ثقافة وتراث

ما بين الفزعة والتجيير حكاية عادات وتقاليد رسمت تراث دير الزور

بقلم هلا يوسف

يتنوع المجتمع السوري بتنوع سكانه، فلكل منطقة وعشيرة وعائلة عاداتها وتقاليدها التي توارثتها عبر الأجيال. وقد كانت حياة البداوة مثالاً يحتذى به، لما تحمله من كرم وتمسك بالتقاليد والعادات، وما تعكسه من احترام لتاريخ الأجداد. ومع ذلك ومع تقدم الزمن والتطور الحضاري، كان لا بد من التخلي عن بعض العادات أو تعديلها، لتتواكب مع الحياة المعاصرة، محدثة مزيجاً فريداً بين الماضي والحاضر. وفي هذا المقال، نستعرض رحلة عادات وتقاليد دير الزور، بين ما بقي حياً في ذاكرة المجتمع وما تغير مع مرور الزمن، مع الحفاظ على روحها وجماليتها التي تميز هوية أهل المدينة.

الوشم (الدق): زينة وحماية

اشتهرت دير الزور بفن “الدق” أو الوشم، الذي كان يمارس منذ القدم لدى النساء والرجال، حيث كان مرافقاً لحياة البدو وسكان المدينة والريف. بالنسبة للمرأة كان الدق وسيلة للزينة والتجمل، واستمرت بعض أشكاله حتى اليوم، خاصة على الرقبة والصدر وطرف الشفة والساق وأسفل العين والخد والجبين والمعصم والزند وحتى الحنك، ولكل موضع اسم ودلالة خاصة، مثل شعابيات وسنابل ووردة ورثمة وأمشاط وشقاليات وحجول وزلف ونقطة ووسادة ابن العم.

أما عند الأطفال، فكان الاعتقاد السائد أن الدق يحميهم ويضمن بقائهم على قيد الحياة، فتوجه بعض الأهالي لوشم أطفالهم منذ صغرهم. لم تقتصر مهنة الدق على نساء “النور” فقط، بل مارستها نساء المدينة والريف مقابل أجور نقدية أو عينية، وقد تغنى المغنون الشعبيون بالدق في الأفراح والأعراس.

أما عند الرجال تركز الوشم غالباً على الزند، فأخذ أشكالاً متعددة مثل كتابة الاسم، ورسم السلاح والطير، أو نقش كلمات تحمل معانٍ دينية وعاطفية مثل رضا الوالدين أو محبة الأم.

وتتم عملية الدق بأدوات بسيطة، باستخدام عدة إبر ومواد طبيعية مثل الكحل أو الفحم مع الحليب أو الزبدة، مما يمنح الوشم لونه الأخضر الداكن. ويقسم الدق إلى ثلاثة أنواع: للزينة، للمتطلبات الطبية كوشم الحلابات لتخفيف وجع اليد، وللحماية من العقارب والأفاعي في أسفل القدم. وقد ورد ذكر الوشم في الشعر الجاهلي، ما يعكس قدم هذه الظاهرة وانتشارها في المجتمع العربي.

الفزعة: روح التعاون والانتماء

لم تكن “الفزعة” مجرد فعل مساعدة عابر، بل كانت قيمة اجتماعية راسخة في دير الزور، تعبر عن روح التعاون والانتماء العميق بين أفراد المجتمع. عند وقوع أزمة أو ظرف طارئ، كان الناس يتسابقون لتقديم الدعم المادي والمعنوي والمشاركة في الأعمال اليومية، من بناء المنازل إلى العناية بالزراعة، أو الوقوف إلى جانب المرضى والمتضررين.

وعلى الرغم من التحولات الاجتماعية والاقتصادية، لم تختفِ الفزعة، بل تطورت أشكالها مع ظهور المبادرات الأهلية والجمعيات الخيرية. وقد شهد الزلزال الذي ضرب شمال سوريا في شباط 2023 مبادرة أبناء دير الزور لجمع المساعدات وإيصالها للمتضررين، ما يعكس استمرار روابط الأخوة والإنسانية في المجتمع، رغم تغيرات الزمن.

لباس المرأة: العباية

كان لباس المرأة في دير الزور، المعروف محلياً “بالعباية” جزءاً من الهوية الاجتماعية والذوق المحلي، ترتديه المرأة أثناء الزيارات أو لقضاء الحوائج اليومية. هذا الزي نال شهرة عربية واسعة، خصوصاً في العراق والبحرين والكويت، وغنى له بعض المطربين الشعبيين. أما اليوم فقد أصبح ارتداء العباية مقتصراً على النساء المسنات اللواتي حافظن على هذه العادة، بينما يفضل الجيل الشاب الملابس العصرية.

روحانيات وأكلات شعبية رمضانية

من العادات الغذائية المميزة، كانت أكلات شعبية عدة باتت نادرة اليوم، مثل “الحنيني” المصنوعة من التمر والبيض والسمن العربي، والتي كانت تقدم في وجبة السحور خلال رمضان. وكان لشهر الصوم طقوسه الخاصة، أبرزها شخصية “المسحرجي” الذي يجوب الأحياء لإيقاظ الناس للسحور، عادة اختفت مع الزمن ولم يبقَ منها إلا القليل بدافع الحاجة. ويقال إن المسحرجي كان يحصل على أجره قبل عيد الفطر لقاء عمله طوال الشهر.

كما ارتبطت دير الزور بطقس “تطويف شموع الخضر”، الذي يقام ليلة النصف من شعبان، وتسمى محلياً ليلة “المحيا”، حيث توضع الشموع على قطعة خشب تطفو في نهر الفرات، على أمل تحقيق أمنية مثل الشفاء أو ولادة طفل أو عودة غائب. رغم اختفاء هذه الطقوس، ما زالت حاضرة في ذاكرة الأهالي.

طقوس الأطفال: الطهور

كان ختان المواليد مناسبة جماعية يحضرها الأقارب من جهة الأب والأم، ويقام لها الاحتفال والزينة لمدة أسبوع، بعد تجهيز فناء البيت من كنس ورش المياه ومد الفراش والسوح والبسط والمخدات. يحضر المطهر على “الحنتور” ويحمل حقيبته الجلدية، ويجلس في صدر المجلس لتطهير الأطفال، وسط الهلاهل والزغاريد، وتوزيع الحلويات والتمور والمكسرات، ثم تتبعها وليمة كبيرة غالباً تشمل اللحم مع المرقة والرز والخبز. اليوم يقتصر الطهور على نطاق الأسرة ويتم في المستشفى.

العادات الاجتماعية: الحيار والزواج

من العادات السيئة التي اختفت تدريجياً “الحيار”، إذ كان ابن العم يمنع الآخرين من التقدم لابنة عمه، فتظل مقيدة حتى يوافق على الزواج منها أو يتركها لتتزوج غيره. استمرت هذه العادة حتى ثمانينيات القرن الماضي، وغالباً ما كانت ضحيتها الإناث، قبل أن تتلاشى تدريجياً بوعي المجتمع.

تستمر مراسم الزواج بعد تقديم المهر، وتقتصر الدعوة على الأهل والأصدقاء المقربين، ويقام حفلاً للعروس ترتدي فيه البدلات التقليدية المزينة بالمصوغات الذهبية، ويلبسها الخطيب “تلبيسة” ذهبية. في الماضي، كانت هناك عادة عبور العروسين على خمسة جسور قبل ليلة الدخلة، ترافقها سيارات وتكاسي والغناء والزمامير، ثم تكسر العروس قارورة عطر على الباب للفأل الحسن، وهي عادة اختفت مع مرور الوقت.

وكذلك مرت الخطبة بثلاث مراحل عبر الزمن: حيث كانت في الأولى يختار الأهل خطيبة الابن دون رأيه، ومع تطور المجتمعات أصبح يشارك العريس رأيه ضمن مشورة العائلة بالفتاة المنتقاة، إلا أنه في عصرنا الحالي اكتسب الشاب خبرة لتقدير خياراته، وتقلّصت سيطرة العادات التقليدية حيث أصبح يختار عروسته بنفسه، كما اعطيت للفتاة نوعاً من حرية اختيار شريك حياتها.

ويبدو أن موضوع الخاطبات المستمر إلى الآن في بعض المجتمعات كان له دوراً أساسياً في عادات وتقاليد أهالي دير الزور، حيث تتوجه أم العريس وأقرباؤه لبيت الفتاة بطريقة لطيفة لنقل رغبة العريس، ويبقى القرار النهائي بيد ولي الأمر.

أما في الريف، كان المهر مرتفعاً أحياناً، ويتم إعطاؤه كاملاً لوالد العروس لتجهيز ابنته والاحتفاظ بالباقي. حيث كان بعض الشباب يعرف الفتاة مسبقاً، وآخرون يوافقون على الزواج بناءً على سمعة أهلها. ومن ثم يقام العرس على أنغام الطبول والزمر وأصوات الأعيرة النارية، ويستمر الاحتفال عادة حتى ما بعد منتصف الليل، وقد يمتد لعدة أيام مع ولائم الطعام واستقبال المهنئين وتقديم الهدايا للعروسين. كما كانت عادة تعدد الزوجات منتشرة بشكل كبيرة في دير الزور إلا أنها الآن قليلة مقارنة بالماضي.

في النهاية، شكلت عادات وتقاليد دير الزور جزءاً أصيلاً من هوية أهلها فكل عادة، من الوشم والزينة إلى طقوس الزواج وفزعة الجيران، تحكي قصة المجتمع وأصالته ودفء تواصله. ومع مرور الزمن وتغير أنماط الحياة، لم تختفِ هذه التقاليد تماماً، بل اكتسبت أشكالاً جديدة، حافظت على روحها الجوهرية.

اقرأ أيضاً:

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى