المجتمع السوري

ماذا يربح الناس من كراهيتهم؟ سؤال في المظلومية السورية

بقلم هلا يوسف

لا تزال فكرة المظلوميات تأخذ الحيز الأكبر من الشارع السوري، وعليها تقوم فكرة التجييش الطائفي والاستقطاب السياسي لكل مكون. وهذا بالأصل ما يخلق غضب مكبوت داخل كل مكون بتحميل اللوم لمكونات أخرى أو حكومات وشخصيات مسؤولة. إلا أننا في هذا المقال سنناقش فكرة المظلوميات من ناحية أخرى، وهي كيف يمكن تحويل المظلومية إلى ردة فعل طبيعية قابلة لاستغلالها في إعادة إعمار المجتمعات بدلاً من تركها تنمو داخل النفس لتتحول إلى حالة عداء دائم.

في أحد أحياء دمشق المهدمة، بين الجدران المتصدعة والأزقة المغلقة بركام البيوت، يجلس رجل في منتصف العمر يتأمل الحي الذي تربى فيه، حيث لم تعد الحياة كما كانت. فالمدارس إما أغلقت أو دمرت، والأحياء التي كانت نابضة بالحياة صارت أماكناً للخراب والخوف. في الماضي، كان يتصور أن المستقبل سيحمل له ولأبنائه فرصاً أكبر، وحياة طبيعية ومستقرة. بينما يجد نفسه اليوم يحكي عن الفقدان، والخسارات اليومية، والظلم الذي يشعر أنه جزء منه منذ البداية، ليتحول إلى غضب وعداء اتجاه النظام السابق وكل من أيده أو حتى من كان محايداً فيه.

الحالة السابقة ليست شعوراً فردياً، بل هو نموذج نفسي واجتماعي متكرر في المجتمعات التي مرت بصراعات طويلة مثل سوريا. ما نراه هنا هو آلية المظلومية، حيث يتحول الألم الشخصي أو الجماعي إلى شعور بالظلم، ومن ثم إلى غضب، ومن الغضب إلى هوية جماعية أو سياسية. كما كتب جيمس بالدوين: “أحد أسباب تمسك الناس بكراهيتهم بعناد هو شعورهم، بمجرد زوال الكراهية، بأنهم سيُجبرون على التعامل مع الألم”.

في سوريا، يظهر هذا النموذج في أكثر من مستوى. المواطن الذي فقد منزله بسبب القصف يجد نفسه غاضباً من النظام السابق، أو من المعارضة المسلحة، أو من التدخلات الأجنبية، ومن جيرانه الذين يملكون بعض الأمان، ومن الإعلام الذي يبدو أحياناً غير متعاطف، ويمكننا هنا ذكر مثال قريب جداً وهو السوريون في مخيمات الشمال الذين شعروا بأن الحكومة نستهم. أو مثلاً الشاب الذي لم يجد فرص عمل بعد تخرجه يتحول إحباطه إلى غضب على النظام، أو على السوق السوداء والمحسوبية، أو على أي مؤسسة تعتبر جزءاً من السلطة أو النفوذ. وهذا الغضب غالباً ما يتغذى على سرديات المظلومية الجماعية، التي تقول: “لقد حُرمنا، لقد ظلمنا، والآخرون مسؤولون عن معاناتنا”.

لكن سوريا ليست مجتمعاً من لون واحد، بل تتعدد مكوناته، وكل مكون يعيش مظلومياته الخاصة، التي تتشابك مع الألم العام للحرب والنزاع:

المواطنون الذين عانوا من القصف والدمار والنزوح والموت، وجدوا في المظلومية طريقة لتفسير إحباطاتهم اليومية: النظام المسؤول عن قتلنا، والميليشيات المحلية أو الأجنبية التي تتحكم بمنافذ القرار. في هذه الحالة، يصبح الغضب والفقدان الشخصي قصة جماعية، وتحويل الألم إلى عداء ينسق الهوية والانتماء.

وأيضاً القوميات كالأكراد على سبيل المثال، عانوا تاريخياً من التهميش والحرمان من الحقوق السياسية والثقافية، ويشعرون بأن مطالبهم بالهوية والحكم الذاتي كانت دائماً موضوع رفض أو قمع. خلال الحرب، اكتسبوا مساحة من الحكم الذاتي في الشمال، لكنهم شعروا دائماً بالتهديد من أطراف مختلفة: مثل الحكومة الحالية، والنظام السابق، وحتى التدخلات التركية. هذا المزاج المزمن للمظلومية ساعد على تشكيل هوية جماعية قوية تعتمد على الشعور بالتهديد الدائم والعداء تجاه كل من يهدد وجودهم.

هذا يتوافق مع ما وجدته كاثرين كرامر في أبحاثها، حيث توضح كيف يمكن للركود الاقتصادي أو التهميش الهيكلي أن يحول شعور المواطنين بالإقصاء إلى استياء عميق تجاه النخب، ويدفعهم إلى سرديات تبرر الغضب والعداء.

المكونات الطائفية الأخرى الذين عانوا من استهداف مزدوج: العداء المجتمعي من بعض المؤيدين للحكومة الجديدة، والخطر الناشئ من الحرب الأهلية التي لم تترك أي أحد بمعزل عن التهديد. هذا المزاج دفعهم إلى تعزيز شعورهم بالهوية والانتماء ضمن جماعاتهم الخاصة، حيث أصبح العداء ليس مجرد وسيلة للدفاع عن النفس، بل طريقة لإضفاء معنى على الوجود في عالم غير مستقر. كما تشير دراسات آرلي راسل هوتشيلد على المجتمعات التي تشهد نزاعات اجتماعية مستمرة، إلى أن الأفراد غالباً ما يشكلون ما تسميه “قصة عميقة” تحول الإقصاء والمعاناة إلى شعور بالاستحقاق الأخلاقي والغضب الموجه نحو الآخرين.

هذا النمط النفسي يشبه ما لاحظه نيتشه في القرن التاسع عشر حول تعريف الاستياء بأنه الآلية العاطفية التي تحول الألم والحرمان إلى غضب ولوم. وكما لاحظت ويندي براون، فإن الاستياء ينطوي على ثلاثية: توليد شعور بالظلم والغضب، تحديد مذنب مسؤول عن الألم، وتوفير منفذ للانتقام. وبذلك تشير الدراسات الحديثة في علم النفس السياسي والاجتماعي إلى أن المشاعر السلبية، مثل الغضب والإحباط، يمكن توجيهها جماعياً لتشكيل سرديات تستمر لسنوات، حتى عندما تتغير الحقائق الملموسة أو تتحسن الظروف الاقتصادية.

وهذا ينطبق أيضاً على السوشال ميديا، حيث يتخذ بعض الأشخاص هذا الموقف لأسباب تكتيكية، فهم يدركون أن إثارة الغضب والتظلم يمكن أن يجذب اهتمام جمهور واسع، ويزيد من متابعيهم على وسائل التواصل، أو يعزز مكانتهم السياسية، أو يرفع من قيمة علامتهم التجارية. وقد يظهر الأمر على أنه عرض تمثيلي، لكنه في الحقيقة وسيلة للوصول إلى هدف خارجي محدد، كالتأثير على الانتخابات أو زيادة أعداد  المعجبين.

لكن هذا التفسير وحده لا يكفي لشرح الظاهرة. حتى أولئك الذين يستخدمون الغضب والتظلم كأداة، غالباً ما يكونون متأثرين بحق بهذه المشاعر. فالعداء والغضب ليسا مجرد وسيلة، بل جزء من تجربتهم الذاتية، وهويتهم العاطفية. وفي بعض الحالات، لا يمكن وصف قادة مثل ترامب أو غيره بأنهم استراتيجيون فقط، فغضبهم صادق وحقيقي، ويعكس إحساساً بالظلم والتضرر.

الحل لتوظيف المظلوميات في إعادة البناء المجتمعي

بحسب الدراسات العلمية لا بد من توجيه مشاعر الغضب واللوم إلى طاقات هادفة تغني معنى الحياة بالنسبة للأشخاص. فمثلاً الشاب الذي ينتمي إلى حلب أو إدلب، وفقد بيته وعائلته، لكنه يجد نفسه جزءاً من مشروع تعليمي أو إنساني في المدينة سيتحول إحباطه الموجه تجاه النظام السابق أو أي جماعة أخرى إلى طاقة مسخّرة لخدمة مجتمع يبنيه هو وزملاؤه. هذا ما يشير إليه توما الأكويني وجوزيا رويس حول الإخلاص للقيم كمصدر للمعنى والهوية، حيث يصبح الالتزام بالعمل القيّم هو الدافع النفسي والاجتماعي، وليس الحاجة إلى العداء المستمر.

في المقابل، ما يحدث في سياسات المظلومات التكوينية هو أن العداء يصبح الغاية نفسها. كما توضح الأمثلة من الولايات المتحدة والهند والمجر، لا يهم إن كانت مطالبهم مشروعة أو تم تحقيقها، فالحركة لا تزال بحاجة إلى خصوم للحفاظ على الهوية والانتماء. وبحسب دراسة هوتشيلد وكيت مان وأميا سرينيفاسان، فإن الروايات السياسية التي تشكل الاستياء غالباً ما تكون مبالغاً فيها ومبسطة، لكنها فعالة جداً في تحويل الألم الشخصي أو الجماعي إلى عداء مستمر.

في سوريا، هذا يترجم إلى الحاجة المستمرة إلى تحديد أعداء، سواء كانوا أطرافاً سياسية، أو ميليشيات، أو جماعات طائفية أخرى، أو حتى جيران وأقارب. هذا ما يفسر لماذا كل محاولة للتهدئة أو التنازل غالباً ما تفشل، لأن الهدف العاطفي ليس تحقيق العدالة أو حل النزاع، بل الحفاظ على الحاجة المستمرة إلى الغضب والمعارضة.

إذا أردنا الخروج من هذه الدائرة، فإن الحل كما تشير الدراسات والفلاسفة، مثل هاري فرانكفورت ومارثا نوسباوم، ليس في القضاء على الاستياء، بل في إعادة توجيه الطاقة العاطفية إلى الإخلاص لقيم قابلة للبناء والمستمرة، كالتعليم، وإعادة الإعمار، أو المشاريع الاجتماعية والعمل المدني. هذا التوجه يوفر الانتماء والهوية والشعور بالغاية، ولكنه يفعل ذلك دون الحاجة إلى خصم مستمر.

باختصار، المظلومية السورية لكافة المكونات ليست مجرد شعور عابر، بل هي آلية نفسية وجماعية متجذرة، يمكن دراستها من منظور علم النفس الاجتماعي. وبالتالي فهم هذه الآلية، والمساعدة في تحويلها إلى إخلاص للقيم هو ما يخول الطاقة الكامنة في المظلوميات إلى طاقة بناء للهوية الوطنية الجامعة.

اقرأ أيضاً: الاعتراف بالمظلوميات لا يُضعف.. عندما يصبح الألم المشترك مدخلاً للوطنية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى