ما الذي خلص إليه تقرير «معهد الشرق الأوسط» بشأن سوريا؟

أحمد علي
تحتاج الأسرة السورية إلى ما هو أبعد من سماع أن موقع بلادها استراتيجي، فهي تحتاج كهرباء تصل إلى البيت، وعملاً يتيح البقاء فيه.. لذلك يستحق الحديث عن تحول سوريا إلى مركز للتجارة والطاقة سؤالاً عن الصلة بين الطرق التي تعبر الأرض وحياة من يسكنونها.
يرى تشارلز ليستر، في تحليل نشره معهد الشرق الأوسط يوم 28 أيلول 2026، أن الاستقرار النسبي والابتعاد عن الحرب الإقليمية يمنحان سوريا فرصة للتعافي والاندماج، لكنه يربط نجاحها بمسار الانتقال السياسي.. وهذه قراءة باحث لفرصة مشروطة، وليست شهادة باكتمال التعافي بأي حال من الأحوال.
يشار إلى أن معهد الشرق الأوسط مؤسسة بحثية وتعليمية أميركية تأسست عام 1946 ومقرها واشنطن، وتعرّف نفسها بأنها مستقلة وغير حزبية وغير ربحية. ينشر دراسات عن المنطقة ويقدم توصيات لصنّاع السياسات. وتأتي أهمية تناول تحليله عن سوريا من أنه يجمع فرص التعافي والربط الاقتصادي والمخاطر الأمنية وشروط الانتقال السياسي في قراءة واحدة، ويقترح على واشنطن دوراً في توجيه هذا المسار. لذلك نقرأه لفهم جانب من التصورات المطروحة في الأوساط البحثية الأميركية، وفحص ما تعنيه للسوريين، وأين تلتقي مصالحهم مع مصالح القوى الخارجية أو تفترق عنها. وتبقى خلاصاته تقديرات كاتبه تشارلز ليستر، ولا تمثل موقفاً رسمياً للحكومة الأميركية.
الجغرافيا تبحث عن وظيفة
تجمع رؤية ليستر بين النفط والغاز والموانئ والسكك والطرق، وصولاً إلى ربط البحار الأربعة. ويعتبر اضطراب الممرات البحرية دافعاً للبحث عن بدائل تمر بسوريا، ويرى في التقارب العربي التركي منافسة محتملة لدور إسرائيل في الممرات الاقتصادية.
يمكن اختبار هذه الرؤية عند مشروعات محددة. ففي بيانها المؤرخ 14 أيار 2026، أكدت موانئ دبي العالمية أن تطوير مرفأ طرطوس يستند إلى امتياز مدته 30 عاماً وُقّع في تموز 2025، والتزام باستثمار 800 مليون دولار لتحديث البنية وزيادة القدرة التشغيلية. المبلغ هنا التزام استثماري، ولا يثبت البيان إنفاقه كاملاً.
أما الغاز، فثمة فرق بين مشروع قيد الدراسة وخط بدأ العمل. أعلن صندوق قطر للتنمية انطلاق نقل الغاز الأذربيجاني إلى سوريا عبر تركيا في 2 آب 2025، بعد تأهيل الوصلة بين كلس وحلب. يثبت ذلك وجود تعاون عابر للحدود دخل التشغيل، لكنه لا يكفي لإعلان إنجاز شبكة الممرات المطروحة كلها.
تمرّ البيانات أيضاً
تمتد الفكرة إلى الاتصالات، ويمنح إفصاح شركة الاتصالات السعودية في السوق المالية يوم 7 شباط 2026 مشروع سيلك لينك مضموناً محدداً، بقيمة 3 مليارات ريال، وشبكة ألياف ضوئية مخططة تتجاوز 4500 كيلومتر، إلى جانب مراكز بيانات ومحطات لإنزال الكابلات البحرية.
يفتح هذا مجالاً لفهم العبور بوصفه خدمة رقمية كذلك. غير أن القيمة الاجتماعية للمشروع تحتاج اختباراً آخر، يتعلق بجودة اتصال السوريين وأسعاره وفرص العمل المرتبطة به. زيادة البيانات العابرة للأرض لا تخبرنا، بمفردها، كم تتحسن خدمة الناس فوقها.
الأمن لا يختصر العدالة
يضع ليستر داعش وشبكات مرتبطة بإيران وحزب الله بين أبرز تهديدات الانتقال، ويناقش التفجيرات وتهريب السلاح والمخدرات. يستند جزئياً إلى روايات الأجهزة السورية وبياناته البحثية. لم أتمكن من التحقق بصورة مستقلة من جميع تفاصيل الاتهامات المتعلقة بتلك الشبكات.
في المقابل، يقدم تقرير لجنة التحقيق الأممية عن الساحل، المؤرخ 11 آب 2025، أساساً مستقلاً لبحث مسؤولية حماية المدنيين. فقد وثّق أفعالاً يُرجّح أن ترقى إلى جرائم حرب ارتكبها مقاتلون موالون للحكومة السابقة وأفراد من القوات الحكومية الانتقالية وأشخاص آخرون، وطالب بمحاسبة جميع المسؤولين. ولم يجد دليلاً على سياسة حكومية لتنفيذ الهجمات الموثقة. هذا التمييز ضروري، فالمساءلة تتطلب تحديد الأفعال والمسؤوليات.
ثم تأتي هشاشة المعيشة. توقعت بعثة صندوق النقد الدولي في 4 آب 2026 تسارع التعافي، لكنها أكدت استمرار الفقر واتساع التفاوت بين المناطق. لذلك لا يصح اختزال الاستقرار في تراجع الهجمات، أو اختزال الاقتصاد في قيمة الاتفاقيات. يبقى السكن والخدمات والعمل جزءاً من شروط استدامته.
فرصة تقاس بمن يعيشونها
يوصي ليستر بحضور دبلوماسي أميركي دائم ودعم قدرات المؤسسات الأمنية، ويربط الاندماج السوري بالمصلحة الأميركية. ويحذر من تعثر التمثيل السياسي والعدالة الانتقالية والإصلاح الدستوري، بما قد يبدد المكاسب الاقتصادية. فالطريق، في تقديره، يمتد سنوات.
تلك هي المسألة التي ينبغي إبقاؤها أمام القارئ. تستطيع الجغرافيا أن تجذب مصالح متعددة، بينما يحدد التنظيم السياسي والاقتصادي نصيب المجتمع منها. إذ يصبح التفاؤل أكثر صلابة حين يرافق كل مشروع حساب منشور للكلفة والعائد، وفرص معلنة للعمل، ومؤسسات يستطيع المواطن مساءلتها. وعندها يغدو موقع سوريا مورداً لأهلها، وتكتسب خرائط العبور معنى يتجاوز خطوطها.
اقرأ أيضاً: تداعيات حرب الشرق الأوسط على موقع سوريا الإقليمي… هل تتغيّر سياسة دمشق؟









