رواد

مالك الجندلي.. الموسيقار الذي جمع الشرق والغرب في نوتة موسيقية

بقلم هلا يوسف

لطالما كانت الموسيقى لغة الشعوب الحية، وسمفونية سلام تعكس المحبة والتآلف بين العالم. ومن بين النوتات ظهرت قامة فنية سورية، عزفت اسم الوطن على أهم المسارح العالمية، لتشدو بألحانٍ توحد فيها مقامات الشعوب ورسالتها السامية. في هذا المقال سنتعرف على الموسيقار السوري مالك الجندلي الذي ضجت باسمه مواقع التواصل الاجتماعي مؤخراً عقب إعلانه إقامة عدة حفلات في وطنه بمناسبة ذكرى التحرير الأولى.

ينحدر مالك الجندلي من عائلة سورية تعود أصولها إلى مدينة حمص. وهو عازف بيانو وموسيقار مولود في ألمانيا عام 1972. ارتبطت حياته بالموسيقى منذ نعومة أظافره، حيث بدأت تأخذ مكانتها في عالمه منذ أن كان في الرابعة من عمره. تعلم جندلي العزف على البيانو في سن مبكرة، وفي سن الثامنة، قدم أول حفل له على خشبة المسرح، ليعلن بذلك بداية مسيرته الفنية.

أخذ جندلي علومه الموسيقية في ألمانيا، حيث تعلم على يد فيكتور بونين من كونسرفتوار تشايكوفسكي. لكن رحلته الفنية لم تتوقف عند هذا الحد، فقد قرر في مرحلة لاحقة الانتقال إلى الولايات المتحدة الأميركية، حيث حصل على منحة دراسية كاملة لدراسة نظريات التأليف الموسيقي في جامعة كوينز. وتخرج في عام 1997 بدرجة امتياز تحت إشراف البروفسور بول نيتش. ثم تابع دراسته للحصول على شهادة الماجستير في عام 2004 من جامعة كارولينا الشمالية، حيث تخرج بدرجة شرف.

مالك جندلي العالمي

لقد استطاع مالك جندلي أن يحقق مكانة مرموقة في عالم الموسيقى، ليصبح أحد أهم عازفي البيانو والموسيقيين في العالم. فقد قدم أعماله الموسيقية برفقة العديد من الفرق السيمفونية العالمية في أنحاء مختلفة من العالم، بما في ذلك الشرق الأوسط وأوروبا والولايات المتحدة الأميركية. وقد أبدع جندلي في دمج المقامات الموسيقية الشرقية بقوالب الموسيقى الغربية الكلاسيكية، وهو ما منحه تميز كبير في مجاله.

إلى جانب كونه عازف موهوب فقد كانت له مساهمات كبيرة كمؤلف موسيقي. وهو عضو في الجمعية الأميركية للملحنين والمؤلفين والناشرين. كما شغل العديد من المناصب الأكاديمية المرموقة، فقد اختارته جامعة كوينز الأميركية كباحث في التراث الموسيقي العربي. كما عمل كباحث زائر في مركز الإبادة الجماعية وحقوق الإنسان بجامعة روتجرز الأميركية. والجدير بالذكر أن المؤسس الشريك والمدير التنفيذي السابق لشركة آبل العالمية المخترع الراحل ستيف جوبز يكون ابن عمه. كما احتضن الجندلي المواهب العربي الشابة ودعمها للوقوف على خشبة مسرح كارنيغي للسلام الدولي. وهو المؤسس والرئيس التنفيذي للمنظمة الخيرية بيانو من أجل السلام، والموسيقار الفخري لمتاحف قطر

إسهاماته الإنسانية والنضال من أجل حقوق الإنسان

لم يكن مالك جندلي موسيقي فقط، بل كان أيضاً من أبرز المدافعين عن حقوق الإنسان، لا سيما في قضايا الشعب السوري. ففي عام 2011، حمل جندلي البيانو إلى أمام البيت الأبيض في تظاهرة سلمية احتجاجاً على وحشية النظام السوري. وبعد اندلاع الثورة السورية، تعرض والداه لاعتداءات جسدية ونفسية من قبل أجهزة النظام السوري، الأمر الذي زاد من حدة نضاله السياسي والإنساني. كما استخدم جندلي منصاته الفنية لدعوة العالم إلى الانتباه إلى معاناة الشعب السوري، وهو ما جعل موسيقاه تصبح وسيلة للتعبير عن قضايا إنسانية وسياسية هامة.

تكريماته وجوائزه

حظي مالك جندلي بتقدير عالمي على إسهاماته الفنية والإنسانية. فقد تم منحه العديد من الجوائز والتكريمات الدولية، من أبرزها:

  • منحته مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي عام 2015 لقب “المهاجر العظيم”، تقديراً لمساهمته في إثراء الثقافة الأميركية من خلال موسيقاه ورسائله الإنسانية.
  • تم ترشيح فيلمه الوثائقي “مالك جندلي: طائر الفينيق في المنفى” لجائزة إيمي في شيكاغو عام 2019، تقديراً لقصته الإنسانية والفنية.
  • حصل على جائزة حرية التعبير عن أغنيته الشهيرة “وطني أنا” عام 2011 من مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية في لوس أنجلوس.
  • حصل على جائزة الإبداع الثقافي في نيويورك عام 2012: تقديراً لفنه وجهوده التي أثرت في الساحة الموسيقية العالمية.

بالإضافة إلى ذلك، فقد كرمته نقابة الفنانين السورية في عام 2025 بعد سقوط نظام الأسد ومنحته عضوية بمرتبة الشرف تقديراً لمسيرته الفنية ودعمه المستمر لقضية الشعب السوري.

الأسلوب الموسيقي والجولات العالمية

موسيقى مالك جندلي هي تجسيد مثالي لدمج التراث الشرقي بالموسيقى الغربية. فبفضل عبقريته الموسيقية، استطاع جندلي أن يعزف على البيانو ويؤلف أعمال سيمفونية تتناغم فيها الأصوات الغربية مع الإيقاعات الشرقية. واستجابة لمنظمة اليونيسكو للحفاظ على تراث سوريا الثقافي الثري وحمايته في الوقت الذي يتعرض فيه للتدمير الممنهج والاندثار عزفت أوركسترات عالمية مثل الأوركسترا الفيلهارمونية الملكية في لندن، وأوركسترا زغرب الفيلهارمونية، وأوركسترا القاهرة السيمفونية، بالإضافة إلى الأوركسترا الوطنية السورية أعماله. وقد قدم جندلي موسيقاه على أهم المسارح العالمية مثل مركز كينيدي للفنون في واشنطن، دار الأوبرا في فيينا، والكونسرفتوار الملكي في تورنتو وساحة لافاييت في البيت الأبيض، وقاعة ألبرت الملكية وساينت جونز سميث سكوير في لندن، ودار الأوبرا بدمشق.

ألبوماته الموسيقية وأعماله السيمفونية

من أبرز إنجازات مالك جندلي موسيقياً هو عمله “أصداء من أوغاريت” الذي أطلقه في عام 2009. هذا الألبوم يعد من أبرز أعماله حيث أعاد جندلي توزيع أقدم تدوين موسيقي في العالم، اكتشف في مدينة أوغاريت السورية، وهو يعود إلى أكثر من 3000 سنة. أضاف جندلي إلى هذا التدوين الإيقاع والهارموني العصري، ليخلق قطعة موسيقية فريدة وعمل موسيقي مميز.

من أبرز أعماله السيمفونية:

  • السيمفونية رقم 1 “السورية” (2012)
  • السيمفونية رقم 2 “إشراق” (2013)
  • السيمفونية رقم 3 “هرايث” (2014)
  • السيمفونية رقم 4 “أوركسترا الوتريات” (2015).

وقد حازت أعماله على إعجاب النقاد والجمهور في مختلف أنحاء العالم، وحققت ألبوماته نجاح كبير في الأسواق العالمية. كما حققت أعماله الموسيقية مبيعات ضخمة على منصات مثل آي تيونز وأمازون. وتوزع أعماله عالمياً من قبل شركة فيرجين میغاستورز، كما استضافته العديد من المحطات الإذاعية والمرئية منها الإذاعة الوطنية العامة بي بي سي، وقناة الجزيرة العربية،  وغلوبو البرازيل، والقناة الفرنسية، وسي إن إن وغيرها من القنوات.

أهم الجوائز التي حصل عليها جندلي:

  • 1988: الجائزة الأولى في المسابقة الدولية للموسيقيين الشباب.
  • 1997: جائزة أفضل عازف بيانو من الولايات المتحدة.
  • 2003: الجائزة الكبرى في التأليف الموسيقي من مدينة أتلانتا.
  • 2005: عضو تحكيم دولي في مسابقات العزف على البيانو.
  • 2011: جائزة حرية التعبير عن أغنيته “وطني أنا”.
  • 2015: لقب “المهاجر العظيم” من مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي.

باختصار مالك جندلي هو فنان استثنائي استطاع الجمع بين الموهبة والمواقف الإنسانية. واستخدم موسيقاه للتعبير عن معاناة شعبه. وستبقى سيمفونياته تتردد في قلوب محبيه.

اقرأ أيضاً: الغناء السرياني في سوريا تراثٌ يتجدد وذاكرة ثقافية للبلاد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى