ماكرون في دمشق: بوابة استثمار جديدة لسوريا أم ماذا؟

الكاتب: أحمد علي
يضع وصول إيمانويل ماكرون إلى دمشق في 6 تموز 2026 العلاقة السورية الفرنسية أمام مرحلة مختلفة، فالزيارة هي الأولى لرئيس دولة من الاتحاد الأوروبي إلى سوريا بعد سقوط بشار الأسد في 2024، وأول زيارة لرئيس فرنسي إلى دمشق منذ عام 2009، لكنها لا تكفي وحدها لفتح باب الاستثمار. ما تفعله الزيارة هو نقل النقاش من رفع العقوبات والاعتراف السياسي إلى سؤال أكثر صعوبة: هل تستطيع سوريا تحويل الاهتمام الفرنسي والأوروبي إلى عقود ومشاريع وفرص عمل؟
وصل ماكرون إلى دمشق برفقة وفد اقتصادي يضم قيادات من شركات فرنسية كبرى، بينها توتال إنرجيز وCMA CGM، على أن تكون إعادة الإعمار أحد الملفات الأساسية في الزيارة. وذكرت وكالة أسوشيتد برس أن الرئيس الفرنسي كان مقرراً أن يلتقي الرئيس أحمد الشرع، وأن يجري لقاءات مع ممثلين عن المجتمع السوري، إضافة إلى محادثات اقتصادية وتوقيع مذكرات تفاهم.
وهذه التفاصيل تجعل الزيارة أكبر من بروتوكول سياسي، لكنها تضعها أيضاً داخل حدودها الواقعية. فمذكرات التفاهم لا تساوي استثمارات منفذة، والوفود الاقتصادية لا تتحول تلقائياً إلى مصانع ومرافئ ومحطات كهرباء.
ماالذي تغيّر في العلاقة؟
بدأ الانفتاح الفرنسي على دمشق قبل الزيارة الحالية. في 7 أيار 2025، استقبل ماكرون الرئيس أحمد الشرع في قصر الإليزيه، وأكد دعم فرنسا لسيادة سوريا ووحدة أراضيها، كما تحدث عن العمل لرفع العقوبات الأوروبية. بعد أسابيع، اتخذ الاتحاد الأوروبي قراراً برفع التدابير الاقتصادية التقييدية عن سوريا، مع الإبقاء على إجراءات تستهدف شخصيات وكيانات مرتبطة بالنظام السابق أو بملفات أمنية وحقوقية.
وفي الولايات المتحدة، أعلنت وزارة الخزانة أن أمراً تنفيذياً صادراً في 30 حزيران 2025 أزال العقوبات الأمريكية على سوريا اعتباراً من 1 تموز من العام نفسه، مع بقاء قيود على الرئيس السابق بشار الأسد ومحيطه وبعض الجهات المرتبطة بالإرهاب والمخدرات وانتهاكات حقوق الإنسان.
وهذا التغير في البيئة القانونية مهم لأي شركة تفكر في الدخول إلى السوق السورية. قبل ذلك، كانت المخاطر القانونية والمصرفية تجعل كثيراً من الشركات الأوروبية تتجنب التعامل المباشر حتى في القطاعات المدنية. اليوم أصبح الباب أوسع، لكنه لم يصبح مفتوحاً بلا شروط. المصارف تحتاج إلى قواعد امتثال واضحة، والشركات تحتاج إلى ضمانات تعاقدية، والدول الغربية ستربط جزءاً من انخراطها بملفات الحكم الشامل، الأمن، العلاقة مع الجوار، وحماية المكونات السورية.
لذلك من الأدق التعامل مع زيارة ماكرون بوصفها إشارة سياسية قوية لا بداية استثمار مضمون. فرنسا تقول إنها تريد الحضور في إعادة الإعمار، وسوريا تريد نقل علاقاتها مع الغرب من مرحلة القطيعة إلى مرحلة الشراكة. بين الرغبتين توجد مساحة كبيرة من العمل الإداري والقانوني والمالي.
الاستثمار قبل العقود
تحتاج سوريا إلى أموال ضخمة لإعادة بناء ما دمرته سنوات الحرب. تقدير البنك الدولي الصادر في تشرين الأول 2025 وضع كلفة إعادة الإعمار عند 216 مليار دولار، ضمن نطاق يتراوح بين 140 و345 مليار دولار. ووفق التقرير نفسه، بلغت الأضرار المباشرة في البنية التحتية والمباني السكنية وغير السكنية 108 مليارات دولار، وكانت البنية التحتية الأكثر تضرراً بقيمة 52 مليار دولار. هذه الأرقام تفسر لماذا لا تستطيع دمشق الاعتماد على الموازنة العامة أو المساعدات وحدها.
حضور شركات فرنسية في مجالات الطاقة والنقل البحري يعطي الزيارة بعداً عملياً. توتال إنرجيز معنية بطبيعتها بقطاع الطاقة، وCMA CGM سبق أن ارتبط اسمها باستثمارات في المرافئ السورية، وهذا يجعل القطاعات المطروحة أقرب إلى الاقتصاد الحقيقي من العناوين العامة. وكالة سانا نقلت عن مجلس الأعمال السوري الفرنسي أن الجانبين يتطلعون إلى مذكرات تفاهم في الصحة والبنية التحتية والنقل والشؤون القانونية والتعليم، كما تحدث ممثلون في المجلس عن فرص في الطاقة والنفط والغاز والفوسفات والسياحة والكهرباء والمياه.
لكن الاستثمار لا يبدأ عند صورة الوفد، فالمستثمر يسأل عن القدرة على الدفع والتحويل، وعن استقرار القوانين، وعن تسوية النزاعات، وعن وجود شريك محلي واضح، وعن الكهرباء والمرافئ والطرق واليد العاملة. يسأل أيضاً عن حجم السوق، وعن قدرة المستهلك السوري على الشراء، وعن طريقة تعامل الدولة مع القطاع الخاص. وهذه الأسئلة قد تبدو أقل جاذبية من عنوان الزيارة، لكنها هي التي تحدد مصير أي مشروع بعد مغادرة الطائرة الرئاسية.
هنا تظهر أهمية مؤتمر القطاع الخاص السوري الذي رعاه برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في دمشق عام 2026. فالحديث هناك دار حول قانون الاستثمار رقم 114، وتبسيط الموافقات، وخدمات المستثمرين، وضماناتهم، وآليات تسوية النزاعات، وربط الاستثمارات بالوظائف والقيمة المضافة. وهذه الملفات هي الأرض التي سيقف عليها أي انفتاح فرنسي أو أوروبي. ومن دونها، يبقى الاستثمار أقرب إلى إعلان نوايا.
ماذا بعد زيارة ماكرون؟
المسألة لا تتعلق بفرنسا وحدها، وزيارة ماكرون تمنح دمشق فرصة لإظهار أنها تستطيع إدارة علاقات متوازنة مع أوروبا، وأنها قادرة على استقبال شركات كبرى ضمن قواعد واضحة. لكنها تفرض على الحكومة السورية مسؤولية أكبر في ترتيب الملفات التي ينتظرها المستثمرون. ورفع العقوبات يخفف العائق الخارجي، لكنه لا يعالج وحده ضعف الإدارة، ولا يحل مشكلة الشفافية، ولا يرمم البنية التحتية، ولا يضمن تمويلاً طويل الأمد.
هناك جانب سياسي لا يمكن فصله عن الاقتصاد. رويترز نقلت عن مسؤول رئاسي فرنسي أن ماكرون سيؤكد التزام فرنسا بسوريا حرة وتعددية وتحترم جميع مكوناتها. كما أشار التقرير إلى أن وعود السلطة الجديدة ببناء نظام شامل تعرضت لضغط بسبب موجات عنف طائفية وقومية خلال العام الماضي. المستثمرون لا يقرأون هذه المسائل كعناوين سياسية فقط. الاستقرار الأهلي، وضوح سلطة القانون، وحماية الحقوق، كلها عوامل تدخل في حسابات المخاطر.
ماكرون هو أول رئيس دولة من الاتحاد الأوروبي يزور دمشق بعد سقوط السلطة السابقة، وأول زعيم غربي كبير بحسب توصيف أسوشيتد برس، لكنه ليس أول رئيس أو رأس دولة أجنبي يصل إلى سوريا بعد 2024، إذ سبقه أمير قطر في كانون الثاني 2025، كما زار الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي سوريا في نيسان.
يمكن لزيارة ماكرون أن تكون مدخلاً لمرحلة استثمارية إذا تحولت مذكرات التفاهم إلى عقود معلنة، وإذا دخلت الشركات في مشاريع محددة زمنياً ومالياً، وإذا ظهرت آثارها في قطاعات يحتاجها الناس مثل الكهرباء والنقل والمياه والصحة. أما إذا بقيت عند مستوى الرسائل السياسية واللقاءات الاقتصادية، فستكون مهمة في إعادة فتح القنوات، لكنها لن تكفي وحدها لتغيير وضع الاقتصاد.
الخلاصة أن ماكرون في دمشق حدث سياسي مهم، وفيه بعد اقتصادي واضح. فالزيارة تفتح نافذة أمام الشركات الفرنسية والأوروبية، لكنها لا تصنع الاستثمار من تلقاء نفسها. وسوريا تحتاج إلى شراكات خارجية، وتحتاج أكثر إلى قواعد داخلية تجعل هذه الشراكات قابلة للتنفيذ والمحاسبة. وعند هذه النقطة تحديداً ستظهر قيمة الزيارة: في المشاريع التي تبدأ، لا في الصور التي التقطت.
اقرأ أيضاً: فرنسا في سوريا.. جعجعة طَحنُها الوهم









