ماذا يمكن أن يغيّر التعاون السوري السعودي في إدارة المتاحف؟

أحمد علي
تفقد القطعة الأثرية شيئاً من معناها حين ينفصل عنها سجلها، إذ يبقى الحجر في مكانه، لكن معرفة مصدره وتاريخه وما طرأ عليه تضعف، وتصبح حمايته أو المطالبة باستعادته أصعب إذا فُقد. لهذا تبدأ بعض أهم أعمال المتحف بعيداً عن قاعة العرض، عند بطاقة الجرد والصورة واسم الموظف المسؤول عن انتقال المقتنى.
هذا العمل اليومي هو محور مباحثات أعلنت عنها سانا في 28 أيلول 2026، بين المديرية العامة للآثار والمتاحف وخبراء سعوديين. ترأس الوفد السعودي سعيد الأحمري، رئيس مجلس إدارة شركة مستطيلات الصحراء للآثار. وناقش اللقاء، المنعقد قبل يومين، الأرشفة وقواعد البيانات وربط المؤسسات المتحفية. الخبر يفتح احتمالاً لتطوير الإدارة، لكنه لا يعلن عقداً ممولاً أو موعداً لإنجاز شبكة عاملة.
قبل الشاشة سجل يمكن الوثوق به
شرح المدير العام للآثار والمتاحف مسعود بدوي أن التصور يشمل توحيد أساليب الأرشفة، وتطوير قواعد لتصنيف المقتنيات، وإنشاء منصة تصل المؤسسات الأثرية والمتحفية السورية بعضها ببعض. ويرى أن السجل الرقمي، بما يتضمنه من مصدر القطعة وتاريخها وحالتها وصورها، يدعم الحماية والبحث واتخاذ القرار. هذه فوائد متوقعة؛ تحققها يتوقف على جودة المعلومات التي تدخل النظام واستمرار تحديثها.
فالملف الرقمي لا يصحح تلقائياً وصفاً خاطئاً، ولا يعوض معلومة لم تُسجل أصلاً. ويقدم معيار تعريف القطع، المعروف باسم Object ID لدى المجلس الدولي للمتاحف، أساساً عملياً يجمع الصور ووصف المادة والأبعاد والعلامات المميزة. وجود معيار متاح بالعربية يساعد على بناء لغة توثيق مشتركة، مع إبقاء مساحة للشك العلمي حين لا يكون المصدر أو التاريخ محسومين.
انتقال صغير ومسؤولية واضحة
تتغير الإدارة حين يصبح انتقال القطعة من المخزن إلى الترميم، ثم إلى العرض، حركة يمكن تتبعها. ويشدد معيار سبكترم لدى مؤسسة كولكشنز تراست على تحديث موقع المقتنى كلما تحرك، حتى داخل المتحف نفسه. يمكن لشبكة موحدة أن تساعد الموظفين على ذلك، شرط أن يعرف كل منهم ما يسجله ومتى ومن يراجع السجل.
ثم تظهر القيمة خارج الجدران. توضح الإنتربول أن إدخال قطعة إلى قاعدة بيانات الأعمال الفنية المسروقة يتطلب معلومات من جهات مخولة، وأن القاعدة تقبل المقتنيات القابلة للتعرف عليها بدقة. بهذا المعنى، يقوي التوثيق إمكانية التعرف والاسترداد، من دون أن يضمنهما. ولا يعني إنشاء قاعدة سورية أنها ترتبط آلياً بالإنتربول أو تحل محل الإجراءات القانونية.
الخبرة موجودة وتحتاج إلى الاستمرار
لا تبدأ المؤسسات السورية من فراغ. أعلنت اليونسكو في 18 حزيران 2026 نتائج تدريب في متحف حلب الوطني شمل جرد نحو 350 قطعة وتصويرها وتغليفها، وإنشاء أكثر من 450 بطاقة رقمية. نفذت البرنامج مع جامعة فلورنسا ومديرية الآثار، بدعم إيطالي وبمشاركة موظفين في المتحف وطلاب من جامعة حلب.
توضح هذه التجربة ما ينبغي أن تضيفه الشراكة الجديدة، تدريباً يرسخ داخل المؤسسة، وربطاً لما سبق إنجازه، بدلاً من إعادة إدخال البيانات نفسها في أنظمة متفرقة. كما أن برنامج اليونسكو لمتحف دمشق، المعلن في حزيران 2025، جمع تحسين التخزين والأمن مع حفظ الوثائق رقمياً وتدريب العاملين والتعليم المتحفي. صيانة المبنى وتأهيل الموظف جزء من نجاح الرقمنة، وليسا تفصيلاً يأتي بعدها.
ذاكرة عامة وإدارة قابلة للمساءلة
تحتاج المرحلة التالية إلى برنامج يحدد المتاحف المشمولة والتمويل ومسؤولية تحديث البيانات، ويضمن للمؤسسات السورية التحكم بسجلاتها واستمرار استخدامها وصيانتها. ومن الضروري الفصل بين ما يخدم معرفة الجمهور والباحثين، وما يستدعي تقييد الوصول لأسباب أمنية، مثل مواقع التخزين الدقيقة.
يمكن قياس النجاح بعدد السجلات المدققة، وسرعة العثور على المقتنى، وقدرة العاملين على مواصلة العمل بعد انتهاء التدريب. أما معناه الأوسع فيظهر حين تساعد هذه المعرفة تلميذاً على فهم تاريخ بلده، وتمنح المجتمع وسيلة لحماية ما يخصه. عندها يصبح المتحف ذاكرة حية يستطيع الناس الوصول إليها، ويستطيعون أيضاً مساءلة القائمين عليها.
اقرأ أيضاً: هل تحول عميد المتاحف السورية إلى نسخة ثانية من إطارات بوسطن الفارغة!؟









