ما حقيقة الاستثمارات الزراعية الإماراتية في سوريا؟!

الكاتب: أحمد علي
بعد إعلان أحد رجال الأعمال الإماراتيين عن عدم رغبته في الاستثمار في سوريا وبأن «الأولوية للسوريين» فيما سيتفرغ هو للعمل الخيري، كان من المفاجئ الحديث عن استثمارات إماراتية في القطاع الزراعي جرى توقيعها، ولذلك جاء عنوان مقالنا هذا ليسأل عن حقيقتها.
حينما تذكر الأرض، أو الاتفاقيات الزراعية في بلد بوضع سوريا الحالي، يتحرك في الخلف سؤال أكبر عن الغذاء، والمياه، والتصدير، ومن يملك قرار المحصول بعد أن ينضج.. لهذا يبدو السؤال عن الاستثمارات الزراعية الإماراتية في سوريا مشروعاً.. فما الذي جرى فعلاً؟ وما الذي لم يجر بعد؟
في 24 حزيران 2026، أعلنت وكالة الأنباء السورية أن مجموعة “سلال” الإماراتية وقعت اتفاقيتين مع وزارة الزراعة السورية على هامش معرض فود إكسبو 2026 في دمشق. الأولى تتعلق بإجراء دراسات في عدة مواقع داخل سوريا لتطوير مشاريع استثمارية زراعية، وتشمل برامج زراعة تعاقدية وإنشاء مراكز فرز وتدريج وتوضيب تساعد على تسويق المنتجات السورية وتصديرها. والثانية تتعلق بالشراء المباشر من المزارعين، مع حديث عن مرحلة أولى تشمل شراء ما لا يقل عن 16 ألف طن من البطاطا لتصديرها إلى الإمارات.
الاستثمارات الزراعية الإماراتية في سوريا ليست صفقة أرض
يبدأ الخلط عندما تُقرأ كل عبارة عن “استثمار زراعي” بوصفها بيعاً أو تأجيراً واسعاً للأراضي، والمصادر الرسمية المتاحة لا تقول ذلك حتى الآن. هي تتحدث عن دراسات لمواقع زراعية، وزراعة تعاقدية، ومراكز توضيب وتعبئة، وشراء محاصيل للتصدير.
وهذا فرق أساسي، فالاستثمار هنا، في صيغته المعلنة، أقرب إلى بناء سلسلة إمداد زراعية بين المزارع السوري والسوق الإماراتية، وليس إلى إعلان ملكية أو استحواذ على أراض.
قبل توقيع الاتفاقيتين بيومين، نقلت سانا عن اجتماع وزير الزراعة باسل السويدان مع وفد مجموعة “سلال” بحث فرصاً في دير الزور وحمص والرقة وطرطوس واللاذقية. وورد في الخبر نفسه أن الحديث شمل اتفاقاً طويل الأمد للاستثمار الزراعي، وتصدير 3 آلاف طن من البطاطا كدفعة أولية عبر مجموعة البكراوي. ثم جاء خبر التوقيع ليرفع الرقم المعلن إلى ما لا يقل عن 16 ألف طن من البطاطا في المرحلة الأولى.
الرقم هنا مهم، لكنه لا يكفي. 16 ألف طن من البطاطا قد تكون فرصة لمزارعين يبحثون عن سوق مضمون، وقد تكون بداية ضغط جديد إذا جرى توجيه الإنتاج نحو التصدير من دون حساب حاجة السوق المحلية والأسعار والمياه. والمسألة لا تُحسم بالعنوان، تُحسم بشروط العقد.
تدخل “سلال” إلى المشهد بوصفها شركة إماراتية تعمل في قطاع الغذاء والتكنولوجيا الزراعية، وتعلن أن مهمتها تنويع مصادر الغذاء وتحفيز التصنيع والتوزيع في قطاع الأغذية الزراعية داخل الإمارات وخارجها. والشركة جزء من محفظة “القابضة” ADQ في أبوظبي. كما أن مجموعة البكراوي، المرتبطة بالمسار نفسه، توصف على موقع “سلال” بأنها من كبار مستوردي وموزعي الخضار والفواكه في الإمارات، وتستورد أكثر من 49 ألف حاوية نمطية سنوياً من الفواكه والخضار، عبر شبكة تضم أكثر من 550 مورداً في أكثر من 40 دولة.
وهذه ليست جمعية خيرية، إنها بنية تجارية كبيرة تبحث عن مصدر جديد للإمداد. وسوريا، بعد الحرب والعقوبات والجفاف، تبحث عن منفذ. هنا يلتقي الطرفان.
الأرض السورية بين فرصة الإنتاج وكلفة الجفاف
سوريا تملك ما يجعلها مغرية زراعياً. تنوع مناخي، خبرة فلاحية طويلة، أراض قابلة للزراعة، ومحاصيل معروفة في أسواق قريبة. وزير الزراعة السوري تحدث في حزيران عن هذه العناصر، وربطها بقانون الاستثمار الجديد وبزيارات مستثمرين إماراتيين لاستكشاف الفرص. وقبل ذلك، في نيسان 2026، تحدثت هيئة الاستثمار السورية عن مبادرة “السلة الزراعية” للسوق الإماراتية، وعن تحضير مشروع زراعي وصناعات تحويلية يهدف إلى رفع القدرة الإنتاجية وتعزيز القيمة المضافة للقطاع الزراعي.
لكن الصورة الأخرى أشد قسوة، فرويترز نقلت في أيار 2025 عن منظمة الأغذية والزراعة تقديراً بأن الجفاف قد يؤدي إلى فشل 75 في المئة من محصول القمح المحلي، وأن العجز المتوقع يبلغ 2.7 مليون طن من القمح، وهو مقدار يكفي لإطعام 16.3 مليون شخص لمدة عام. وفي أيار 2026، قال برنامج الأغذية العالمي إن 7.2 مليون شخص في سوريا ما زالوا يعانون انعداماً حاداً في الأمن الغذائي، بينهم 1.6 مليون يواجهون جوعاً شديداً، كما خفّض مساعداته الطارئة من 1.3 مليون شخص إلى 650 ألفاً بسبب نقص التمويل.
وعلى قاعدة هذه المعطيات، لا يعود الاستثمار الزراعي شأناً قطاعياً فقط. يصبح جزءاً من سؤال الأمن الغذائي. فبلد يواجه جفافاً قاسياً ونقصاً في القمح وتراجعاً في المساعدات يحتاج إلى كل استثمار حقيقي في الري، والبذار، والطاقة، والتخزين، وسلاسل التبريد، والتصنيع الغذائي. لكنه يحتاج أيضاً إلى ألا تتحول الزراعة إلى مجرد خط إمداد خارجي بينما تبقى السوق المحلية ضعيفة ومكشوفة.
الزراعة التعاقدية قد تكون مفيدة، فهي تمنح المزارع سوقاً مسبقاً، وتساعده على التخطيط، وقد تجلب له إرشاداً فنياً أو مدخلات إنتاج أفضل. لكنها قد تكون قاسية إذا صيغت لمصلحة المشتري وحده. السعر، نوعية المحصول، موعد الدفع، تحمل المخاطر، كلفة البذار والسماد، استخدام المياه، وحق المزارع في بيع جزء من إنتاجه محلياً، كلها مسائل لا تظهر عادة في بيان التوقيع، لكنها هي التي تحدد إن كان العقد فرصة أم قيداً.
الاختبار في شروط العقد لا في صورة التوقيع
لا يمكن فصل الاتفاقات الزراعية عن اتساع العلاقة الاقتصادية السورية الإماراتية. فقد نقلت رويترز في أيار 2026 عن وزير الدولة الإماراتي للتجارة الخارجية ثاني الزيودي أن التبادل التجاري غير النفطي بين الإمارات وسوريا وصل إلى 1.4 مليار دولار في 2025، بزيادة 132 في المئة عن العام السابق.
كما تحدث التقرير عن اتفاقات أولية في قطاعات السياحة والبناء والبنية التحتية والزراعة والطيران والخدمات اللوجستية. وفي تموز 2025، وقعت سوريا اتفاقاً بقيمة 800 مليون دولار مع “دي بي ورلد” الإماراتية لتطوير البنية التحتية للموانئ والخدمات اللوجستية في طرطوس.
وهذا السياق يقول شيئاً واضحاً، فالزراعة ليست ملفاً منفرداً. وإذا اكتملت بعض الحلقات، يمكن أن تصبح جزءاً من ممر أوسع للتصدير، من الحقل إلى مركز التوضيب، ثم إلى الميناء أو السوق الخليجية. وهذا قد يفتح باباً مهماً أمام منتجات سورية طالما خسرت بسبب ضعف التعبئة والتبريد والمواصفة والتسويق، لكن الباب نفسه قد يفتح على اختلال جديد إذا غابت الرقابة العامة.
حقيقة الاستثمارات الزراعية الإماراتية في سوريا، حتى الآن، أنها موجودة كمذكرات واتفاقات أولية واتجاه تجاري جدي، لكنها لم تتحول بعد إلى مشروع مكتمل التفاصيل أمام الرأي العام. لا توجد في المصادر المتاحة وثائق منشورة تحدد مساحات الأراضي، أو مدة العقود، أو توزيع الأرباح، أو أثر المشاريع على المياه، أو آلية حماية المزارعين، أو حجم الاستثمار المالي المباشر في البنية الزراعية نفسها. وهذا الفراغ ليس تفصيلاً، إنه جوهر الموضوع.
من حق سوريا أن تبحث عن استثمار، ومن حق المزارع أن يبحث عن سوق، ومن مصلحة الإمارات أن تؤمن مصادر غذاء أكثر تنوعاً. وهذه مصالح مفهومة، لكن المصلحة الوطنية السورية لا تقاس بعدد الأطنان المصدرة فقط. تقاس أيضاً بما إذا كان الاستثمار يرفع إنتاجية الأرض، ويحمي المياه، ويثبت الفلاح في أرضه، ويضيف قيمة داخل البلاد، ويمنع تحوّل المحصول إلى سلعة خارجة من البلد قبل أن تخدم حاجته.
والمشكلة ليست في أن تدخل شركة إماراتية إلى الزراعة السورية، المشكلة في أن يدخل أي استثمار بلا قواعد معلنة بما يكفي، فالزراعة ليست عقاراً سياحياً، ولا مشروعاً جانبياً. هي خبز، وماء، وعمل، وريف، وأمن غذائي. وأي خطأ فيها يدفع ثمنه الناس بسرعة.
الخلاصة أن الحديث عن الاستثمارات الزراعية الإماراتية في سوريا ليس وهماً، لكنه لم يبلغ بعد مستوى الحقيقة الكاملة. الحقيقة الحالية تقول إن هناك مساراً يبدأ بالبطاطا، وبالزراعة التعاقدية، وبمراكز التوضيب، وبفكرة ربط الإنتاج السوري بسوق إماراتية كبيرة. أما الحقيقة الأهم فلم تُختبر بعد. هل سيكون هذا المسار استثماراً يعيد للزراعة السورية بعض قدرتها، أم قناة تصدير تستفيد من ضعف البلد وحاجته؟ الجواب ليس في البيان، الجواب في العقد، وفي الرقابة، وفي أثر المشروع على الفلاح والسوق والماء.
اقرأ أيضاً: الاستثمار في سوريا: ما الفرق بين المستثمر التركي والسعودي والإماراتي؟









