سياسة

ما المسافة بين تطلعات الجيل الجديد وسياسات الدولة؟

الكاتب: أحمد علي

خصصت فعالية رسمية في دمشق يوم 21 تموز 2026 للحديث عن آمال الشباب، لكن التغطية الرسمية المنشورة نقلت كلمات ثلاث مسؤولات ولم تنقل جملة واحدة قالها شاب أو شابة. عرض المنظمون نتائج مسح ديموغرافي دولي والهرم السكاني لسوريا لعام 2025، ثم عقدوا جلسات حوارية في مركز «قدرات» للتدريب والتطوير المهني والعلمي لذوي الإعاقة وضحايا الحرب.

لا تسمح المادة المنشورة بمعرفة عدد المشاركين وأعمارهم والمحافظات التي قدموا منها، كما لا تعرض ما طلبوه أو ما اعترضوا عليه. هذه الفجوة لا تنفي حصول الحوار، لكنها تمنع الجمهور من قياس المسافة بين ما يقوله الشباب وما تنقله المؤسسات إلى خططها. وتزداد أهمية ذلك لأن الفعالية جاءت بعد أشهر من ملتقيات شبابية أعلنت الدولة أنها ستقود إلى استراتيجية وطنية حتى عام 2030.

تطلعات الجيل الجديد والعمل والاستقرار

استندت فعالية دمشق إلى «مسح المستقبل الديموغرافي 2026» الذي أجراه صندوق الأمم المتحدة للسكان بين عامي 2025 و2026. شمل المسح أكثر من 108 آلاف شخص متصلين بالإنترنت، تراوحت أعمارهم بين 18 و39 عاماً في 73 دولة وإقليماً. قال أكثر من ثلثي المستجيبين إنهم يريدون الزواج أو العيش مع شريك، ورأى 81% أن الأمان المالي شرط مهم للدخول في علاقة، وارتفعت النسبة إلى 88% عند التفكير في الإنجاب. كما عدّ 87% العمل المستقر شرطاً مهماً لتكوين أسرة.

هذه النسب مرجع للمقارنة ولا تمثل شباب سوريا إحصائياً. الصندوق نفسه يوضح أن العينة غير ممثلة للسكان على المستوى الوطني أو العالمي، وأنها تقتصر على مستخدمي الإنترنت. لذلك يمكن الاستفادة منها لفهم ترابط العمل والسكن والاستقرار الأسري، من دون إسقاط نتائجها على المجتمع السوري أو التعامل معها بوصفها استطلاعاً محلياً.

الخبرة السورية السابقة تقود إلى الاتجاه نفسه. أجرى المجلس النرويجي للاجئين عام 2020 مقابلات مع 24 شاباً وشابة داخل سوريا، وتركز حديثهم على العودة إلى التعليم والحصول على تدريب يفضي إلى عمل آمن، إضافة إلى استعادة الوثائق والقدرة على الحركة. كانت العينة صغيرة وذات قيمة وصفية، لكنها حفظت أصواتاً مباشرة غابت عن تغطية فعالية دمشق الأخيرة. وقدّر التقرير حينها وجود نحو 3.8 ملايين شاب بين 15 و24 عاماً داخل البلاد، بما يعادل 21% من السكان، فيما انخفض عدد الفئة بين 20 و34 عاماً بنسبة 26% بين 2011 و2017، وتراجع عدد الشباب بنحو 400 ألف شخص خلال الفترة نفسها.

تفسر ظروف المعيشة لماذا بقيت هذه المطالب حاضرة. يقدّر تقرير لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن البطالة العامة ارتفعت من 8% عام 2010 إلى 24% عام 2023، وأن بطالة الشباب بلغت 60% في 2022، أي ثلاثة أمثال مستواها في 2010. وارتفعت نسبة الفقر العام من 33% قبل الحرب إلى 82% في 2022 ثم إلى نحو 90% في 2024. تعني هذه الأرقام أن تطلعات الجيل الجديد إلى العمل والسكن وتكوين أسرة تصطدم بمشكلة اقتصادية واسعة، ولا يمكن التعامل معها عبر التدريب القصير وحده.

التعليم يكشف استمرار العائق نفسه عبر السنوات. قالت اليونيسف في كانون الثاني 2021 إن أكثر من 2.4 مليون طفل كانوا خارج المدرسة، ثم استخدمت الرقم نفسه تقريباً في أيلول 2025، مع وجود أكثر من مليون طفل إضافي معرضين للتسرب وبقاء مدرسة من كل ثلاث غير صالحة للاستخدام. تشابه التقديرين لا يثبت أن شيئاً لم يتغير، لأن السكان وطرق التقدير تبدلوا، لكنه يؤكد أن حجم الانقطاع بقي كبيراً بعد أربع سنوات. كل طفل يتسرب اليوم يدخل سن العمل لاحقاً بفرص أضعف، فتنتقل مشكلة التعليم إلى سوق العمل بدل أن تنتهي عند باب المدرسة.

الاستماع قبل اعتماد السياسة

تغير شكل التعامل الرسمي مع ملف الشباب منذ 2025. أعلنت وزارة الرياضة والشباب في تشرين الثاني من ذلك العام إطلاق 12 ملتقى في المحافظات تمهيداً لمؤتمر وطني يشارك فيه نحو 1500 شاب وشابة من الداخل والخارج، وكان الموعد الأول المعلن نهاية كانون الثاني 2026. عُقد أول ملتقى في ريف دمشق يوم 30 كانون الثاني، ثم توالت لقاءات في محافظات أخرى وناقشت التعليم والعمل والحقوق المدنية والمشاركة السياسية والأمن المجتمعي.

تبدل الجدول لاحقاً. أعلنت الوزارة في 27 أيار أن المؤتمر سيعقد بين 26 و28 حزيران بمشاركة نحو ألف شخص، بعد أن كان مقرراً يوم 6 حزيران، بينما ظل الموقع المخصص للمؤتمر يتحدث عن ممثلين من 14 محافظة وعن 12 محوراً لاستراتيجية الشباب 2030، مع استهداف عرض 100 مبادرة شبابية. تغير الموعد وعدد المشاركين المتوقع لا يعيب العملية وحده، لكنه يجعل نشر السجل النهائي ضرورياً لمعرفة من شارك وما الذي اعتمد.

حتى 23 تموز، لم يجد هذا التقرير في الصفحات الرسمية والموقع المخصص التي راجعها نصاً منشوراً للاستراتيجية، أو قائمة نهائية بالتوصيات، أو جدولاً يربطها بالجهات المنفذة. قد تكون مواد أخرى لم تنشر أو لم تفهرس إلكترونياً، لذلك لا يمكن الجزم بمصير المؤتمر أو مخرجاته من المصادر المتاحة. المؤكد أن الجمهور يستطيع الوصول إلى إعلانات التحضير أكثر مما يستطيع الوصول إلى نتائج قابلة للمتابعة.

تظهر هنا مسافة واضحة بين الاستماع وصنع السياسة. توسع الملتقيات الجغرافية يتيح مشاركة لم تكن ظاهرة في تقرير المقابلات الصغير عام 2020، لكن المصادر المنشورة لا تشرح طريقة اختيار المشاركين ولا حصة الشابات والنازحين وذوي الإعاقة وسكان الأرياف. ومن دون هذه المعلومات يصعب معرفة ما إذا كانت الآراء المجمعة تمثل تنوع الشباب أم تعكس الفئات الأسهل وصولاً إلى الفعاليات الرسمية.

البرامج وقياس النتائج

توجد إجراءات حكومية مرتبطة مباشرة ببعض المطالب. قالت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل إن عام 2025 شهد إطلاق مشروع لتمكين الشباب في عشر محافظات، بهدف تطوير المهارات وتحسين الاندماج في سوق العمل، كما أعيد تفعيل منصة وطنية للمطابقة بين الباحثين عن عمل وأصحاب العمل. وبدأ إعداد مسودتين لاستراتيجية التشغيل واستراتيجية تشغيل الشباب، ثم عقدت الوزارة في تشرين الثاني ورشة مع منظمة العمل الدولية وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي وجهات أخرى لوضع خريطة طريق وخطة أولية لمدة شهرين.

المعلومات المنشورة لا تذكر عدد من التحقوا بمشروع التمكين، أو من أكملوا التدريب، أو من وجدوا عملاً بعده، ولا تعرض كلفة البرنامج وتوزيع المستفيدين بين المحافظات. كما أن الإعلان عن فرصة عمل في ملتقى أو منصة يختلف عن توقيع عقد مستقر بأجر يكفي للمعيشة. هذه المؤشرات ضرورية لأن بطالة الشباب المقدرة في 2022 كانت مرتفعة جداً، ولأن المقارنة مع 2010 تبين أن المشكلة تراكمت على امتداد أكثر من عقد.

بدأ قطاع التعليم العام الدراسي 2025 بخطوة مهمة هي توحيد التقويم والإطار التعليمي للمرة الأولى منذ أكثر من عشر سنوات، لكن 2.4 مليون طفل ظلوا خارج المدرسة. سيظهر أثر السياسة عندما ينخفض هذا العدد، وتعود المدارس المعطلة إلى الخدمة، ويصل التدريب المهني إلى من انقطعوا عن التعليم. ويحتاج ملف التشغيل إلى نشر عدد المشاركين والمتخرجين، ثم نسبة من حصلوا على عمل بعد ستة أشهر، مع توضيح النتائج حسب المحافظة والجنس والإعاقة وربطها بالإنفاق الفعلي.

يواجه الشباب في الأرياف ومناطق النزوح صعوبة أكبر في الوصول إلى هذه البرامج بسبب النقل وضعف الاتصال وتضرر المدارس ومراكز التدريب. وتواجه الشابات قيوداً إضافية حين لا تتوافر بيئة عمل آمنة أو خدمات تساعدهن على رعاية الأطفال. أما الشباب ذوو الإعاقة، الذين استضاف مركز مخصص لهم الفعالية الأخيرة، فيحتاجون إلى وصول فعلي إلى المباني والتدريب وأماكن العمل. أي تقييم عام يغفل هذه الفروق قد يسجل تقدماً في عدد الدورات، بينما تبقى الفئات الأشد حاجة خارجها.

تثبت المقارنة بين 2020 و2026 أن قنوات الاستماع اتسعت، وأن الدولة بدأت بناء أطر خاصة بالشباب والتشغيل. وتثبت أرقام البطالة والفقر والتعليم أن حجم المشكلة ما زال أكبر من النتائج المنشورة. المطلوب الآن نشر استراتيجية الشباب كاملة، وتحديد المسؤوليات والتمويل والمواعيد، ثم إعلان أثر برامج التشغيل والتعليم بصورة دورية. البيانات المتاحة اليوم تكفي لإثبات توسع التشاور، ولا تكفي لتقييم التنفيذ.

اقرأ أيضاً: من 25 ألف ليرة إلى ملايين! أقساط السكن الشبابي والعمالي تحت الضوء لهذا السبب!

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى