات والموارد المحلية، وهو مسار يجب الحفاظ عليه لكي تستعيد المدن المتضررة وظائفها الأساسية بشكل تدريجي.

يعتبر هذا المشروع جزء من التواجد الأوسع لمركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية في سوريا. وتظهر بيانات المركز أنه نفّذ أو دعم مئات المشاريع في مختلف القطاعات. بحسب إحصاءات المركز، لديه 530 مشروعاً في سوريا، بتكلفة إجمالية تقارب 586.3 مليون دولار، تشمل المشاريع المنجزة والجاري تنفيذها.

ختاماً، بالنسبة لمدينة دوما، لا تقاس قيمة هذه المشاريع بعدد الآبار التي ستعاد بناؤها أو كمية الأنقاض التي ستزال، بل بقدرتها على استعادة الخدمات الأساسية لتلبية الاحتياجات اليومية للسكان. إن البئر العاملة والأنقاض التي يتم تحويلها إلى مواد قابلة للاستخدام وجهان لعملة واحدة، ترميم ما يمكن إنقاذه من المدينة، وتحويل البنية التحتية المتضررة من عبء إلى أساس لإعادة البناء.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى