سياسة

مازن ديروان ودعم الخبز في سوريا… أين تتعثر المقارنة بألمانيا؟

الكاتب: أحمد علي

أعاد تصريح رئيس اتحاد غرف الصناعة السورية: مازن ديروان عن دور الدولة في الخبز فتح نقاش قديم بصيغة حادة. الفكرة التي أثارت الاعتراض تقول إن دولاً مثل ألمانيا لا تنتج الخبز ولا تبيعه عبر دعم مباشر، وبالتالي يمكن لسوريا أن تبتعد عن هذا النوع من التدخل. الاعتراض على هذه المقارنة منطقي في جوهره، لأنه يضع السؤال في مكانه الصحيح. لا يمكن أخذ جزء من التجربة الألمانية وترك بقية النظام الذي يجعل هذا الجزء قابلاً للعمل.

في ألمانيا لا يحصل المواطن على ربطة خبز مدعومة بالطريقة السورية المعروفة، لكنه يعيش داخل شبكة حماية واسعة. العاطل عن العمل له إعانة مرتبطة بوضعه السابق أو بحاجته، والأسرة لها دعم للأطفال، والسكن والتدفئة يدخلان في حسابات المساعدة عند الفئات المحتاجة، والتعليم العام مجاني في معظمه، والتأمين الصحي جزء أساسي من النظام. لذلك يصبح سعر الخبز في السوق نتيجة منظومة دخل وحماية ورقابة، لا مجرد قرار بترك السلعة وحدها أمام القدرة الشرائية.

المشكلة في الاستشهاد بألمانيا تبدأ عندما تتحول المقارنة إلى أداة لتبرير رفع الدعم قبل بناء بديله. السوري الذي يقف أمام المخبز لا يقارن بين اقتصادين في كتاب جامعي. هو يقارن بين دخله وسعر الغذاء. وإذا أرادت الحكومة الانتقال من دعم السلعة إلى دعم المواطن، فالخطوة تحتاج إلى دخل كاف، وتأمين صحي، وتعليم لا يبتلع ما تبقى من راتب الأسرة، وحماية بطالة وسكن، وآلية واضحة تمنع تآكل أي تعويض نقدي مع تغير الأسعار.

دعم الخبز في سوريا وسؤال المقارنة

جاء الجدل بعد تداول مواقف منسوبة إلى ديروان في نقاشات إعلامية ومنشورات مرتبطة بحديثه عن أن الحكومة لا يجب أن تكون مسؤولة عن إنتاج الخبز أو التدخل في كل حلقة من حلقاته. ورد إعلاميون سوريون على هذه الفكرة من زاوية المقارنة مع ألمانيا وفرنسا، معتبرين أن نقل المثال الأوروبي إلى سوريا يحتاج إلى شروطه الاجتماعية والاقتصادية. أحد أبرز الردود قال إن ألمانيا لا تبيع الخبز ببطاقة تموينية، لكنها تدعم المواطن من خلال الدخل والحماية الاجتماعية والصحة والتعليم والسكن.

هذه النقطة أساسية. النقاش هنا لا يدور حول تقديس شكل قديم من الدعم، فالدعم العيني في سوريا تعرّض لخلل واسع خلال سنوات طويلة. هناك هدر، وتفاوت في الوصول، وتكاليف تشغيلية، ومشكلات جودة. لكن نقد الدعم لا يكفي للوصول إلى تحرير السعر. الإصلاح الحقيقي يسأل عن البديل الذي يحمي الأسر الضعيفة، وعن قدرة الدولة على دفع هذا البديل بانتظام، وعن الرقابة على السوق بعد التغيير.

الأرقام الأخيرة تجعل المسألة أكثر حساسية. برنامج الأغذية العالمي أعلن في أيار 2026 أنه خفّض مساعداته الغذائية الطارئة في سوريا من 1.3 مليون شخص إلى 650 ألفاً، وأوقف برنامجاً لدعم الخبز كان يصل إلى ملايين يومياً. كما أشار البرنامج إلى بقاء 7.2 ملايين شخص في حالة انعدام أمن غذائي حاد، بينهم 1.6 مليون في أوضاع شديدة. في حزيران، أكدت منصة تحقق سورية صحة قرار خفض عدد أرغفة ربطة الخبز التمويني من عشرة إلى ثمانية، مع تثبيت السعر عند 40 ليرة سورية جديدة، أي 4000 ليرة قديمة.

هذه الوقائع لا تمنع من مناقشة كلفة الدعم على الخزينة، لكنها تحدد حدود أي انتقال سريع. عندما تكون المساعدات تتراجع والقدرة الشرائية ضعيفة وسعر الغذاء حساساً، يصبح الخبز بنداً معيشياً مباشراً. لذلك يبدو الانتقاد الموجه إلى المقارنة بألمانيا مفهوماً، إذا بقي موجهاً إلى الفكرة لا إلى الشخص. المطلوب نقد النموذج المطروح، لا تحويل النقاش إلى شتيمة.

ماذا تعني ألمانيا فعلياً؟

النظام الألماني لا يعالج الفقر عبر سعر الخبز. يعالجه عبر شبكة من المدفوعات والخدمات والحقوق. الحكومة الألمانية أبقت في 2026 معدل الإعانة الأساسية للأفراد عند 563 يورو شهرياً للشخص الأعزب ضمن نظام الدعم الاجتماعي، وتدخل كلفة السكن والتدفئة في حسابات المساعدة عندما تكون مناسبة لوضع الأسرة والمنطقة. من يفقد عمله في نظام التأمين ضد البطالة يمكن أن يتقاضى 60 في المئة من أجره الصافي المحسوب، وترتفع النسبة إلى 67 في المئة لمن لديه أطفال وفق قواعد وكالة العمل الاتحادية.

تضاف إلى ذلك مزايا لا يمكن فصلها عن النقاش. إعانة الطفل في ألمانيا تبلغ 259 يورو شهرياً لكل طفل في 2026. المستفيدون من الدعم الأساسي يبقون مشمولين بالتأمين الصحي والرعاية طويلة الأجل، وتتكفل الجهة العامة المختصة بالمساهمات ضمن شروط النظام. التعليم المدرسي العام مجاني في معظم المدارس، والتدريب المهني في المؤسسات العامة مجاني أيضاً، بينما توجد مساعدات للتعليم والمشاركة تغطي احتياجات مثل المستلزمات المدرسية والرحلات والنشاطات لبعض الفئات.

عند وضع هذه العناصر معاً يتغير معنى المقارنة. ألمانيا لا تدعم الرغيف بالسعر المباشر لأن دخل المواطن وخدماته الأساسية محميان بدرجات مختلفة عبر الدولة والضرائب والتأمينات. هذا لا يعني أن النموذج الألماني بلا أزمات، فهناك نقاش دائم حول كلفة الرفاه وعبء الضرائب والسكن واللاجئين وسوق العمل. لكنه يعني أن الدولة لا تنسحب من حياة الفئات الضعيفة عندما تترك الخبز يباع بسعر السوق.

السؤال السوري مختلف. هل توجد اليوم إعانة بطالة تكفي للغذاء والسكن؟ هل يستطيع العامل محدود الدخل أن يمرض من دون خوف من الفاتورة؟ هل يغطي الراتب كلفة الغذاء والطاقة والنقل؟ هل يستطيع طالب أو متدرب أن يواصل تعليمه من دون أن تتحول المصاريف إلى عبء على الأسرة؟ ما دام الجواب العملي ضعيفاً، تصبح المقارنة بألمانيا ناقصة. تستطيع الحكومة أن تناقش شكل الدعم، لكنها تحتاج أولاً إلى شبكة أمان قابلة للقياس والدفع والمتابعة.

إصلاح الدعم يبدأ من البديل

الدفاع عن استمرار دعم الخبز بصيغته الحالية لا يقدم حلاً كاملاً. هناك حاجة إلى ضبط الكلفة وتحسين الاستهداف ومنع الفساد في الطحين والتوزيع، وإعادة بناء إنتاج القمح والمخابز والخدمات اللوجستية. لكن الطريق المعاكس، أي رفع الدعم أو تقليصه قبل رفع الدخل وبناء الحماية الاجتماعية، يدفع الأسر إلى مواجهة السوق وحدها. هذه وصفة قاسية في اقتصاد خرج من حرب طويلة وتراجع إنتاجي واسع.

المنطق الاقتصادي السليم لا يختصر دور الدولة في الخروج من المخبز. الدولة يمكن أن تترك الإنتاج للقطاع الخاص في قطاعات واسعة، لكنها تبقى مسؤولة عن منع الجوع وعن حماية الحد الأدنى من العيش. إذا أرادت نقل الدعم من السلعة إلى المواطن، فعليها إعلان رقم واضح للدعم النقدي، وطريقة احتسابه، ومصدر تمويله، وآلية تحديثه مع الأسعار، والجهة التي تضمن وصوله إلى المستحقين. من دون هذه الشروط سيتحول الحديث عن اقتصاد السوق إلى تغطية لخفض الإنفاق العام على حساب الأضعف.

هنا يصبح الرد على ديروان ضرورياً. سؤال كفاءة الدولة مشروع، والخلل يظهر عند القفز من نقد إدارة الخبز إلى استحضار ألمانيا كدليل على أن الدعم المباشر غير مطلوب. ألمانيا وصلت إلى ذلك عبر دولة ضريبية وإدارية واجتماعية متماسكة. سوريا تحتاج إلى ترتيب مختلف يبدأ من وضع الناس الحالي، لا من صورة نظام رفاه مستقر في أوروبا.

يمكن للسوريين أن يقبلوا نقاشاً صريحاً حول إصلاح الدعم إذا كان مقروناً ببدائل ملموسة. راتب يغطي الحد الأدنى، تأمين صحي فعلي، تعليم عام مستقر، تعويض بطالة، دعم سكن للفئات الأضعف، ورقابة على الأسعار والاحتكار. بعد بناء هذه الحماية يصبح تقليص دعم الخبز نقاشاً اقتصادياً طبيعياً. قبل ذلك سيبقى الخبز بالنسبة إلى ملايين الأسر خط دفاع يومي عن الحد الأدنى من الغذاء.

الخلاصة أن الهجوم على المقارنة بألمانيا له أساس قوي عندما يركز على مضمونها. لا يجوز استخدام بلد يتمتع بشبكة حماية اجتماعية واسعة لتبرير رفع أو تقليص دعم في بلد لا يملك بعد شبكة قريبة منها. الإصلاح مطلوب، لكن الإصلاح لا يبدأ بتحميل الفقير كلفة الانتقال. يبدأ بإعادة تعريف مسؤولية الدولة تجاه الغذاء والدخل والصحة والتعليم، ثم الانتقال تدريجياً من دعم غير كفوء إلى حماية أكثر عدلاً ووضوحاً.

اقرأ أيضاً: كاريكاتير: الحكومة تخفض عدد أرغفة ربطة الخبز

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى